sayedyounes
03/01/2006, 05:46 PM
بدأ العام 2005م بالنسبة للفلسطينيين من قبل أن يبدأ على المستوى الزمني، فقد بدأ تحديدًا في الفترة من 13 إلى 18 ديسمبر من العام 2004م، عندما أعلن أرييل شارون رئيس الوزراء الصهيوني في مؤتمر هيرتزيليا السنوي- الذي انعقد في الفترة سابقة الذكر- أنه ينوي الانسحاب من قطاع غزة وبعض المناطق من الضفة الغربية، وهو ما يُعتبر توجهًا صهيونيًّا جديدًا نحو القضية الفلسطينية أعقب وفاة رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات في أكتوبر من العام الماضي.
وقد كان هذا "الإعلان الشاروني" بمثابة انطلاق جديد للعملية السياسية بين الفلسطينيين والصهاينة انتهى إلى تفاهمات شرم الشيخ، مرورًا بالانسحاب الصهيوني الفعلي من قطاع غزة وأجزاء من الضفة الغربية.
ومن أجل رصد أدق للحالة الفلسطينية في العام الحالي الذي شارف على النهاية ينبغي أن نقسم الوقائع في الأراضي الفلسطينية حتى نسهل متابعتها، مع الوضع في الاعتبار أن الحالة السياسية الداخلية الصهيونية إلى جانب التطورات الإقليمية من أهم العوامل التي أثَّرت بشكلٍ كبيرٍ على القضية الفلسطينية هذا العام.
تفاهمات شرم
لم يكذب الرئيس المصري حسني مبارك خبرًا عندما سمع بنوايا رئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون بالانسحاب من قطاع غزة وبعض المدن شمال الضفة الغربية فدعا إلى عقد قمة رباعية تضمُّه وشارون ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وملك الأردن عبد الله الثاني، وذلك في 8 فبراير بمنتجع شرم الشيخ المصري.
وقد انتهت هذه القمة إلى العديد من النتائج عُرفت باسم "تفاهمات شرم الشيخ"، كان في مقدمتها تكريس الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة ومن بعض المدن في الضفة الغربية، وكذلك التنسيق الأمني بين مصر والكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية من أجل تأمين انسحاب صهيوني هادئ دون أعمال مقاومة ورقابة المعابر على الحدود المصرية- الفلسطينية والمصرية- الصهيونية بعد الانسحاب، وهو ما قادَ إلى تعديل في اتفاق السلام بين مصر والكيان الصهيوني هو الأول من نوعه في هذا الاتفاق الموقَّع قبل 26 عامًا.
وفي هذه الأثناء شهدت العمليات الميدانية في إطار انتفاضة الأقصى- التي بدأت في العام 2000م- هدوءًا نسبيًّا فيما عُرف باسم الهدنة، وهو الهدوء الذي طال جميع فصائل المقاومة الفلسطينية ترقبًا للتوجه الصهيوني الجديد.
إلا أن الكيان الصهيوني واصل اعتداءاتِه العسكرية ضد الفلسطينيين.. الأمر الذي أدى إلى قيام حركة الجهاد الإسلامي بعملية استشهادية داخل الكيان، جعلت من الحركة الهدف الرئيسي لقوات الاحتلال الصهيوني؛ مما حدا بالحركة إلى تكثيف هجماتها ضد الأهداف الصهيونية، سواءٌ من داخل قطاع غزة أو في الضفة الغربية.
لكنَّ المسارَ السياسيَّ استمرَّ على الرغم من هذه العمليات الميدانية، وبدأ المصريون والصهاينة والفلسطينيون في التحضير للانسحاب الصهيوني من القطاع والذي أسماه الصهاينة "فك الارتباط" من قطاع غزة من طرف واحد هو الكيان الصهيوني دون مشاركة رسمية من الفلسطينيين؛ حيث أصرَّ الفلسطينيون على أن هذا الانسحاب لا يأتي وفق مقررات خريطة الطريق.
الانسحاب من غزة
وفي شهر سبتمبر بدأ الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة وسط مظاهرات غضب عارمة من جانب التيار اليميني المتطرف في الكيان الصهيوني، والذي كان يرفض هذه الخطوة من جانب شارون؛ باعتبارها تنازلاً عن مقدسات يهودية، كما استغلَّتها القوى السياسية اليمينية الصهيونية من أجل التنديد بشارون؛ باعتبار أن الانسحاب سيُنظر له من جانب المقاومة الفلسطينية على أنه انتصارٌ لها، كما أنه سيترك قطاع غزة من دون رقابة صهيونية وبالتالي ستزيد عمليات المقاومة المنطلقة منه.
إلا أن الانسحاب الصهيوني تمَّ وذلك في يوم 12 سبتمبر من العام 2005م، مُنهيًا 38 عامًا من الاحتلال الصهيوني للقطاع، ومشيرًا إلى نجاح المقاومة الفلسطينية في فرض نفسها كورقة رئيسة من أوراق الصراع العربي الصهيوني؛ حيث دفعت شارون إلى تغيير خططه السياسية واتباع خطط التنازلات والتفاهمات من أجل ضمان الأمن الصهيوني.
وبعد عملية الانسحاب انتشرت قواتٌ من حرس الحدود المصرية بطول الحدود المصرية مع قطاع غزة كنتيجة لتعديل اتفاق السلام المصري- الصهيوني ولفترة محدودة انتشرت الفوضى على معبر رفح الحدودي الفاصل بين مصر وقطاع غزة؛ حيث ترك المصريون المعبر دون رقابة مكثَّفة لمدة يومين للسماح للعائلات الفلسطينية في شطرَي مدينة رفح بالتنقل الحر، وهو ما كان محل انتقاد صهيوني.
إلا أن الأمور عادت واستقرَّت وأغلَق المصريون والفلسطينيون المعبر تمامًا إلا لأيام معلومة من كل أسبوع إلى حين التوصل إلى اتفاق حول كيفية إدارته، وبعد 3 أشهر تقريبًا تم التوصل إلى اتفاق بين مصر والكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية بإخضاع المعبر لإشراف فلسطيني مصري خالص دون وجود صهيوني مع رقابة من جانب الاتحاد الأوروبي، وتقول بعض التحليلات إن أرييل شارون قد انسحب من قطاع غزة لتحقيق عدة أهداف سياسية وأمنية؛ حيث إن شارون فشل بالفعل في إنهاء المقاومة الفلسطينية من خلال الاعتداءات العسكرية والتي أوقع إحداها ذات مرة 40 شهيدًا فلسطينيًّا في قطاع غزة.. الأمر الذي دفعه إلى الإعلان عن فك الارتباط مع القطاع من أجل تهدئة المقاومة الفلسطينية.
الهدف الثاني الذي سعى شارون إلى تحقيقه هو هدف سياسي يتمثل في إظهار الكيان الصهيوني في صورة من أنجز كل ما عليه- كسلطة احتلال- من التزامات قانونية دولية تجاه الفلسطينيين، كالادعاء بأن الصهاينة انسحبوا من أراضٍ محتلة منذ العام 1967م، حسب التفسير الإنجليزي للقرار الدولي 242 الذي يطالب الصهاينة بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في العام 1967م.
وبذلك لا يبقى لمفاوضات الوضع النهائي إلا قضيتا اللاجئين والقدس، وهما القضيتان اللتان حسمهما شارون بقوله إن الصهاينة سيسمحون بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الضفة الغربية وقطاع غزة وتوطين النسبة الباقية في البلاد العربية التي يقيمون فيها، وبخصوص القدس أكد شارون أكثر من مرة أنها ستبقى تحت السيادة الصهيونية، وهو ما عمل على تدعيمه بربط المدينة المقدسة بالمغتصبات الصهيونية الكبرى في الضفة الغربية وهي مغتصبة معاليه أدوميم بما لا يسمح بفصل الجزء الشرقي من المدينة عن المغتصبة التي أعلن شارون أنها ستبقى بحوزة الكيان الصهيوني هي وعدد آخر من المغتصبات الصهيونية بعيدًا عن خطط الإخلاء الجزئي للضفة الغربية التي أعلن عنها سابقًا وتم تنفيذ جزء منها.
بعد الانسحاب
رأى المجتمع الدولي أن الوقت قد حان بالنسبة للفلسطينيين لكي يثبتوا جدارتَهم بالحصول على دولة فلسطينية، وذلك بعد الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة وتحوُّل القطاع إلى منطقة خاضعة تمامًا للسيطرة الفلسطينية.
إلا أن هذه الخطط الدولية والفلسطينية تبدَّدت بعد بدء النزاعات الداخلية الفلسطينية وخاصةً تلك المرتبطة بحركة فتح؛ حيث انتشرت فوضى السلاح في القطاع وشهدت مناطق متعددة منه مواجهاتٍ بالسلاح وصلت إلى ذروتها بحادث اغتيال اللواء موسى عرفات المسئول الأمني الفلسطيني السابق وابن عم رئيس السلطة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات والمستشار الأمني لرئيس السلطة الفلسطينية الحالي محمود عباس.
فقد اقتحمت مجموعةٌ من المسلحين منزل موسى عرفات وأخرجوه من منزله وأطلقوا عليه النار حتى قتلوه، ثم ألقَوا جثمانه في إحدى صفائح القمامة، كما اختطفوا ابنه منهل عرفات لفترة قصيرة ثم أطلقوا سراحه، وقد أعلنت لجان المقاومة الشعبية مسئوليتها عن الحادث ثم عادت ونفت صلتها، إلا أن الأمر استقرَّ في النهاية على اعتراف اللجان بمسئوليتها عن الاغتيال الذي كان محطَّ استنكار العديد من القوى الوطنية الفلسطينية، على الرغم من أن المسئول القتيل كان رمزًا من رموز الفساد في السلطة الفلسطينية، وبعد الحادث وردت إشاراتٌ على أن موسى عرفات قد راح ضحيةَ تصفية حسابات بين أعضاء السلطة وحركة فتح التي يسيطر الحرس القديم فيها على السلطة الفلسطينية.
واستمر الانفلات الأمني في قطاع غزة وقادت السلطة الفلسطينية حملات توقيف للسلاح إلا أنها تعثرت؛ لأن السلطة وجدت نفسها تقاتل نفسها؛ حيث إن غالبية عمليات الانفلات الأمني كان متورطًا فيها مسلحون تابعون لحركة فتح دون فصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى التي تحوز السلاح، وقد تبدَّى ذلك في حالات اقتحام المقرات الرسمية الفلسطينية على يد مسلحي كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح من أجل المطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية في السلطة الفلسطينية والقضاء على الفساد فيها.
وقد بلغ الانقسام الداخلي في حركة فتح مداه عندما أعلن مروان البرغوثي أمين سر الحركة في الضفة الغربية دخوله الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 25 يناير المقبل بقائمة مستقلة عن قائمة فتح الرئيسة باسم "قائمة المستقبل"، وهو ما يُعتبر أحد مؤشرات الانقسام الداخلي في الحركة، كما وضح الانقسام في الفوضى التي سادت الانتخابات التمهيدية للحركة، والتي وقعت فيها أعمال عنف واسعة النطاق وسط اتهامات بالتزوير؛ مما دعا محمود عباس إلى إلغاء هذه الانتخابات واختيار قائمة مرشحين لخوض التشريعية.
أما فيما يتعلق بالعملية السياسية الداخلية الفلسطينية عامةً بعد الانسحاب فقد برزت حركة المقاومة الإسلامية حماس كأبرز اللاعبين؛ حيث حقَّقت مكاسب كبيرة في الانتخابات المحلية الفلسطينية وخاصةً في المرحلة الرابعة التي جرت يوم 15 ديسمبر الحالي وأثارت مخاوف حركة فتح من أن تؤدي هذه المكاسب إلى أن تحقق حماس في الانتخابات التشريعية القادمة انتصاراتٍ كاسحةً على حساب فتح، تطيح بها من على رأس العملية السياسية الفلسطينية أو على الأقل تضع شريكًا جديدًا فيها يحظى بالشرعية الشعبية الفلسطينية، وهو الأمر الذي دفع بعض التيارات داخل فتح إلى التفكير بتأجيل الانتخابات التشريعية.
عوامل أخرى قد تدفع بتأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وهي رفض الكيان الصهيوني مشاركة فلسطينيّي القدس الشرقية في الانتخابات؛ بدعوى أنها ليست منطقةً محتلةً وإنما هي منطقةٌ واقعةٌ تحت السيادة الصهيونية، إلى جانب ذلك هناك الضغوط الدولية على السلطة الفلسطينية بمنع مشاركة حركة حماس في الانتخابات ما لم تُلقَ بسلاح المقاومة، وهو ما ترفضه كافة الفصائل الفلسطينية، وتحديدًا رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، إلا أنه أكد أن الانتخابات قد تؤجَّل لكنه اشترط موافقة حماس على التأجيل.
الرؤية العربية والإسلامية للانسحاب الصهيوني من القطاع
من الواضح أن الصهاينة قد حسبوا للانسحاب بصورة جيدة؛ حيث كانت مكاسبهم فيه أكبر من الخسائر التي عادت عليهم، فبعد الهدوء النسبي لعمليات المقاومة المنطلقة من قطاع غزة كان هناك توجهٌ نحو التطبيع مع العديد من الدول العربية والإسلامية استغلالاً للدفعة القوية التي حصل عليها الصهاينة لدى المجتمع الدولي جرَّاء الانسحاب.
فقد التقى وزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم مع نظيره الباكستاني شوكت عزيز في تركيا، وهو ما بدا وكأنه خطوةٌ على طريق التطبيع، ثم لقاء الرئيس الباكستاني برويز مشرف مع رئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما تلاه من لقاء بين شالوم وبين وزير الخارجية الإندونيسي.
أيضًا شهدت عمليات التطبيع إلغاء كل من البحرين والكويت وقطر الحظر المفروض على الشركات الصهيونية أو المتعاملة مع الصهاينة، والذي كان مفروضًا بمقتضى قراراتٍ من جامعة الدول العربية، بالإضافة إلى انضمام السعودية إلى منظمة التجارة العالمية وما يعنيه ذلك من إمكانية دخول البضائع الصهيونية إلى الأسواق السعودية، وذلك فضلاً عن تفاعل اتفاق المناطق الصناعية المؤهلة "الكويز" ما بين مصر والكيان الصهيوني والولايات المتحدة.
وقد كان هذا "الإعلان الشاروني" بمثابة انطلاق جديد للعملية السياسية بين الفلسطينيين والصهاينة انتهى إلى تفاهمات شرم الشيخ، مرورًا بالانسحاب الصهيوني الفعلي من قطاع غزة وأجزاء من الضفة الغربية.
ومن أجل رصد أدق للحالة الفلسطينية في العام الحالي الذي شارف على النهاية ينبغي أن نقسم الوقائع في الأراضي الفلسطينية حتى نسهل متابعتها، مع الوضع في الاعتبار أن الحالة السياسية الداخلية الصهيونية إلى جانب التطورات الإقليمية من أهم العوامل التي أثَّرت بشكلٍ كبيرٍ على القضية الفلسطينية هذا العام.
تفاهمات شرم
لم يكذب الرئيس المصري حسني مبارك خبرًا عندما سمع بنوايا رئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون بالانسحاب من قطاع غزة وبعض المدن شمال الضفة الغربية فدعا إلى عقد قمة رباعية تضمُّه وشارون ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وملك الأردن عبد الله الثاني، وذلك في 8 فبراير بمنتجع شرم الشيخ المصري.
وقد انتهت هذه القمة إلى العديد من النتائج عُرفت باسم "تفاهمات شرم الشيخ"، كان في مقدمتها تكريس الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة ومن بعض المدن في الضفة الغربية، وكذلك التنسيق الأمني بين مصر والكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية من أجل تأمين انسحاب صهيوني هادئ دون أعمال مقاومة ورقابة المعابر على الحدود المصرية- الفلسطينية والمصرية- الصهيونية بعد الانسحاب، وهو ما قادَ إلى تعديل في اتفاق السلام بين مصر والكيان الصهيوني هو الأول من نوعه في هذا الاتفاق الموقَّع قبل 26 عامًا.
وفي هذه الأثناء شهدت العمليات الميدانية في إطار انتفاضة الأقصى- التي بدأت في العام 2000م- هدوءًا نسبيًّا فيما عُرف باسم الهدنة، وهو الهدوء الذي طال جميع فصائل المقاومة الفلسطينية ترقبًا للتوجه الصهيوني الجديد.
إلا أن الكيان الصهيوني واصل اعتداءاتِه العسكرية ضد الفلسطينيين.. الأمر الذي أدى إلى قيام حركة الجهاد الإسلامي بعملية استشهادية داخل الكيان، جعلت من الحركة الهدف الرئيسي لقوات الاحتلال الصهيوني؛ مما حدا بالحركة إلى تكثيف هجماتها ضد الأهداف الصهيونية، سواءٌ من داخل قطاع غزة أو في الضفة الغربية.
لكنَّ المسارَ السياسيَّ استمرَّ على الرغم من هذه العمليات الميدانية، وبدأ المصريون والصهاينة والفلسطينيون في التحضير للانسحاب الصهيوني من القطاع والذي أسماه الصهاينة "فك الارتباط" من قطاع غزة من طرف واحد هو الكيان الصهيوني دون مشاركة رسمية من الفلسطينيين؛ حيث أصرَّ الفلسطينيون على أن هذا الانسحاب لا يأتي وفق مقررات خريطة الطريق.
الانسحاب من غزة
وفي شهر سبتمبر بدأ الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة وسط مظاهرات غضب عارمة من جانب التيار اليميني المتطرف في الكيان الصهيوني، والذي كان يرفض هذه الخطوة من جانب شارون؛ باعتبارها تنازلاً عن مقدسات يهودية، كما استغلَّتها القوى السياسية اليمينية الصهيونية من أجل التنديد بشارون؛ باعتبار أن الانسحاب سيُنظر له من جانب المقاومة الفلسطينية على أنه انتصارٌ لها، كما أنه سيترك قطاع غزة من دون رقابة صهيونية وبالتالي ستزيد عمليات المقاومة المنطلقة منه.
إلا أن الانسحاب الصهيوني تمَّ وذلك في يوم 12 سبتمبر من العام 2005م، مُنهيًا 38 عامًا من الاحتلال الصهيوني للقطاع، ومشيرًا إلى نجاح المقاومة الفلسطينية في فرض نفسها كورقة رئيسة من أوراق الصراع العربي الصهيوني؛ حيث دفعت شارون إلى تغيير خططه السياسية واتباع خطط التنازلات والتفاهمات من أجل ضمان الأمن الصهيوني.
وبعد عملية الانسحاب انتشرت قواتٌ من حرس الحدود المصرية بطول الحدود المصرية مع قطاع غزة كنتيجة لتعديل اتفاق السلام المصري- الصهيوني ولفترة محدودة انتشرت الفوضى على معبر رفح الحدودي الفاصل بين مصر وقطاع غزة؛ حيث ترك المصريون المعبر دون رقابة مكثَّفة لمدة يومين للسماح للعائلات الفلسطينية في شطرَي مدينة رفح بالتنقل الحر، وهو ما كان محل انتقاد صهيوني.
إلا أن الأمور عادت واستقرَّت وأغلَق المصريون والفلسطينيون المعبر تمامًا إلا لأيام معلومة من كل أسبوع إلى حين التوصل إلى اتفاق حول كيفية إدارته، وبعد 3 أشهر تقريبًا تم التوصل إلى اتفاق بين مصر والكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية بإخضاع المعبر لإشراف فلسطيني مصري خالص دون وجود صهيوني مع رقابة من جانب الاتحاد الأوروبي، وتقول بعض التحليلات إن أرييل شارون قد انسحب من قطاع غزة لتحقيق عدة أهداف سياسية وأمنية؛ حيث إن شارون فشل بالفعل في إنهاء المقاومة الفلسطينية من خلال الاعتداءات العسكرية والتي أوقع إحداها ذات مرة 40 شهيدًا فلسطينيًّا في قطاع غزة.. الأمر الذي دفعه إلى الإعلان عن فك الارتباط مع القطاع من أجل تهدئة المقاومة الفلسطينية.
الهدف الثاني الذي سعى شارون إلى تحقيقه هو هدف سياسي يتمثل في إظهار الكيان الصهيوني في صورة من أنجز كل ما عليه- كسلطة احتلال- من التزامات قانونية دولية تجاه الفلسطينيين، كالادعاء بأن الصهاينة انسحبوا من أراضٍ محتلة منذ العام 1967م، حسب التفسير الإنجليزي للقرار الدولي 242 الذي يطالب الصهاينة بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في العام 1967م.
وبذلك لا يبقى لمفاوضات الوضع النهائي إلا قضيتا اللاجئين والقدس، وهما القضيتان اللتان حسمهما شارون بقوله إن الصهاينة سيسمحون بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الضفة الغربية وقطاع غزة وتوطين النسبة الباقية في البلاد العربية التي يقيمون فيها، وبخصوص القدس أكد شارون أكثر من مرة أنها ستبقى تحت السيادة الصهيونية، وهو ما عمل على تدعيمه بربط المدينة المقدسة بالمغتصبات الصهيونية الكبرى في الضفة الغربية وهي مغتصبة معاليه أدوميم بما لا يسمح بفصل الجزء الشرقي من المدينة عن المغتصبة التي أعلن شارون أنها ستبقى بحوزة الكيان الصهيوني هي وعدد آخر من المغتصبات الصهيونية بعيدًا عن خطط الإخلاء الجزئي للضفة الغربية التي أعلن عنها سابقًا وتم تنفيذ جزء منها.
بعد الانسحاب
رأى المجتمع الدولي أن الوقت قد حان بالنسبة للفلسطينيين لكي يثبتوا جدارتَهم بالحصول على دولة فلسطينية، وذلك بعد الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة وتحوُّل القطاع إلى منطقة خاضعة تمامًا للسيطرة الفلسطينية.
إلا أن هذه الخطط الدولية والفلسطينية تبدَّدت بعد بدء النزاعات الداخلية الفلسطينية وخاصةً تلك المرتبطة بحركة فتح؛ حيث انتشرت فوضى السلاح في القطاع وشهدت مناطق متعددة منه مواجهاتٍ بالسلاح وصلت إلى ذروتها بحادث اغتيال اللواء موسى عرفات المسئول الأمني الفلسطيني السابق وابن عم رئيس السلطة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات والمستشار الأمني لرئيس السلطة الفلسطينية الحالي محمود عباس.
فقد اقتحمت مجموعةٌ من المسلحين منزل موسى عرفات وأخرجوه من منزله وأطلقوا عليه النار حتى قتلوه، ثم ألقَوا جثمانه في إحدى صفائح القمامة، كما اختطفوا ابنه منهل عرفات لفترة قصيرة ثم أطلقوا سراحه، وقد أعلنت لجان المقاومة الشعبية مسئوليتها عن الحادث ثم عادت ونفت صلتها، إلا أن الأمر استقرَّ في النهاية على اعتراف اللجان بمسئوليتها عن الاغتيال الذي كان محطَّ استنكار العديد من القوى الوطنية الفلسطينية، على الرغم من أن المسئول القتيل كان رمزًا من رموز الفساد في السلطة الفلسطينية، وبعد الحادث وردت إشاراتٌ على أن موسى عرفات قد راح ضحيةَ تصفية حسابات بين أعضاء السلطة وحركة فتح التي يسيطر الحرس القديم فيها على السلطة الفلسطينية.
واستمر الانفلات الأمني في قطاع غزة وقادت السلطة الفلسطينية حملات توقيف للسلاح إلا أنها تعثرت؛ لأن السلطة وجدت نفسها تقاتل نفسها؛ حيث إن غالبية عمليات الانفلات الأمني كان متورطًا فيها مسلحون تابعون لحركة فتح دون فصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى التي تحوز السلاح، وقد تبدَّى ذلك في حالات اقتحام المقرات الرسمية الفلسطينية على يد مسلحي كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح من أجل المطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية في السلطة الفلسطينية والقضاء على الفساد فيها.
وقد بلغ الانقسام الداخلي في حركة فتح مداه عندما أعلن مروان البرغوثي أمين سر الحركة في الضفة الغربية دخوله الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 25 يناير المقبل بقائمة مستقلة عن قائمة فتح الرئيسة باسم "قائمة المستقبل"، وهو ما يُعتبر أحد مؤشرات الانقسام الداخلي في الحركة، كما وضح الانقسام في الفوضى التي سادت الانتخابات التمهيدية للحركة، والتي وقعت فيها أعمال عنف واسعة النطاق وسط اتهامات بالتزوير؛ مما دعا محمود عباس إلى إلغاء هذه الانتخابات واختيار قائمة مرشحين لخوض التشريعية.
أما فيما يتعلق بالعملية السياسية الداخلية الفلسطينية عامةً بعد الانسحاب فقد برزت حركة المقاومة الإسلامية حماس كأبرز اللاعبين؛ حيث حقَّقت مكاسب كبيرة في الانتخابات المحلية الفلسطينية وخاصةً في المرحلة الرابعة التي جرت يوم 15 ديسمبر الحالي وأثارت مخاوف حركة فتح من أن تؤدي هذه المكاسب إلى أن تحقق حماس في الانتخابات التشريعية القادمة انتصاراتٍ كاسحةً على حساب فتح، تطيح بها من على رأس العملية السياسية الفلسطينية أو على الأقل تضع شريكًا جديدًا فيها يحظى بالشرعية الشعبية الفلسطينية، وهو الأمر الذي دفع بعض التيارات داخل فتح إلى التفكير بتأجيل الانتخابات التشريعية.
عوامل أخرى قد تدفع بتأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وهي رفض الكيان الصهيوني مشاركة فلسطينيّي القدس الشرقية في الانتخابات؛ بدعوى أنها ليست منطقةً محتلةً وإنما هي منطقةٌ واقعةٌ تحت السيادة الصهيونية، إلى جانب ذلك هناك الضغوط الدولية على السلطة الفلسطينية بمنع مشاركة حركة حماس في الانتخابات ما لم تُلقَ بسلاح المقاومة، وهو ما ترفضه كافة الفصائل الفلسطينية، وتحديدًا رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، إلا أنه أكد أن الانتخابات قد تؤجَّل لكنه اشترط موافقة حماس على التأجيل.
الرؤية العربية والإسلامية للانسحاب الصهيوني من القطاع
من الواضح أن الصهاينة قد حسبوا للانسحاب بصورة جيدة؛ حيث كانت مكاسبهم فيه أكبر من الخسائر التي عادت عليهم، فبعد الهدوء النسبي لعمليات المقاومة المنطلقة من قطاع غزة كان هناك توجهٌ نحو التطبيع مع العديد من الدول العربية والإسلامية استغلالاً للدفعة القوية التي حصل عليها الصهاينة لدى المجتمع الدولي جرَّاء الانسحاب.
فقد التقى وزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم مع نظيره الباكستاني شوكت عزيز في تركيا، وهو ما بدا وكأنه خطوةٌ على طريق التطبيع، ثم لقاء الرئيس الباكستاني برويز مشرف مع رئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما تلاه من لقاء بين شالوم وبين وزير الخارجية الإندونيسي.
أيضًا شهدت عمليات التطبيع إلغاء كل من البحرين والكويت وقطر الحظر المفروض على الشركات الصهيونية أو المتعاملة مع الصهاينة، والذي كان مفروضًا بمقتضى قراراتٍ من جامعة الدول العربية، بالإضافة إلى انضمام السعودية إلى منظمة التجارة العالمية وما يعنيه ذلك من إمكانية دخول البضائع الصهيونية إلى الأسواق السعودية، وذلك فضلاً عن تفاعل اتفاق المناطق الصناعية المؤهلة "الكويز" ما بين مصر والكيان الصهيوني والولايات المتحدة.