المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ..}عَلَى ْ شُرْفَة ِ القَمَر ْ،،!



سمــآح
29/07/2010, 12:19 PM
[هنا (http://www.bsmlh.net/vb/showthread.php?t=123839)] كان لنا موطئ
وكانتْ:



* القصاصة الأولى /
على شرفة القمر - العضوة: سمآح




..}عَلَى ْ شُرْفَة ِ القَمَر ْ،،!


http://www.almotmaiz.net/vb/upload/24026_01278507844.jpg



أحتار بينَ اثنتين من انفعالات الملائكة التي تهبُ وحيَ الشعر للبشر، هاته الانفعالات التي تتسمُ جميعها بالحب، إلا أنني لم أصل بعدُ للحجم الحقيقيّ الذي اتخذته تلك القوالب التي كانت قطراتُ الوحيِ تتشكَلُ فيها، لأصلَ بعدها إلى تحديد نسبةِ الرضى التي غمرت قلبَ الكونِ حينما أطلق القمرُ زغرودته حالَ ولادةِ النور الصارخ، وتعالي الهتافاتِ النسويةِ، في غرفةِ أمِّ مصطفى.. لمَّا كانت مستلقيةً على سريرِ الولادةِ، وكانت بينَ عضةِ شفةٍ وأخرى تضمُّ القمرَ إلى صدرها ليرشُفَ عطرَ الحنان، وماء الحياة.
بينا تضمُّهُ.. تعودُ بذاكرتها إلى اللحظاتِ الأولى.. حيثُ الصبيةُ الحلبيةُ الرقيقةُ "ابنة الشيخِ الطوخي" التي أسبلت عينيها على أملٍ كبيرٍ لما تقدم عبد الرازقِ "رئيسُ المحاكمِ الشرعية الإسلامية" في كثيرٍ من مُحافظاتِ مصر، وتغمضُ عينيها بارتخاء... حينما تذكرُ كيف أنها كادت تحلقُ بأجنحةٍ من فرح، حالَ تمام خطبتهما واقتراب زواجهما، كيفَ لها أن تستوعبَ الآن قيمةَ وشرفَ ارتباطها برجلٍ من نسل الفاروق... نعم، فقد كان نسبُ هذا الرجلِ ينتهي إلى خليفة المسلمين وأميرِ المؤمنين عمرَ بن الخطاب - t رضي الله عنه – غيرَ أنهُ تمتَّعَ بالورعِ والعلمِ، لم تفكر في ذلك طويلاً، بل أغمضتْ جفنيها على هذا الحلم الجميل وتلك الصورة البراقة خوفَ أن تضيع، فأيُّ شرفٍ سينالها وأيُّ منزلةٍ ستكونُ فيها بعد الآن، لكنها على أيةِ حالٍ لم تكن لتفكر ذاتَ يومٍ أنها سوف تلدُ قمراً يشعُ ضياؤهُ على امتداد الأنفاس البشرية.


http://www.almotmaiz.net/vb/upload/24026_11278507844.jpg


تعودُ الأمُ من رحلة التذكرِ حينَ تقتربُ منها أمها فتسحبَ من بينِ يديها الرضيع، لتضعهُ في سريره وتهمس: بمَ ستسميانه؟
ترسمُ الأمُّ الصغيرةُ سحرَ ابتسامتها في عينينِ تبرقانِ فرحاً ممتزجاً بوجع الولادة وترد برقة الواثقة: مصطفى صادق!
هو القمرُ الناعمُ النائمُ في "كافولة" الطفلِ الرقيقة الملتفةِ حولَ جسده النحيل، حتى تلك الكافولة، لم تكن تعلم وقتها أنها تحتضنُ القمر!
نساء قرية بهتيمْ[1] (http://www.bsmlh.net/vb/private.php?do=newpm&u=31692#_ftn1) بمحافظة القليوبية في مصر، كنَّ بسيطاتٍ لكنهنَّ يفقنَ حدَّ وصلِ الرحمِ إلى العنايةِ بالجارِ وكأنه أكثر قرباً من أنفسهنّ، فالتاريخ القديمُ يثبتُ ذلك وكلُّ الحياةِ في ذاكِ الوقتِ كانَ يسودها الودّ ونقاء الطبع، ولا يمكنُهُ أن يستثنى من ذلكَ العامُ الذي خصهُ الله ببهاء بشارة ولادة الرافعيّ.
قبلَ أن يكبرَ، بل حتى قبلَ أن يولد كان لديهِ ألف ميّزة زادها نقاء أربعٍ وعشرينَ قيراطَ ذهبٍ أن تلكَ الهديةَ التي أكرمَ الله الأدبَ بها أطلّت على الكونِ صورةً وصوتاً، في مفتتح عام ألفٍ وثمانمائة وثمانينَ للميلادِ، ومفتتح المحرم عام ألفٍ ومائتين وواحدٍ وتسعين للهجرة، ليكونَ مفتتحاً مباركاً لكلِّ طارقٍ لأبوابِ الأدب!
العائلة البسيطةٌ شديدةُ الارتباط بالدين الإسلاميّ، احتراماً للنسبِ العريقِ الذي شرُفَتْ به، كان لا يخلو منزلها من علماء الدين ورجاله، وكان "مصطفى" الصغير دوماً بينهم، فتربى حولَ حياض الخلق السامي والدين العظيم، ودرجَ مصطفى محتمياً بظلِّ والده الشيخ الكريم، لا تهزُّ لسعاتُ الباطلِ شعرةً في عقله الفذّ، ثمَّ ما لبثَ أن شدت انتباهه مكتبة والده الكبيرة، والتي كانت تحتلُ باحةَ الدارِ، فما إن كان يقتربُ منها إلا وينغمسُ في ظلالِ الكتبِ الوارفةِ، ويلتهمُ أوراقها حسبما تمليه عليه طبيعتهُ البريئة، وبقفزاتٍ طفوليةٍ ظلَّ يعتلي الأرففَ رفاً وراءَ رفٍ، حتى وصلَ أعلى رفوفها حيث يضعُ والداهُ "المصحفَ الشريف" وكما كانت تطيرُ عينا الصغير لكل كتابٍ طارت بحبٍ غريزيّ لأكرمِ كتاب... فأخذت يداه تسافرُ إليهِ حتى امتلكَ نسخةً عنه.


http://www.almotmaiz.net/vb/upload/24026_11278507844.jpg

حفلت مدرسةُ دمنهور بالطفلِ اللامع لما التحقَ بها ليدرسَ الابتدائية، لكنها لم تشبعْ بعدُ من رشاقة وخفة تنقلاته، حتى تركها وانتقل إلى المدرسة الأميرية بالمنصورة، ليتخرجَ منها أخيراً حاملاً شهادة الابتدائية بتفوق اللامعين، كان مصطفى وقتها قد بلغ سن السابعة عشر، إلا أنهُ قبلَ ذلك بسبعِ سنواتٍ على الأقل، كان قد ختمَ حفظَ الكتابِ الذي امتلكَ نسخة عنه، لقد حفظ أديبنا القرآن الكريم كاملاً قبل أن يبلغ سنَّ العاشرة.
الطفلُ الذيْ كانَ يمرُّ جوارَ زملائه، فيهرعُ إلى المسجدِ بينا يلهيهم اللعب، كانَ مثالاً للجندي الصغير الذي يطبقُ ما حفظ من القرآنِ عن ظهر قلب، ويعلمهُ أصدقاءه والأطفال من حوله، حتى سميَّ بـ "فيلسوفِ القرآن" ولمَّا كان كذلك، لم يخلُ تعاملهُ مع والديهِ وأحبته من رقةٍ في الطبع وكرمٍ في الأخلاق، فكانَ البارَ والمتميزَ والمعطاء والهادئ الذي ينتظرُ الجميعُ أن ينبجسَ ينبوع تألقٍ من روحه ذاتَ نجاح!

http://www.almotmaiz.net/vb/upload/24026_11278507844.jpg

رحلةُ التعليمِ العامرةُ بالنزولِ عندَ مواطئ العلماءِ كلَّ وقتِ حاجة، كانتَ مستمرةً سنةً وراء سنةٍ، يرفلُ فيها أديبنا بثيابِ التفوقِ في أحضانِ المدارسِ الأساسية، إلا أنها عند مضيِّ ثلاثين سنة من عمرِ الرافعيّ مصطفى... وقفَ بهِ المرضُ موقفاً صعباً، فلم يسطِعْ أن يكملَ التعليمَ الأساسيَّ، لكنَّهُ لم يسمحْ للعمرِ أن يمضيْ هدراً.. فعادَ إلى محضنِ طفولته الزاخرِ بالعلمِ من مختلف الألوان، عادَ إلى مكتبةٍ أبيهِ وأقامَ لديها.. فكأنها البحرُ وكأنهُ المهددُ أن يموتَ عطشاً، والتقيا... هيَ التي لم تغلق جناحيها أملاً في احتضانهِ ثانيةً ولملمةِ شتاته وشعثَ عقله، وهو الآيبُ الغريبُ القريب هو مصطفى الودودُ، تعانقا عندَ أول لقاءٍ واحتضنته حتى لا يودعَ الدنيا إلا ورأسهُ في حجرها.
كلما طرأ على خاطره طارئُ المرضِ الذي لم يترك لمصطفى فرصةَ التنزه في وريف حدائق الشباب، فأصرَّ أن يخففَ سمعه، وأصرَّ أن يأخذَ منه شيئاً!
التبريراتُ كثيرةٌ لكنه المرض وحسب، ومصطفى لم يكنْ كأيٍ من الشبابِ الذين يلومونَ القدرَ، بل عرفَ طريقه وخلدَ في حضنِ مكتبة والده، حتى أحاط بما فيها علما، وقد كانَ مصطفى وقتئذٍ يعملُ في المحاكم متنقلاً بين محكمةٍ وأخرى، داخل محافظات مصر وقراها.


http://www.almotmaiz.net/vb/upload/24026_11278507844.jpg

لأنَّ غريزةَ الإنسانِ تدفعه للاستقرارِ دوماً، والركونِ إلى السكنِ المفعمِ بالودِ والرحمة، كانت حاجةُ إنسانٍ شاعريٍّ كمصطفى الأديب لهذا أكثر بكثير من أي شابٍ عاديّ، لمَّا بلغَ أديبنا الرابعةَ والعشرينَ من عمره تزوج من صبيةٍ من عائلة البرقوقي عام 1904م.
الرجلُ الذي قلبَ موازينَ القلمِ في كتبه، هوَ اليومَ يجعلُ من أسرتهِ مضرباً للأمثالٍ وأسطورةً في الحياةِ الهانئة، الأسرةُ الأنموذج التي كونها مصطفى صادق، والتي كانتْ لبنةً لأبناءٍ صالحينَ لا يزالونَ يعيشونَ حتى اليومِ في أرففِ مكتباتنا، ولا يزالونَ ينعشونَ أخيلتنا وأرواحنا بجميل الأدبِ والروح!

http://www.almotmaiz.net/vb/upload/24026_11278507844.jpg
الزهرةُ الأجمل في بستانِ هذا الرجلْ، كانت الأولى، والتي جعلتْ سقيا الإعجابِ تدرّ عليه من كل جانب وجهة، ديوانهُ الأولُ الذي نشرهُ في مقتبلِ شبابهِ، ليهلَّ الحظُّ محاطاً بطاقاتِ الوردِ، ومغلفاً بمسك التهاني.
مصطفى صادق، اليافعُ الذي حرك أقلامَ كبارِ الشعراء حتى كتبَ لهُ البارودي، وحافظ إبراهيم، والكاظمي، وباركَ مسيرته شيخ مصر محمد عبده، ليس فقط بل شاركهم تبريك التألقِ زعيمُ مصر آنذاك "مصطفى كامل"

http://www.almotmaiz.net/vb/upload/24026_11278507844.jpg

مجردُ التفكيرِ في التنقلِ بينَ حدائق حروفهِ الوارفةِ يصيبُ القلبَ بتسارع النبض، والعقلَ بالحيرة، بحرُ هوَ ما له ساحلٌ إلا الحروف، وحروفهُ مغاراتٌ بل مناجمُ ذهبٍ، إلا أنها لا تهبُ نفائسها إلا لذي قلبٍ صاحٍ، وروحٍ هاطلةٍ ككرمِ الغمام.
الانتعاش الحقيقيُّ لذاكرةِ الحرفِ والصورةِ والكلمةِ والمعنى، تقطنُ... بل لم تجد لها ملاذاً سوى كتبه التي ما كتبَ أياً منها إلا لهدفٍ لا يزالُ ينشطُ عقلَ أبناء الأمةِ حتى الآن، برى أديبنا الفذُ قلمهُ أكثر من مرة، وسنَّ ريشته، وغمسه بحبرِ الخلودِ كثيراً، بل أكاد أجزمُ أن أديبنا الكبير قد كتبَ بنبضهِ ودمه، لذا فإنَّ نفائسه لا تزالُ حيةً لكلِّ سائرٍ على الدرب.
بين أوراقِ الوردِ.. تركَ لنا عطرَ الكلامِ، وعلمنا أن نجالسَ القمرَ ونفتحَ له قلوبنا في حديثِ القمر، ونضجَ نورُ الحرفِ بينَ أصابع قلمه لما خطَّ وحيَ القلم كتابه الخالد، ولما جعلَ العقاد يتلوى كملسوعٍ على السفود، أو حتى حينَ أنارَ دربَ عاشقينِ تائهينِ برسائل الأحزانِ، ولمَّا ناغى القلوبَ الموجوعة بكتابِ المساكينِ، أو حتى حينَ أمطرَ فكراً في السحابِ الأحمرِ، كتبَ في الدين الإسلامي لكثرةِ ما نهلَ، وكتبَ في تاريخ الأمم وتاريخ الأدب "ليتني أفيه ربعَ ما سقاني"!

http://www.almotmaiz.net/vb/upload/24026_11278507844.jpg

أصعبُ حديثٍ يمكنني أن أرويهِ في حياتي، هو الحديثُ عن لحظاتِ غيابِ أجسادِ العظماء لا غيابُ أرواحهم.. تتوهُ مني المعاني وينتفضٌ الحديثُ على شفاهيْ هل أعزيْ نفسي أم أعزي قمرَ السماء وجلاسه؟
آه يا تلكَ اللحظة.. لحظة أن قامَ "القمرُ" بعد أذانِ الفجرِ إلى مصلاه، يتلو القرآن ويتدبر لتنتهي به الحرقة اللئيمة في معدته الطاهرة إلى آخر لحظاتِ عمرهِ بعدَ أن قام وتناول دواءه وقفلَ عائداً إلى مصلاه حيث يأنسُ بقرب ربه.
أوَ يمكنني وصفُ لحظةِ الوداعِ لما انتقلَ من دارِ المرور إلى قبره.. محطة الانتظارِ والأقربُ إلى الآخرة.. إلى الله.. كان مريضاً نعم لكنه لم يكن قد بلغ أكثر من سبعٍ وخمسين سنة.
رحلَ جسداً.. لكنَّ روحهُ تتوسدُ كل حرفٍ خطتهُ يده وكلَّ نبضةٍ شفى بها غليلَ الشعور..


http://www.inshad.com/forum/ForumUsersImages/1133404c5145457a967.jpg


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] (http://www.bsmlh.net/vb/private.php?do=newpm&u=31692#_ftnref1) بهتيم: القرية التي ولد فيها الأديب مصطفى الرافعي.




..} عَلَىْ شُرْفَةِ القَمَرْ،،!
بقلـــــم:.........................
سماح ضيف الله المزين
غزة، في: .......................
07 تموز/ يولية 2010م

عطر القلوب
29/07/2010, 12:43 PM
سمــآح

الله يعطيكي ألــف عــآفية غاليتي


دمتي بود

جنان القسام
29/07/2010, 12:47 PM
موضوعك حلو يسلمووووووووو يا سموحة كلك زوووووووووووووووووووووووء

NamOol
29/07/2010, 12:55 PM
إنه لقمر ..!!
قد أمتعتنا بما كتب هنا
بورك المداد ~

بنت البطل
13/08/2010, 10:36 PM
جميل جدا ماشاء الله

قلمكِ مميز ولست من يشهد بل تلك الكلمات الرائعة

كم احب كتاباته

رفيقـة روُحِى
28/08/2010, 10:11 PM
يا غآلية

سأعود لأعلق :)

لك كل الود والأشواق

.
.
.

قمر نيسان
03/09/2010, 05:38 AM
اشي بجنن يا سمووحة وكتابتك كتير حلوة يسلموو

معزوفة حزينة
09/09/2010, 01:26 AM
رائع هو حرفكـ

إحساس كلمة
10/09/2010, 08:40 PM
يعطيكِ ألف عافية,,
أشكرك لما نثرت بيننا,,
دمت بكل خير,,