رقية محسن
04/05/2006, 06:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الإيمان باليوم الآخر (2)
جامع المصطفي : 5/5/2006م
الحمد لله رب العالمين مسبب الأسباب . الرحمن الرحيم راحم المؤمنين ومنزل الكتاب مالك يوم الدين ملكه لا يفني وهو سريع الحساب . إياك نعبد عبادة عبد أخلص في عبادته لمولاه وإياك نستعين نطلب منك العون علي العبادة يا لله . إهدنا الصراط المستقيم طريقا لا عوج فيه ولا ضلال . صراط الذين أنعمت عليهم بنعم الدنيا والآخرة . غير المغضوب عليهم ولا الضالين الذين ضلوا عن طريقك طريق الحق والهداية يا لله آمين . أحمد الله وأشكره وأتوب إليه وأستغفره وأستعين به وأستنصره وأتوكل في جميع الأمور عليه . وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبه ورسوله شرفه وفضله وزينه وجمله فكان أقرب المقربين إليه اللهم صل وسلم وبارك علي رسول الله محمد خير عبادك وعلي آله وصحبه وكل مسلم آمن بآيات ربه ففاز بقربه وتمتع بحبه وسار علي دربه إلي يوم الدين. فأوصيكم وإياي عباد الله بتقوى الله وأحذركم ونفسي من عصيان الله ثم أستفتح بالذي هو خير . يقول الله تبارك وتعالي وهو أصدق القائلين يذكرنا باليوم الآخر وما فيه من أهوال وأحوال. بسم الله الرحمن الرحيم ( يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ) [قـ : 44] .
عباد الله أيها المسلمون :
هذه آية من كتاب الله رب العالمين تشير بوحي منها إلي أنه بعدما يقوم الناس لرب العالمين وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق ويشفع رسول الله صلي الله عليه وسلم في تقريب موعد الحساب يساق الناس إلي أرض المحشر: وهي أرض صحراء جرداء عفراء لا زرع فيها ولا ماء وليس فيها معلم لأحد ولا تري فيها عوجا ولا أمتا . يتم فيها توقيف العباد علي أعمالهم خيرا أو شرا " َوقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونََ ما لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ"فيسأل الإنسان عن كل شيء عن الصغير والكبير عن النقير والقطمير والثمين والحقير. وصدق رب العالمين "َونَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء : 47] . وصدق من قال :
ولوأنا إذا متــــنا تركنا لكان الموت راحة كل حـي
ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل من بعد ذا عن كل شيء
فأما المؤمن فيوقفه الله علي ذنوبه ويقرره عليها فيقر . فيقول له لكنني غفرتها لك . وهذا هو الحساب اليسير "فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فسوف يحاسب حسابا يسيرا[الانشقاق : 7].وعن هذه الآية سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال لها هذا هو العرض : فما من أحد نوقش الحساب إلا عذب ويصح في ذلك ماروي الإمام مسلم رحمه عن أم المؤمنين عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته اللهم حاسبني حسابا يسيرا فلما انصرف قلت يا رسول الله ما الحساب اليسير قال أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك ". وأما الكافر فليس له اليوم هاهنا عمل صالح" وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً" [الفرقان : 23] . فلا يبق إلا السيئات فيوقفون عليها ويجازون عليها "َفلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [فصلت : 50] . وأما الفرقة الثالثة فيدخلون الجنة بغير حساب فقد جاء في الحديث قال ابن إسحاق أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال" عرضت علي أمتي فإذا هم قد ملئوا السهل والجبل فأعجبتني كثرتهم وهيئتهم فقيل لي يامحمد كل هؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب فهل رضيت فقال نعم قيل ومع هؤلاء سبعون ألف يدخلون الجنة بغير حساب فقيل من هم يا رسول الله فقال هم الذين يسترقون ولا يتطيرون وعلي ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن وقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال أنت منهم فقام رجل من الأنصار وقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة . وكذلك لا يحاسب المعصومون وهم الأنبياء والملائكة . وليست الحكمة من الحساب أن الله لا يعلم حال الناس ويريد أن يعلم ولكن الحكمة إظهار تفاوت فضل المتقين ومساوئ العاصين فيثيب المتقين ويعذب العاصين .
ثم يشتاق الناس إلي الماء فيقول الرسول أنا فرطكم علي الحوض والحوض : لغة : مجمع الماء وهو موجود في عرصات القيامة فعن بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " حوضي مسيرة شهر وماؤه أحلي من العسل وأشهى من اللبن وأطيب من المسك وكيزانه عدد نجوم السماء وزواياه سواء من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا "ويتميز الحوض بثلاث أن مائه مستمد من نهر الكوثر . وانه أكبر الأحواض .وأكثر الناس ورودا عليه المؤمنون .
ويدخل الناس في شدة أخري وهي مجاوزة الصراط : والصراط لغة : الطريق الواضح وشرعا : جسر يضرب به بين الجنة والنار وهو أدق من الشعرة وأحد من السيف عليه كلاليب وحسك تأخذ من وكلت بأخذه . وهو نوعان : 1ـ صراط معنوي : وهو الإسلام وهو المقصود في قوله تعالي " إهدنا الصراط المستقيم "و 2ـ صراط حسي : وهو المقصود يوم القيامة ومن ثبت علي الصراط المعنوي في الدنيا وفق علي الصراط الحسي في الآخرة ويمر الناس من فوقه فينجو من فوقه المؤمنون " فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران : 185] .ويهوي الكافرون من فوقه في النار " وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ [المؤمنون : 74] . ويحتاج الناس لمرورهم من فوقه للنور فمن الناس من يضيء نوره لعدن أو المدينة ومنهم من يضيء نوره تحت قدميه ومنهم لا نور له " وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ [النور : 40]. وينادي المنافقون والمنافقات علي الذين آمنوا واسمع لربك" يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ . ُينَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد14،13]. ومن ثم يختلف الناس في مرورهم عليه فمنهم من يمر كالبرق الخاطف ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كجواد الخيل ومنهم من يعدوا عدوا ومنهم من يمشي مشيا ومنهم من يزحف زحفا ومنهم من تأخذه الكلاليب فيقع في النار ولن تزولا قدما عبد يوم القيامة عن الصراط حتى يسأل عن أربع فعن معاذ بن جبل .أن النبي قال: ((لن تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه وعن علمه ماذا عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه .)). أخرج الإمام الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال :قال رسول الله : ( لاتزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند الله حتى يسأل عن خمس :عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟ ). وفي رواية للترمذي أيضاً عن أبي هريرة قال :قال رسول الله : ( لاتزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه ما فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟ ) .
وصدق من قال :
أما آن لك ياعاصي أن تستفيقا وتتناسى الحمى والعقيــــقا
وتتوب إلي الله وتعمل صالحا عساك تجوز الصراط الدقيقا
فتلك شدة يكاد من هولها ينسي الصديق الحميم الصديقا
ثم بعد ذلك القنطرة: وهي لغة :البنيان المرتفع . وشرعا: طرف الصراط مما يلي الجنة أو صراط آخر خاص بالمؤمنين وعندها يكون القصاص بالحسنات والسيئات فيزول غل بعضهم لبعض واسمع لربك " وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف : 43]. وأول من يدخل الجنة رسول الله صلي الله عليه وسلم وأول من يدخلها من الأمم أمة محمد صلي الله عليه وسلم. وروى الإمام مسلم رحمه الله عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: آتي يوم القيامة باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول محمد. فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك.وصدق من قال :
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها ..... إلا التي كان قبل الموت يبنيــــــها
فإن بناها بخير طاب مسكنه ..... ومن بناها بشر خاب بانيــــــــــــــــها
أين الملوك التي عن حظها غفلت .... حتى سقاها بكاس الموت ساقيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ..... ودارنا لخراب الدهر نبنيـــــــــــــها
اعمل لدار البقاء رضوان خازنها ..... الجار احمد والرحمن بانيـــــــها
قصورها ذهب والمسك طينتها ..... والزعفران حشيش نابت فيــــــها
ثم تأتي الشفاعة: وهي لغة : الوسيلة و شرعا: سؤال الخير للغير ويشترط لها شرطان. 1ـ إذن الله للشافع " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " و2ـ رضا الله عن المشفوع له " ولا يشفعون إلا لمن ارتضي " .
الثانية :
الشفاعة نوعان : نوع خاص برسول الله ونوع يشترك فيه الرسول مع غيره أما 1ـ الخاصة بالرسول فالشفاعة العظمي ، وشفاعته لأهل الجنة يدخلونها بعد الفراغ من الحساب ، شفاعته لعمه أبي طالب قال صلي الله عليه وسلم " أخف أهل النار عذابا يوم القيامة أبو طالب له شراكان من النار يقف عليهما فيغلي منهما دماغه ". 2ـ وأما الشفاعات التي يشترك فيها مع غيره شفاعته لقوم استحقوا دخول النار فيشفع لهم فلا يدخلوها . شفاعته لقوم دخلوا النار فيشفع لهم فيخرجون منها شفاعته لأهل الأعراف شفاعته لأهل الجنة فيرفع الله درجتهم لأعلي .وقال الله لرسوله " ولسوف يعطيك ربك فترضي قال الرسول وأنا لا أرضي ورجل من أمتي في النار وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم لكل نبي دعة دعي بها فاستجيب له ولي دعوة ادخرتها لأمتي يوم القيامة . ثم يأتي العفو العظم يقول رب العالمين شفعت الملائكة وشفع النبيون ولم يبق إلا ارحم الراحمين فيقبض الله قبضة من النار بيده فيخرج أقواما لم يعملوا في دنياهم خيرا قط فيدخلهم الله الجنة شريطة أنهم لم يشركوا بالله شيئا " إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ثم يطلع الله علي الجنة فيجد فيها متسعا لأن عرضها السماوات والأرض فينشئ أقواما فيدخلهم الجنة برحمته ..
الإيمان باليوم الآخر (2)
جامع المصطفي : 5/5/2006م
الحمد لله رب العالمين مسبب الأسباب . الرحمن الرحيم راحم المؤمنين ومنزل الكتاب مالك يوم الدين ملكه لا يفني وهو سريع الحساب . إياك نعبد عبادة عبد أخلص في عبادته لمولاه وإياك نستعين نطلب منك العون علي العبادة يا لله . إهدنا الصراط المستقيم طريقا لا عوج فيه ولا ضلال . صراط الذين أنعمت عليهم بنعم الدنيا والآخرة . غير المغضوب عليهم ولا الضالين الذين ضلوا عن طريقك طريق الحق والهداية يا لله آمين . أحمد الله وأشكره وأتوب إليه وأستغفره وأستعين به وأستنصره وأتوكل في جميع الأمور عليه . وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبه ورسوله شرفه وفضله وزينه وجمله فكان أقرب المقربين إليه اللهم صل وسلم وبارك علي رسول الله محمد خير عبادك وعلي آله وصحبه وكل مسلم آمن بآيات ربه ففاز بقربه وتمتع بحبه وسار علي دربه إلي يوم الدين. فأوصيكم وإياي عباد الله بتقوى الله وأحذركم ونفسي من عصيان الله ثم أستفتح بالذي هو خير . يقول الله تبارك وتعالي وهو أصدق القائلين يذكرنا باليوم الآخر وما فيه من أهوال وأحوال. بسم الله الرحمن الرحيم ( يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ) [قـ : 44] .
عباد الله أيها المسلمون :
هذه آية من كتاب الله رب العالمين تشير بوحي منها إلي أنه بعدما يقوم الناس لرب العالمين وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق ويشفع رسول الله صلي الله عليه وسلم في تقريب موعد الحساب يساق الناس إلي أرض المحشر: وهي أرض صحراء جرداء عفراء لا زرع فيها ولا ماء وليس فيها معلم لأحد ولا تري فيها عوجا ولا أمتا . يتم فيها توقيف العباد علي أعمالهم خيرا أو شرا " َوقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونََ ما لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ"فيسأل الإنسان عن كل شيء عن الصغير والكبير عن النقير والقطمير والثمين والحقير. وصدق رب العالمين "َونَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء : 47] . وصدق من قال :
ولوأنا إذا متــــنا تركنا لكان الموت راحة كل حـي
ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل من بعد ذا عن كل شيء
فأما المؤمن فيوقفه الله علي ذنوبه ويقرره عليها فيقر . فيقول له لكنني غفرتها لك . وهذا هو الحساب اليسير "فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فسوف يحاسب حسابا يسيرا[الانشقاق : 7].وعن هذه الآية سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال لها هذا هو العرض : فما من أحد نوقش الحساب إلا عذب ويصح في ذلك ماروي الإمام مسلم رحمه عن أم المؤمنين عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته اللهم حاسبني حسابا يسيرا فلما انصرف قلت يا رسول الله ما الحساب اليسير قال أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك ". وأما الكافر فليس له اليوم هاهنا عمل صالح" وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً" [الفرقان : 23] . فلا يبق إلا السيئات فيوقفون عليها ويجازون عليها "َفلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [فصلت : 50] . وأما الفرقة الثالثة فيدخلون الجنة بغير حساب فقد جاء في الحديث قال ابن إسحاق أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال" عرضت علي أمتي فإذا هم قد ملئوا السهل والجبل فأعجبتني كثرتهم وهيئتهم فقيل لي يامحمد كل هؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب فهل رضيت فقال نعم قيل ومع هؤلاء سبعون ألف يدخلون الجنة بغير حساب فقيل من هم يا رسول الله فقال هم الذين يسترقون ولا يتطيرون وعلي ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن وقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال أنت منهم فقام رجل من الأنصار وقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة . وكذلك لا يحاسب المعصومون وهم الأنبياء والملائكة . وليست الحكمة من الحساب أن الله لا يعلم حال الناس ويريد أن يعلم ولكن الحكمة إظهار تفاوت فضل المتقين ومساوئ العاصين فيثيب المتقين ويعذب العاصين .
ثم يشتاق الناس إلي الماء فيقول الرسول أنا فرطكم علي الحوض والحوض : لغة : مجمع الماء وهو موجود في عرصات القيامة فعن بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " حوضي مسيرة شهر وماؤه أحلي من العسل وأشهى من اللبن وأطيب من المسك وكيزانه عدد نجوم السماء وزواياه سواء من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا "ويتميز الحوض بثلاث أن مائه مستمد من نهر الكوثر . وانه أكبر الأحواض .وأكثر الناس ورودا عليه المؤمنون .
ويدخل الناس في شدة أخري وهي مجاوزة الصراط : والصراط لغة : الطريق الواضح وشرعا : جسر يضرب به بين الجنة والنار وهو أدق من الشعرة وأحد من السيف عليه كلاليب وحسك تأخذ من وكلت بأخذه . وهو نوعان : 1ـ صراط معنوي : وهو الإسلام وهو المقصود في قوله تعالي " إهدنا الصراط المستقيم "و 2ـ صراط حسي : وهو المقصود يوم القيامة ومن ثبت علي الصراط المعنوي في الدنيا وفق علي الصراط الحسي في الآخرة ويمر الناس من فوقه فينجو من فوقه المؤمنون " فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران : 185] .ويهوي الكافرون من فوقه في النار " وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ [المؤمنون : 74] . ويحتاج الناس لمرورهم من فوقه للنور فمن الناس من يضيء نوره لعدن أو المدينة ومنهم من يضيء نوره تحت قدميه ومنهم لا نور له " وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ [النور : 40]. وينادي المنافقون والمنافقات علي الذين آمنوا واسمع لربك" يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ . ُينَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد14،13]. ومن ثم يختلف الناس في مرورهم عليه فمنهم من يمر كالبرق الخاطف ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كجواد الخيل ومنهم من يعدوا عدوا ومنهم من يمشي مشيا ومنهم من يزحف زحفا ومنهم من تأخذه الكلاليب فيقع في النار ولن تزولا قدما عبد يوم القيامة عن الصراط حتى يسأل عن أربع فعن معاذ بن جبل .أن النبي قال: ((لن تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه وعن علمه ماذا عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه .)). أخرج الإمام الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال :قال رسول الله : ( لاتزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند الله حتى يسأل عن خمس :عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟ ). وفي رواية للترمذي أيضاً عن أبي هريرة قال :قال رسول الله : ( لاتزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه ما فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟ ) .
وصدق من قال :
أما آن لك ياعاصي أن تستفيقا وتتناسى الحمى والعقيــــقا
وتتوب إلي الله وتعمل صالحا عساك تجوز الصراط الدقيقا
فتلك شدة يكاد من هولها ينسي الصديق الحميم الصديقا
ثم بعد ذلك القنطرة: وهي لغة :البنيان المرتفع . وشرعا: طرف الصراط مما يلي الجنة أو صراط آخر خاص بالمؤمنين وعندها يكون القصاص بالحسنات والسيئات فيزول غل بعضهم لبعض واسمع لربك " وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف : 43]. وأول من يدخل الجنة رسول الله صلي الله عليه وسلم وأول من يدخلها من الأمم أمة محمد صلي الله عليه وسلم. وروى الإمام مسلم رحمه الله عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: آتي يوم القيامة باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول محمد. فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك.وصدق من قال :
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها ..... إلا التي كان قبل الموت يبنيــــــها
فإن بناها بخير طاب مسكنه ..... ومن بناها بشر خاب بانيــــــــــــــــها
أين الملوك التي عن حظها غفلت .... حتى سقاها بكاس الموت ساقيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ..... ودارنا لخراب الدهر نبنيـــــــــــــها
اعمل لدار البقاء رضوان خازنها ..... الجار احمد والرحمن بانيـــــــها
قصورها ذهب والمسك طينتها ..... والزعفران حشيش نابت فيــــــها
ثم تأتي الشفاعة: وهي لغة : الوسيلة و شرعا: سؤال الخير للغير ويشترط لها شرطان. 1ـ إذن الله للشافع " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " و2ـ رضا الله عن المشفوع له " ولا يشفعون إلا لمن ارتضي " .
الثانية :
الشفاعة نوعان : نوع خاص برسول الله ونوع يشترك فيه الرسول مع غيره أما 1ـ الخاصة بالرسول فالشفاعة العظمي ، وشفاعته لأهل الجنة يدخلونها بعد الفراغ من الحساب ، شفاعته لعمه أبي طالب قال صلي الله عليه وسلم " أخف أهل النار عذابا يوم القيامة أبو طالب له شراكان من النار يقف عليهما فيغلي منهما دماغه ". 2ـ وأما الشفاعات التي يشترك فيها مع غيره شفاعته لقوم استحقوا دخول النار فيشفع لهم فلا يدخلوها . شفاعته لقوم دخلوا النار فيشفع لهم فيخرجون منها شفاعته لأهل الأعراف شفاعته لأهل الجنة فيرفع الله درجتهم لأعلي .وقال الله لرسوله " ولسوف يعطيك ربك فترضي قال الرسول وأنا لا أرضي ورجل من أمتي في النار وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم لكل نبي دعة دعي بها فاستجيب له ولي دعوة ادخرتها لأمتي يوم القيامة . ثم يأتي العفو العظم يقول رب العالمين شفعت الملائكة وشفع النبيون ولم يبق إلا ارحم الراحمين فيقبض الله قبضة من النار بيده فيخرج أقواما لم يعملوا في دنياهم خيرا قط فيدخلهم الله الجنة شريطة أنهم لم يشركوا بالله شيئا " إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ثم يطلع الله علي الجنة فيجد فيها متسعا لأن عرضها السماوات والأرض فينشئ أقواما فيدخلهم الجنة برحمته ..