maryama02
25/05/2006, 01:54 PM
بسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و أصحابه أجمعين
إنسانية الرسول[/CENTER]
كان رسول الله رحمة للأرض كلها، وكان لابد أن تظهر إنسانية الرسول قبل البعثة ليتأكد هذا المعنى، لأنها لو ظهرت بعد البعثة فسوف تكون لأتباعه، أو أنها سوف تفسر بأنها تكريس لأهداف الدعوة.
الإنسانية مبدأ مطلق، والقرآن مثلما قال "يا أيها الذين آمنوا" قال: "يا أيها الناس" ويخاطب "أيها الناس" بمصالح الناس "جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا".
كان النبي عمره 23 عاماً عندما علم أن امرأة اسمها سعده بنت ثعلبة، أخذت طفلها – 8 سنوات – وخرجت من قريتها إلى قرية أخرى،ـ وكان ابنها هذا هو زيد بن حارثة وفي طريقها إلى القرية الأخرى أغارت عليها إحدى القبائل، فخطفت القبيلة المغيرة زايداً من أمه، وتم بيعه عبداً في سوق عكاظ، فيشتريه رجل اسمه حكيم بن حزام بن خويلد بأربعة آلاف درهم، وهذا الرجل هو شقيق السيدة خديجة بنت خويلد.
اشتراه حكيم وأهداه لأخته خديجة.. ثم أرادت السيدة خديجة أن تقدم هدية للنبي صلى الله عليه وسلم فقامت بإهدائه عبدها زيد، وكان زيد يبكي فراق أمه وأبيه، وهو لا يدري أن هذا أجمل أيام حياته "ربما منعك ليعطيك"..
ويقيم زيد عند النبي كخادم، بينما أمه وأبوه يجوبان الأرض بحثاً عنه.. ويقول أبوه فيه القصائد التي تعبر عن حزنه الذي يعتصره وافتقاده لفلذة كبده، إلى أن التقى الأب ببعض المعارف العائدين من رحلة الحج، فأخبروه أنهم رأوا ابنه في مكة لدى رجل اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.
هذا.. ابني زيد
ويهرول الأب إلى مكة بعد أن استدان الفدية التي سيحرر بها رقبة ولده، ثم يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقول له: يا محمد جئناك في الغلام الذي عندك، قال: من؟ قالوا: زيد بن حارثة، قال: وما ذاك؟ قالوا: إنكم بني عبد المطلب تفكون العاني وتطعمون الجائع، وقد جمعنا لك من المال الكثير لكي نفديه، فيرد عليهم: فهل لكم في خير من ذلك؟ قالوا: خير من الفداء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بدلا من الفداء نخيره فإن اختاركم فهو لكم بغير مال،وإن اختارني فما أنا بالذي يرغب عمن اختاره.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أحسن بقوة تعليق زيد به، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم نعم أنصفت.
فوقف زيد في مواجهة أبيه وعمه، وقال له النبي: أتعرف هذين؟ قال نعم هذا أبي وهذا عمي، ثم اندفع في أحضانهما، فقال له النبي: يا زيد إني أخيرك بين أن تذهب مع أبيك وعمك، وبين أن تبقى معي، فقال زيد بلا تردد: لا أكون مع أحد غيرك وأتركك أبداً، بل أبقى معك ما حييت.
قال أبوه وعمه: يا زيد ويحك، أتختار العبودية على أبيك وعمك.
فقال: لقد رأيت من هذا الرجل شيئاً من الرحمة لا يعدل الدنيا بما فيها في عيني.
لم يكن النبي في هذا اليوم قد بُعث نبياً، ولا عرض عليه الإسلام، ولا القصة قصة إسلام وكفر، القصة معنية بإنسانية الرسول.
فأخذ النبي يده وقال: تعال معي يا زيد وصعد به إلى الحرم المكي ورفع يده أمام قريش وقال: يا معشر قريش من اليوم زيد ابني، هو زيد بن محمد، أرثه إن مات ويرثني إن مِت. وقد مات زيد شهيداً، وشهد له النبي بأنه من أهل الجنة.
الإنسانية إذن ليست مقصورة على المسلمين فقط، الإنسانية صفة عامة تدل على رحمة القلب.
وهكذا تم إعداد النبي لتلقي الرسالة.
هدم وبناء الكعبة
هل كان لدى النبي مهارات إدارية كقائد وزعيم؟
هل كانت لدية القدرة على حل المشكلات؟
هل كانت لدية القدرة على تجميع الناس؟
وهل كان يملك شهادة أجمعت عليها قريش بالنسبة لأمانته وأخلاقه؟
هو الآن عمره 35 سنة.. قررت قريش إعادة بناء الكعبة، بعد أن هدم السيل بعض جدرانها.
في البداية خافوا من هدم الكعبة حتى لا يكون مصيرهم هو مصير أبرهة.. لكن الوليد بن المغيرة سيد قريش قال: أنا أبدأكم لأن الهدف هو الخير.. وأمسك بالمعول وقال: اللهم إنك تعلم أننا نفعلها للخير لا للشر.
الله سبحانه يقبل نية الخير حتى من غير المسلم ويضرب الوليد بن المغيرة أول معول، ويفر الجميع إلى بيوتهم هلعاً.. وفي صباح اليوم التالي يجدون أن شيئاً لم يحدث للوليد، فيكملون الهدم، لكنهم اتفقوا: إيّاكم ووضع درهم من المال الحرام في الكعبة، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به.
هدمت قريش الكعبة، ثم بدأت إعادة بنائها، كل قبيلة أخذت ركناً تبنيه.
والقبائل كانت تعتبر بناء الكعبة شرفاً، قبيلة بني عدى أخذت الركن اليماني، وقريش تولت بناء واجهة الكعبة، وانتهى الجميع من بناء الكعبة. وتبقى وضع الحجر الأسود في مكانه، وتنازع الجميع على وضعه حتى وصل الأمر إلى حافة الحرب.
وجاء بنو عدى بإناء مملوء بالدم، ووضعوا أيديهم فيه إعلاناً للحرب.
ثلاثة أيام والخلاف مستعر فخرج الوليد بن المغيرة – والد خالد بن الوليد – إليهم وقال لهم: ما رأيكم في تحكيم أول رجل يدخل من هذا الباب؟
فقالوا: ارتضينا ما قلت.
فإذا بمحمد بن عبد الله هو الداخل من الباب.. فأحس الجميع بالاستبشار وهتفوا: الأمين.. ارتضيناه.
ونال محمد شهادة كل القبائل بأنه الأمين، ولهذا قال الله تعالى له في القرآن: "فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون".
الرحمة بالعالمين
بسرعة بديهة طلب محمد ثوباً أو عباءة فأتوا له بها، فوضع العباءة بعيداً عن الكعبة، ثم حمل الحجر الأسود ووضعه وسط العباءة، وطلب من كل قبيلة أن ترفع العباءة من أحد أطرافها، وبدءوا يتحركون بها وفوقها الحجر الأسود باتجاه الكعبة، وقد تعمد النبي إطالة المسافة بين العباءة والكعبة، ليفرغ الطاقة الموجودة لدى ممثلي القبائل، فيشعرون أنهم صنعوا شيئاً أو قاموا بمهمة.
ثم أمسك النبي بالحجر ووضعه في مكانه. وهنا نشير إلى أنه صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة لم يلمس الحجر الأسود وأشار إليه من بعد، حتى لا يتصارع الحجاج على لمسه من بعده، أشار عليه وقال: "بسم الله.. الله أكبر".
هو الآن رحيم بالمؤمنين حين لم يلمسه، وكان رحيماً بقومه يوم بناء الكعبة حين لمسه وأمسكه.
يقول أنس بن مالك: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين فأضاء منها كل شيء ومات رسول الله بالمدينة يوم الاثنين فأظلم منها كل شيء، قالوا له: فماذا تتمنى يا أنس؟ قال: لا أريد شيئاً من الدنيا، لا أريد إلا شيئاً واحداً: ألقاه يوم القيامة فأنظر إليه وأقول له: خادمك أنيس يا رسول الله فيتلقاني فرحاً ويقول لي مرحباً يا أنيس تعال معي إلى الجنة.
البحث عن مصلح
تم إعداد النبي لتلقي الرسالة: كل شيء في الدنيا ينطق أن الله قد أعد هذا الإنسان العظيم لإصلاح الأرض. اختار الله له الزمان والمكان، اختار له الأب والأم.. اختار له الصفات، كان العالم يبحث عن مصلح، الأرض تبحث عن مصلح، وأن الله إذا أراد شيئاً هيأ له أسبابه.
والنبي الآن عمره 38 عاماً، وسيقضي عامين في التحضير الروحاني لتحمل مسئولية الرسالة.
40 سنة من الإعداد لأجل- 23 سنة رسالة وهذا ليس بكثير لأنها رسالة آخر الزمان رسالة الإصلاح في الأرض حتى يوم القيامة والله سبحانه يعلمنا أن كل شيء في الحياة يسير في تدرج، وأنه لا ينبغي أن يكون هناك استعجال.. وأن الرسالات العظمى تحتاج إلى تحضير طويل، رصيد عظيم من الخبرات، جعل الأرض مهيأة لنزول الرسالة، فالنبي سيقابل كائناً آخر ليس من الأرض. كائن عظيم من السماء، والمواجهة ستكون صعبة. فالرسالة التي سينقلها جبريل عليه السلام، ليست كباقي الرسالات، لأنها رسالة إلى نهاية العالم إلى يوم القيامة.
والتمهيد حب من الله تبارك وتعالى ورحمة.. فلو فوجئ النبي بجبريل دون تمهيد، فلا أحد يدري حجم الصدمة التي ستحلق بالنبي عند رؤية جبريل فما بالك بنزول القرآن الكريم فالآية الكريمة تقول:
"لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله".
لابد إذا أن يكون قلب النبي أقوى من الجبال، حتى يتحمل عِظم الرسالة.
والنبي بعد ذلك بزمن طويل يقول: كان في الليلة الشاتية شديدة البرد ينزل عليه الوحي بالقرآن فيتصبب عرقاً، الأمر شديد.
تمهيد من الشجر والحجر
التمهيدات جاءت متدرجة، وفي الستة أشهر الأخيرة صار التمهيد شديداً.
يتحدث عن ذلك حديث يرويه البخاري يقول: إن النبي حين كان يمشي في طرقات مكة فيسمع صوتاً يقول له: السلام عليك يا رسول الله، فيلتفت فلا يجد شيئاً، هذه ليست معجزة خارقة، لكنه تمهيد للرفق به، الشجر والحجر يُلقى عليه السلام.
إنها خصوصية ليستطيع تحمل هم اللقاء وكلما مر بحجر أو شجر يقول له: السلام عليك يا رسول الله.
والنبي صلى الله عليه وسلم: يقول "إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم على قبل النبوة إني لأعرف مكانه الآن".
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ينتظر الرسالة، لكنه كان يبحث عن الحق.. عن الله..
حتى يوم جاءه جبريل لم يكن يعرف أنه نبي آخر الزمان.
من التمهيدات أيضا في الشهور الستة الأخيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى الرؤيا مثل فلق الصبح، شديد الوضوح، وفي الصباح يحكيها فيجدها تتحقق كما رآها.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة".
الشيء المهم أيضا في هذه الفترة التمهيدية أنه حُبب إليه الخلاء.
فالنبي طوال الـ 38 سنة الأولى من عمره حبب إليه العمل والبذل لزيادة رصيد الخبرة.
في العامين التاليين كان المطلوب زيادة طاقة الروح.
هذا هو التوازن بين المادة والروح فكان يختلي وحده في معية الله، ليفكر في حب الله.
تقول الآية الكريمة عن الصحابة :
"ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم".
اللهم أعني على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك
أختكم مريمة
منقول
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و أصحابه أجمعين
إنسانية الرسول[/CENTER]
كان رسول الله رحمة للأرض كلها، وكان لابد أن تظهر إنسانية الرسول قبل البعثة ليتأكد هذا المعنى، لأنها لو ظهرت بعد البعثة فسوف تكون لأتباعه، أو أنها سوف تفسر بأنها تكريس لأهداف الدعوة.
الإنسانية مبدأ مطلق، والقرآن مثلما قال "يا أيها الذين آمنوا" قال: "يا أيها الناس" ويخاطب "أيها الناس" بمصالح الناس "جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا".
كان النبي عمره 23 عاماً عندما علم أن امرأة اسمها سعده بنت ثعلبة، أخذت طفلها – 8 سنوات – وخرجت من قريتها إلى قرية أخرى،ـ وكان ابنها هذا هو زيد بن حارثة وفي طريقها إلى القرية الأخرى أغارت عليها إحدى القبائل، فخطفت القبيلة المغيرة زايداً من أمه، وتم بيعه عبداً في سوق عكاظ، فيشتريه رجل اسمه حكيم بن حزام بن خويلد بأربعة آلاف درهم، وهذا الرجل هو شقيق السيدة خديجة بنت خويلد.
اشتراه حكيم وأهداه لأخته خديجة.. ثم أرادت السيدة خديجة أن تقدم هدية للنبي صلى الله عليه وسلم فقامت بإهدائه عبدها زيد، وكان زيد يبكي فراق أمه وأبيه، وهو لا يدري أن هذا أجمل أيام حياته "ربما منعك ليعطيك"..
ويقيم زيد عند النبي كخادم، بينما أمه وأبوه يجوبان الأرض بحثاً عنه.. ويقول أبوه فيه القصائد التي تعبر عن حزنه الذي يعتصره وافتقاده لفلذة كبده، إلى أن التقى الأب ببعض المعارف العائدين من رحلة الحج، فأخبروه أنهم رأوا ابنه في مكة لدى رجل اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.
هذا.. ابني زيد
ويهرول الأب إلى مكة بعد أن استدان الفدية التي سيحرر بها رقبة ولده، ثم يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقول له: يا محمد جئناك في الغلام الذي عندك، قال: من؟ قالوا: زيد بن حارثة، قال: وما ذاك؟ قالوا: إنكم بني عبد المطلب تفكون العاني وتطعمون الجائع، وقد جمعنا لك من المال الكثير لكي نفديه، فيرد عليهم: فهل لكم في خير من ذلك؟ قالوا: خير من الفداء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بدلا من الفداء نخيره فإن اختاركم فهو لكم بغير مال،وإن اختارني فما أنا بالذي يرغب عمن اختاره.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أحسن بقوة تعليق زيد به، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم نعم أنصفت.
فوقف زيد في مواجهة أبيه وعمه، وقال له النبي: أتعرف هذين؟ قال نعم هذا أبي وهذا عمي، ثم اندفع في أحضانهما، فقال له النبي: يا زيد إني أخيرك بين أن تذهب مع أبيك وعمك، وبين أن تبقى معي، فقال زيد بلا تردد: لا أكون مع أحد غيرك وأتركك أبداً، بل أبقى معك ما حييت.
قال أبوه وعمه: يا زيد ويحك، أتختار العبودية على أبيك وعمك.
فقال: لقد رأيت من هذا الرجل شيئاً من الرحمة لا يعدل الدنيا بما فيها في عيني.
لم يكن النبي في هذا اليوم قد بُعث نبياً، ولا عرض عليه الإسلام، ولا القصة قصة إسلام وكفر، القصة معنية بإنسانية الرسول.
فأخذ النبي يده وقال: تعال معي يا زيد وصعد به إلى الحرم المكي ورفع يده أمام قريش وقال: يا معشر قريش من اليوم زيد ابني، هو زيد بن محمد، أرثه إن مات ويرثني إن مِت. وقد مات زيد شهيداً، وشهد له النبي بأنه من أهل الجنة.
الإنسانية إذن ليست مقصورة على المسلمين فقط، الإنسانية صفة عامة تدل على رحمة القلب.
وهكذا تم إعداد النبي لتلقي الرسالة.
هدم وبناء الكعبة
هل كان لدى النبي مهارات إدارية كقائد وزعيم؟
هل كانت لدية القدرة على حل المشكلات؟
هل كانت لدية القدرة على تجميع الناس؟
وهل كان يملك شهادة أجمعت عليها قريش بالنسبة لأمانته وأخلاقه؟
هو الآن عمره 35 سنة.. قررت قريش إعادة بناء الكعبة، بعد أن هدم السيل بعض جدرانها.
في البداية خافوا من هدم الكعبة حتى لا يكون مصيرهم هو مصير أبرهة.. لكن الوليد بن المغيرة سيد قريش قال: أنا أبدأكم لأن الهدف هو الخير.. وأمسك بالمعول وقال: اللهم إنك تعلم أننا نفعلها للخير لا للشر.
الله سبحانه يقبل نية الخير حتى من غير المسلم ويضرب الوليد بن المغيرة أول معول، ويفر الجميع إلى بيوتهم هلعاً.. وفي صباح اليوم التالي يجدون أن شيئاً لم يحدث للوليد، فيكملون الهدم، لكنهم اتفقوا: إيّاكم ووضع درهم من المال الحرام في الكعبة، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به.
هدمت قريش الكعبة، ثم بدأت إعادة بنائها، كل قبيلة أخذت ركناً تبنيه.
والقبائل كانت تعتبر بناء الكعبة شرفاً، قبيلة بني عدى أخذت الركن اليماني، وقريش تولت بناء واجهة الكعبة، وانتهى الجميع من بناء الكعبة. وتبقى وضع الحجر الأسود في مكانه، وتنازع الجميع على وضعه حتى وصل الأمر إلى حافة الحرب.
وجاء بنو عدى بإناء مملوء بالدم، ووضعوا أيديهم فيه إعلاناً للحرب.
ثلاثة أيام والخلاف مستعر فخرج الوليد بن المغيرة – والد خالد بن الوليد – إليهم وقال لهم: ما رأيكم في تحكيم أول رجل يدخل من هذا الباب؟
فقالوا: ارتضينا ما قلت.
فإذا بمحمد بن عبد الله هو الداخل من الباب.. فأحس الجميع بالاستبشار وهتفوا: الأمين.. ارتضيناه.
ونال محمد شهادة كل القبائل بأنه الأمين، ولهذا قال الله تعالى له في القرآن: "فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون".
الرحمة بالعالمين
بسرعة بديهة طلب محمد ثوباً أو عباءة فأتوا له بها، فوضع العباءة بعيداً عن الكعبة، ثم حمل الحجر الأسود ووضعه وسط العباءة، وطلب من كل قبيلة أن ترفع العباءة من أحد أطرافها، وبدءوا يتحركون بها وفوقها الحجر الأسود باتجاه الكعبة، وقد تعمد النبي إطالة المسافة بين العباءة والكعبة، ليفرغ الطاقة الموجودة لدى ممثلي القبائل، فيشعرون أنهم صنعوا شيئاً أو قاموا بمهمة.
ثم أمسك النبي بالحجر ووضعه في مكانه. وهنا نشير إلى أنه صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة لم يلمس الحجر الأسود وأشار إليه من بعد، حتى لا يتصارع الحجاج على لمسه من بعده، أشار عليه وقال: "بسم الله.. الله أكبر".
هو الآن رحيم بالمؤمنين حين لم يلمسه، وكان رحيماً بقومه يوم بناء الكعبة حين لمسه وأمسكه.
يقول أنس بن مالك: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين فأضاء منها كل شيء ومات رسول الله بالمدينة يوم الاثنين فأظلم منها كل شيء، قالوا له: فماذا تتمنى يا أنس؟ قال: لا أريد شيئاً من الدنيا، لا أريد إلا شيئاً واحداً: ألقاه يوم القيامة فأنظر إليه وأقول له: خادمك أنيس يا رسول الله فيتلقاني فرحاً ويقول لي مرحباً يا أنيس تعال معي إلى الجنة.
البحث عن مصلح
تم إعداد النبي لتلقي الرسالة: كل شيء في الدنيا ينطق أن الله قد أعد هذا الإنسان العظيم لإصلاح الأرض. اختار الله له الزمان والمكان، اختار له الأب والأم.. اختار له الصفات، كان العالم يبحث عن مصلح، الأرض تبحث عن مصلح، وأن الله إذا أراد شيئاً هيأ له أسبابه.
والنبي الآن عمره 38 عاماً، وسيقضي عامين في التحضير الروحاني لتحمل مسئولية الرسالة.
40 سنة من الإعداد لأجل- 23 سنة رسالة وهذا ليس بكثير لأنها رسالة آخر الزمان رسالة الإصلاح في الأرض حتى يوم القيامة والله سبحانه يعلمنا أن كل شيء في الحياة يسير في تدرج، وأنه لا ينبغي أن يكون هناك استعجال.. وأن الرسالات العظمى تحتاج إلى تحضير طويل، رصيد عظيم من الخبرات، جعل الأرض مهيأة لنزول الرسالة، فالنبي سيقابل كائناً آخر ليس من الأرض. كائن عظيم من السماء، والمواجهة ستكون صعبة. فالرسالة التي سينقلها جبريل عليه السلام، ليست كباقي الرسالات، لأنها رسالة إلى نهاية العالم إلى يوم القيامة.
والتمهيد حب من الله تبارك وتعالى ورحمة.. فلو فوجئ النبي بجبريل دون تمهيد، فلا أحد يدري حجم الصدمة التي ستحلق بالنبي عند رؤية جبريل فما بالك بنزول القرآن الكريم فالآية الكريمة تقول:
"لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله".
لابد إذا أن يكون قلب النبي أقوى من الجبال، حتى يتحمل عِظم الرسالة.
والنبي بعد ذلك بزمن طويل يقول: كان في الليلة الشاتية شديدة البرد ينزل عليه الوحي بالقرآن فيتصبب عرقاً، الأمر شديد.
تمهيد من الشجر والحجر
التمهيدات جاءت متدرجة، وفي الستة أشهر الأخيرة صار التمهيد شديداً.
يتحدث عن ذلك حديث يرويه البخاري يقول: إن النبي حين كان يمشي في طرقات مكة فيسمع صوتاً يقول له: السلام عليك يا رسول الله، فيلتفت فلا يجد شيئاً، هذه ليست معجزة خارقة، لكنه تمهيد للرفق به، الشجر والحجر يُلقى عليه السلام.
إنها خصوصية ليستطيع تحمل هم اللقاء وكلما مر بحجر أو شجر يقول له: السلام عليك يا رسول الله.
والنبي صلى الله عليه وسلم: يقول "إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم على قبل النبوة إني لأعرف مكانه الآن".
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ينتظر الرسالة، لكنه كان يبحث عن الحق.. عن الله..
حتى يوم جاءه جبريل لم يكن يعرف أنه نبي آخر الزمان.
من التمهيدات أيضا في الشهور الستة الأخيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى الرؤيا مثل فلق الصبح، شديد الوضوح، وفي الصباح يحكيها فيجدها تتحقق كما رآها.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة".
الشيء المهم أيضا في هذه الفترة التمهيدية أنه حُبب إليه الخلاء.
فالنبي طوال الـ 38 سنة الأولى من عمره حبب إليه العمل والبذل لزيادة رصيد الخبرة.
في العامين التاليين كان المطلوب زيادة طاقة الروح.
هذا هو التوازن بين المادة والروح فكان يختلي وحده في معية الله، ليفكر في حب الله.
تقول الآية الكريمة عن الصحابة :
"ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم".
اللهم أعني على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك
أختكم مريمة
منقول