المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ~*¤ô§ô¤*~الســــــــيرة المحمــديـــــــة ~*¤ô§ô¤* ~



سماء 111
23/07/2007, 03:07 PM
"الســــــــيرة المحمــديـــــــة "

بســــــــــم الله الرحمن الرحيم



لو لم يسجل التاريخ من سيرة سوى سيرته لكفـاه شرفـا وعـزا
تصغر الكلمات امام سيرة ناصعة البياض،وامام تاريخ رجل وحد الإنسانية
تحت لواء الإسلام بشريعة من الخالق وليس بشريعة من البشر
لم تكن النبوة محض اختيار ورغبة منه صلوات الله وسلامه عليـه
COLOR]فهي هبة من الله سبحانه وتعالى
﴿ اللَّهُ َأَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾
فالله تبارك وتعالى اصطفى هؤلاء الرسل من بين خلقه أجمعين ومنحهم النبوة وأعطاهم الرسالة فكانوا أئمة هدًى ومصابيح دُجى
نشر الله بهم دينه على مر العصور وكر الدهور حجةً من الله تبارك وتعالى على خلقه كما قال الله تبارك وتعالى في سورة النساء
﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾


بين ايديكم اليوم تتهادى السيرة العطرة
لسيدالخلق الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم.

سماء 111
23/07/2007, 03:10 PM
فـي البــدء..

أحب أن أنقل بعض أقوال المفكرين العالميين الذين أعجبوا بشخصية الرسول العظيم (صلى الله عليه وسلم)

- مهاتما غاندي(مهاتما غاندي في حديث لجريدة "ينج إنديا" وتكلم فيه عن صفات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم )

غاندي"أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك بدون نزاع قلوب ملايين البشر
لقد أصبحت مقتنعا كل الاقتناع
أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته،
بل كان ذلك من خلال بساطة الرسول مع دقته وصدقه في الوعود،
وتفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه،
وشجاعته مع ثقته المطلقة في ربه وفي رسالته.
هذه الصفات هي التي مهدت الطريق، وتخطت المصاعب وليس السيف
بعد انتهائي من قراءة الجزء الثاني من حياة الرسول
وجدت نفسي أسفا لعدم وجود المزيد
للتعرف أكثر على حياته العظيمة".

2- راما كريشنا راو (البروفسور رما كريشنا راو في كتابه "محمد النبي". )
"لا يمكن معرفة شخصية محمد بكل جوانبها.
ولكن كل ما في استطاعتي أن أقدمه هو نبذة عن حياته من صور متتابعة جميلة. فهناك محمد النبي،ومحمد المحارب،
ومحمد رجل الأعمال، ومحمد رجل السياسة،
ومحمد الخطيب، ومحمد المصلح، ومحمد ملاذ اليتامى، وحامي العبيد،
ومحمد محرر النساء، ومحمد القاضي،
كل هذه الأدوار الرائعة في كل دروب الحياة الإنسانية تؤهله لأن يكون بطلا".

3- ساروجنى ندو شاعرة الهند "يعتبر الإسلام أول الأديان مناديًا ومطبقًا للديمقراطية، وتبدأ هذه الديمقراطية في المسجد خمس مرات في اليوم الواحد عندما ينادى للصلاة، ويسجد القروي والملك جنب لجنب اعترافًا بأن الله أكبر.. ما أدهشني هو هذه الوحدة غير القابلة للتقسيم والتي جعلت من كل رجل بشكل تلقائي أخًا للآخر".

سماء 111
23/07/2007, 03:15 PM
- برناردشو ( برناردشو الإنكليزي ولد في مدينة كانيا 1817 ـ 1902 له مؤلف أسماه (محمد)، وقد أحرقته السلطة البريطانية. )
برناردشو إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، هذا النبي الذي وضع
دينه دائماً موضع الاحترام والإجلال فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالداً
خلود الأبد، وإني أرى كثيراً من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة، وسيجد هذا
الدين مجاله الفسيح في هذه القارة (يعني أوروبا).
إنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ
صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل،
فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحية، بل يجب أنْ يسمّى
منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم، لوفّق في حلّ مشكلاتنا بما
يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها.

5 - آن بيزيت ( آن بيزينت: حياة وتعاليم محمد دار مادرس للنشر 1932. )
من المستحيل لأي شخص يدرس حياة وشخصية نبي العرب العظيم ويعرف كيف عاش
هذا النبي وكيف علم الناس، إلا أن يشعر بتبجيل هذا النبي الجليل، أحد رسل الله
العظماء، ورغم أنني سوف أعرض فيما أروي لكم أشياء قد تكون مألوفة للعديد من
الناس فإنني أشعر في كل مرة أعيد فيها قراءة هذه الأشياء بإعجاب وتبجيل متجددين
لهذا المعلم العربي العظيم.
هل تقصد أن تخبرني أن رجلاً في عنفوان شبابه لم يتعد الرابعة والعشرين من عمره
بعد أن تزوج من امرأة أكبر منه بكثير وظل وفياً لها طيلة 26 عاماً ثم عندما بلغ
الخمسين من عمره - السن التي تخبو فيها شهوات الجسد - تزوج لإشباع رغباته وشهواته؟!
ليس هكذا يكون الحكم على حياة الأشخاص.
فلو نظرت إلى النساء اللاتي تزوجهن لوجدت أن كل زيجة من هذه الزيجات كانت
سبباً إما في الدخول في تحالف لصالح أتباعه ودينه أو الحصول على شيء يعود
بالنفع على أصحابه أو كانت المرأة التي تزوجها في حاجة ماسة للحماية.

6- مايكل هارت (مايكل هارت: في كتابه مائة رجل من التاريخ. )
إن اختياري محمداً، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي.
فهناك رُسل وأنبياء وحكماء بدءوا رسالات عظيمة، ولكنهم ماتوا دون إتمامها، كالمسيح في المسيحية، أو شاركهم فيها غيرهم، أو سبقهم إليهم سواهم، كموسى في اليهودية، ولكن محمداً هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته. ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة، فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضاً، وحّد القبائل في شعـب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم. أيضاً في حياته، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، وأتمها.

7- شبرك النمساوي (الدكتور شبرك النمساوي)
إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها، إذ إنّه رغم أُمّيته، استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أنْ يأتي بتشريع، سنكونُ نحنُ الأوروبيين أسعد ما نكون، إذا توصلنا إلى قمّته.

8- لم يعتر القرآن أي تبديل أو تحريف ، وعندما تستمع إلى آياته تأخذك رجفة الإعجاب والحب ، وبعد أن تتوغل في دراسة روح التشريع فيه لا يسعك إلا أن تعظم هذا الكتاب العلوي وتقدسه. (أرنست رينان)

9-(لامارتين) أي رجل أدرك من العظمة الإنسانية مثلما أدرك محمد ، وأي إنسان بلغ من مراتب الكمال مثل ما بلغ ، لقد هدم الرسول المعتقدات الباطلة التي تتخذ واسطة بين الخالق والمخلوق.

10- (غوته)إن التشريع في الغرب ناقص بالنسبة للتعاليم الإسلامية ، وإننا أهل أوربا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد ، وسوف لا يتقدم عليه أحد.

سماء 111
23/07/2007, 03:18 PM
يجدر في شرح هذه الدرة المضيئة أن نقول: إنه يجب علينا أن نتعلم سيرته صلى الله عليه وسلم لاأن نبز أقراننا ونفوق إخواننا ونترفع على من بين أيدينا، وإنما حتى نتأسّى به صلوات الله وسلامه عليه ونجعله بيننا وبين ربنا فنقتفي أثره، ونلتمس سنته، ونتبع هديه، ذلكم الذي أمرنا الله جلّ وعلا به في المقام الأول، قال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ وقد فطر الله جلّ وعلا كثيرًا من خلقه على محبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد صعد أحد فرجف الجبل فرحًا بصعوده،
فقال عليه الصلاة والسلام:
( اثبت أُحد فإنما عليك نبيٌ وصديقٌ وشهيدان )، وترك الجذع الذي كان يخطب عليه لما ُصنع له المنبر فحنّ الجذع إليه، فقام عليه الصلاة والسلام والتمس الجذع وضمه إليه، وكان الحسن البصري رحمه الله إذا حدث بهذا الحديث يقول "يا معشر المسلمين الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بال قلوبكم لا تحن إليه" والمقصود من هذا كله إخلاص النية والسعي قدر الإمكان في فهم سيرته العطرة وأيامه النضرة صلوات الله وسلامه عليه قبل أن نشرع تفصيلا في ذكرها.*

سماء 111
23/07/2007, 03:20 PM
نسب النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه وأمه



هو سيدنا ونبينا محمد سيد الأولين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين

ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيِّ بن حكيم بن مُرّة بن كعب بن لُؤيِّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كِنانة بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكَة بن إلياس بن مُضَر بن نِزار بن مَعَدِّ بن عَدْنان.
هذا هو النسب المتفق على صحته، كما اتفقوا على أن النسب المحمدي الشريف يتصل بسيدنا إسماعيل بن سيدنا إبراهيم عليهما الصلاة والسلام ولكن سلسلة النسب بين عدنان وسيدنا إسماعيل عليه السلام لم يثبت علمها من طريق صحيح.
فالجد الأول للنبي صلى الله عليه وسلم هو عبد المطلب بن هاشم وكان شيخاً معظماً في قريش يحترمونه ويرجعون إليه في مهمات أمورهم.
وأمه صلى الله عليه وسلم هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن حكيم ابن مرة الذي هو الجد الخامس للنبي صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه.
مما سبق تعلم أن أباه وأمه صلى الله عليه وسلم من أصل واحد، وأنهما يجتمعان في حكيم بن مرة (وكان يسمى كلابا)، وأن عبد مناف بن زهرة الذي هو الجد الثاني للنبي صلى الله عليه وسلم من جهة أمه غير عبد مناف الجد الثالث للنبي صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه.
ومن جدودهما فهر الذي هو (قريش)، وهو عاشر أجداد النبي صلى الله عليه وسلم، وإليه تنسب أمة قريش كلها، وقد تفرعت منه اثنتا عشرة قبيلة سميت باسمه، منهم بنو عبد مناف الذي هو الجد الثالث للنبي صلى الله عليه وسلم، فهو صلى الله عليه وسلم من صميم قريش المشهود لهم بالشرف ورفعة الشأن بين العرب.
وأجداده من جهة أبيه وأمه كلهم سادة كرام، وكل اجتماع بين أجداده وزوجاتهم كان شرعياً بحسب الأصول العربية، فلم يكن في نسبه الشريف شيء من سفاح الجاهلية فهو نسب شريف طاهر من آباء طاهرين وأمهات طاهرات والحمد لله رب العالمين.
وهذا النسب ليس معناه أن جميع آباء النبي صلى الله عليه وسلم وأجداده كانوا مؤمنين، وهذا لا يدل الواقع التاريخي عليه، نبينا صلى الله عليه وسلم من أباءٍ وأجدادٍ من كان من أهل الفطرة، والله أعلم بهم، ولاشك أن من إبراهيم إلى آدم من كان على غير ملة الإسلام، والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم كان محفوظًا برعاية ربه تبارك وتعالى.

ملتزمه
23/07/2007, 03:26 PM
موضوعـ راااااااااااااااااااااااااائع
كنت أبحث عنه من زماااااااااان

جزاك الله خير و بارك الله فيك
::::::::::

hamalg
23/07/2007, 03:28 PM
نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكفينا حبه حتى نحبه ولا نأبه بآراء غير المسلمين فيه مهما على شأنه

الفقير
23/07/2007, 04:56 PM
بارك الله فيك
موضوع مميز

سماء 111
23/07/2007, 05:52 PM
أعلى درجات العظمة أن يشهد لك عدوك بنصرك..

عندما أقرأ أقوال المستشرقين يحضرني دائماً قول الشاعر..


وإذا أراد الله نشر فضيلة....طويت أتاح لها لسان حسود

اشكر للافاضل " عاشقة تراب الجنة" " hamalg" و " الفقير" مرورهم الكريم ..بوركتم ..وجزيتم الجنة ونعيمها ومرافقة سيد الخلق وحبيب الحق ..حتى تشربوا من يديه الكريمتين شربة لن تظماوا بعدها ابدا ..دمتم على السبيل الاقوم

سماء 111
23/07/2007, 05:58 PM
مولده صلى الله عليه وسلم

تزوج عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن حكيم؛ وعمره ثماني عشرة سنة ، وهي يومئذ من أفضل نساء قريش نسباً وأكرمهم خلقاً. ولما دخل بها حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم، وسافر والده عبد الله عقب ذلك بتجارة له إلى الشام فأدركته الوفاة بالمدينة (يثرب) وهو راجع من الشام ، ودفن بها عند أخواله بني عدى بن النجار، وكان ذلك بعد شهرين من حمل أمه آمنة به صلى الله عليه وسلم.
وقد توفي والد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يترك من المال إلا خمساً من الإبل وأمَته (أم أيمن).
ولما تمت مدة الحمل ولدته صلى الله عليه وسلم بمكة المشرفة في اليوم الثانى عشر من شهر ربيع الأول من عام الفيل، الذي يوافق سنة 571 من ميلاد المسيح عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، وهو العام الذي أغار فيه ملك الحبشة على مكة بجيش تتقدمه الفيلة قاصداً هدم الكعبة (البيت الحرام) فأهلكهم الله تعالى.
كانت ولادته صلى الله عليه وسلم في دار عمه أبي طالب في شِعْب بني هاشم، أي مساكنهم المجتمعة في بقعة واحدة، وسماه جده عبد المطلب (محمداً) ولم يكن هذا الاسم شائعاً إذ ذاك عند العرب ولكن الله تعالى ألهمه إياه فوافق ذلك ما جاء في التوراة من البشارة بالنبي الذي يأتي من بعد عيسى عليه الصلاة والسلام مسمى بهذا الاسم الشريف، لأنه قد جاء في التوراة ما هو صريح في البشارة بنبي تنطبق أوصافه تمام الانطباق على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: مسمى، أو موصوفا بعبارة ترجمتها هذا الاسم، كما جاءت البشارة به صلى الله عليه وسلم على لسان عيسى عليه الصلاة والسلام باسمه أحمد، وقد سمى بأحمد كما سمى بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وكانت قابلته صلى الله عليه وسلم الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف وحاضنته أم أيمن بركة الحبشية أَمَة أبيه عبد الله، وقد ورد في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم وُلد مختوناً، وورد أيضا أن جده عبد المطلب ختنه يوم السابع من ولادته الذي سماه فيه..


رضاعه صلى الله عليه وسلم

أرضعته صلى الله عليه وسلم أمه عقب الولادة، ثم أرضعته ثويبة أَمَة عمه أبي لهب أياماً، ثم جاء إلى مكة نسوة من البادية يطلبن أطفالاً يرضعنهم ابتغاء المعروف من آباء الرضعاء على حسب عادة أشراف العرب، فإنهم كانوا يدفعون بأولادهم إلى نساء البادية يرضعنهم هناك حتى يتربوا على النجابة والشهامة وقوة العزيمة، فاختيرت لإرضاعه صلى الله عليه وسلم من بين هؤلاء النسوة (حليمة) بنت أبي ذؤيب السعدية؛ من بني سعد بن بكر من قبيلة هوازن التي كانت منازلهم بالبادية بالقرب من مكة المكرمة، فأخذته معها بعد أن استشارت زوجها (أبو كبشة) الذي رجا أن يجعل الله لهم فيه بركة، فحقق الله تعالى رجاءه وبدل عسرهم يسراً، فَدَرَّ ثديها بعد أن كان لبنها لا يكفي ولدها ، ودَرَّت ناقتهم حتى أشبعتهم جميعاً بعد أن كانت لا تغنيهم ، وبعد أن وصلوا إلى أرضهم كانت غنمهم تأتيهم شباعاً غزيرة اللبن مع أن أرضهم كانت مجدبة في تلك السنة، واستمروا في خيروبركة مدة وجوده صلى الله عليه وسلم بينهم.
ولما كمل له سنتان فصلته حليمة من الرضاع، ثم أتت به إلى جده وأمه وكلمتهما في رجوعها به وإبقائه عندها فأذنا لها بذلك.

سماء 111
23/07/2007, 06:07 PM
من منن الله عليه افضل الصلوات والتسليم

الذي يعنينا في هذا المقام في فقه السيرة أن يُفهم أن الله جلّ وعلا لحكمةٍ أرادها أن يعيش نبيه صلى الله عليه وسلم يتيمًا حتى تكتمل عليه منة الله، والله إذا أراد أن يمن على عبدٍ من عباده بشيء جنبه الناس. ما لا يفقهه الناس هو أنه خرج وليس لأحدٍ من أهل الأرض عليه منة صلوات الله وسلامه
عليه إلا منة الله، وهذه منزلة لا ينالها الإنسان إلا إذا بلغ درجة عظيمة في العبودية، فإن الإنسان إذا تحرر قلبه من غير الله كان أقرب إلى الله، وكلما تعلق قلبه بأحدٍ غير الله كان أبعد من الله جلّ وعلا، ومن أراد الله يرزقه الفلاح الحق الكامل لم يجعل في قلبه أحد غير ربه تبارك وتعالى، يحب بحبه، ويُبغض ببغضه، ويوالي بموالاته، فإن كان هذا القلب لا يعرف إلا الله جلّ وعلا في سرائه وضرائه وليله ونهاره وإقامته وسفره كان رعاية الله جلّ وعلا به أعظم وعنايته به أكمل تبارك وتعالى، وهذا هو المقصود الأسمى من كونه صلى الله عليه وسلم نشأ يتيمًا لم يرعاه أب حتى إذا بلغ النبوة نسب الناس نبوته إلى أبيه، ولم ترعاه أمه حتى إذا بلغ المجد نسب الناس رعايته وتربيته إلى أمه، قال الله جلّ وعلا مُمتنًا عليه﴿ ألم يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾
ُذكرت باليتم في القرآن تكرمة وقيمة اللؤلؤ المكـنون في اليتم
الله قسم بين الخــلق رزقهم وأنت خُيِّرتَ في الأرزاق والقسم
إن قلت في الأمر ( لا ) أو قلت فيه ( نعم ) فخِيرةُ الله بلا منك أو نعم
يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة حديثك الشهد عند الذائق الفهم
جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم
آياته كلما طال المدى جـــددٌ يزينهن جلال العتق والقدم

صلوات الله وسلامه عليه *.

سماء 111
23/07/2007, 06:17 PM
حادثة شق صدره صلى الله عليه وسلم




بعد عودة حليمة السعدية به صلى الله عليه وسلم من مكة إلى ديار بني سعد بأشهر، بعث الله تعالى مَلَكين لشق صدره الشريف وتطهيره، فوجداه صلى الله عليه وسلم مع أخيه من الرضاع خلف البيوت، فأضجعاه وشقا صدره الشريف وطهراه من حظ الشيطان، وكان ذلك الشق بدون مدية ولا آلة بل كان بحالة من خوارق العادة ، ثم أطبقاه، فذهب ذلك الأخ إلى أمه حليمة وأبلغها الخبر، فخرجت إليه هي وزوجها فوجداه صلى الله عليه وسلم منتقع اللون من آثار الروع ، فالتزمته حليمة والتزمه زوجها حتى ذهب عنه الروع ، فقص عليهما القصة كما أخبرهما أخوه. وقد أحدثت هذه الحادثة عند حليمة وزوجها خوفاً عليه، ومما زادها خوفاً أن جماعة من نصارى الحبش كانوا رأوه معها فطلبوه منها ليذهبوا به إلى ملكهم، فخشيت عليه من بقائه عندها، فعادت به صلى الله عليه وسلم إلى أمه وأخبرتها الخبر، وتركته عندها مع ما كانت عليه من الحرص على بقائه معها.


وفاة أمه صلى الله عليه وسلم وكفالة جده وعمه له

بعد أن عادت حليمة السعدية به صلى الله عليه وسلم إلى أمه - وكان إذ ذاك في السنة الرابعة من عمره الشريف - بقى مع أمه وجده عبد المطلب بن هاشم بمكة في حفظ الله تعالى، ينبته الله نباتاً حسناً ، ثم سافرت به أمه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة لزيارة أخواله هناك من بني عدى بن النجار ، فتوفيت وهي راجعة به من المدينة إلى مكة بجهة (الأبواء) بالقرب من المدينة ودفنت هناك، فقامت به إلى مكة حاضنته أم أيمن وقد بلغ من العمر يومئذ ست سنين، ولما وصلت إلى مكة كفله جده عبد المطلب بن هاشم، وحن إليه حناناً زائداً وعطف عليه عطفاً بليغاً، حتى توفي عبد المطلب وعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان سنين.
وكان جده عبد المطلب يوصي به عمه أبا طالب -الذي هو الأخ الشقيق لأبيه- فلما مات عبد المطلب كان صلى الله عليه وسلم في كفالة عمه أبي طالب يشب على محاسن الأخلاق، متباعداً عن صغائر الأمور التي يشتغل بها الصبيان عادة ، وقد بارك الله تعالى لأبي طالب في الرزق مدة وجوده صلى الله عليه وسلم في كفالته وفي وسط عياله.

سماء 111
23/07/2007, 06:23 PM
سفره صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب إلى الشام



لما أراد أبو طالب أن يسافر إلى الشام في تجارة له رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرافقه، فأخذه معه وسنه إذ ذاك اثنتا عشرة سنة ، ولما وصلوا بصرى وهي أول بلاد الشام من جهة بلاد العرب قابلهم بها راهب من رهبان النصارى اسمه (بحيرا) – كان يقيم في صومعة له هناك – فسألهم عن ظهور نبي من العرب في هذا الزمن، ثم لما أمعن النظر في النبي صلى الله عليه وسلم وحادثه عرف أنه النبي العربي الذي بشر به موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، وقال لعمه أنه سيكون لهذا الغلام شأن عظيم، فارجع به واحذر عليه من اليهود ، فلم يمكث أبو طالب في رحلته هذه طويلاً بل عاد به إلى مكة حين فرغ من تجارته، وبقى صلى الله عليه وسلم في مكة مثال الكمال، محفوظاً من معايب أخلاق الجاهلية، شهماً شجاعاً حتى إنه حضر مع أعمامه حرب (الفجار) و (حلف الفضول)، وسنه إذ ذاك عشرون سنة.
أما (الفجار) فهي حرب كانت بين قبيلة كنانة ومعها حليفتها قريش وبين قبيلة قيس، وقد ابتدأت هذه الحرب فيما بين مكة والطائف ووصلت إلى الكعبة، فاستحلت حرمات هذا البيت الذي كان مقدساً عند العرب ولذلك سميت حرب (الفجار).
وأما (حلف الفضول) كان عقب هذه الحرب، وهو تعاقد بطون قريش على أن ينصروا كل من يجدونه مظلوماً بمكة سواء كان من أهلها أو من غير أهلها.


رحلته إلى الشام مرة ثانية في تجارة لخديجة بنت خويلد


كان طريق الكسب في قريش هي التجارة، وكانت خديجة بنت خويلد من بني أسد بن عبد العزى بن قصي سيدة ذات مال، تتاجر في مالها بطريق المضاربة مع من تثق بهم من الرجال ، فلما سمعت بأمانة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه حتى اشتهر بين قومه باسم (الأمين) بعثت إليه، وعرضت عليه أن يسافر بمال لها إلى الشام وتعطيه من الربح أكثر مما كانت تعطى غيره، فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وسافر مع غلامها ( أى مملوكها) ميسرة فباع واشترى وعاد بربح عظيم.
وقد شاهد ميسرة في هذه الرحلة كثيراً من بركات النبي صلى الله عليه وسلم وإكرام الله تعالى له، فإنه صلى الله عليه وسلم لما قدم الشام نزل في ظل شجرة قريباً من صومعة راهب هناك، فقال هذا الراهب لميسرة أنه ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، وكان ميسرة يشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مظللاً من حر الشمس وهو يسير على بعير بدون أن تكون معه مظلة.

سماء 111
23/07/2007, 06:30 PM
زواجه صلى الله عليه وسلم بالسيدة خديجة بنت خويلد


لما قدم ميسرة إلى سيدته خديجة الحازمة اللبيبة، وأخبرها بما شاهده من بركات النبي صلى الله عليه وسلم وإكرام الله تعالى له، بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت له: يا ابن عم، إني قد رغبت فيك لقرابتك وأمانتك وصدق حديثك، وقد خاطبته بابن العم على عادة العرب من تخاطب الأقرباء من جهة الأبوة بابن العم، حيث يجتمع أصولهما في (قصي) فإنها من بني أسد بن عبد العزى بن قصي، وكانت خديجة قد ذكرت ما سمعت من غلامها ميسرة لابن عمها ورقة بن نوفل -من المتتبعين للكتب والأخبار- فكان يقول لها: يا خديجة إن محمداً لنبي هذه الأمة، وقد عرفت أنه كان لهذه الأمة نبي يُنتظر، هذا زمانه.
وكانت خديجة مرغوبا فيها لشرف نسبها ورفعة قدرها بين قومها، فعرض النبي صلى الله عليه وسلم الأمر على أعمامه فوافقوه على زواجه صلى الله عليه وسلم، بها وتوجهوا معه إليها، وأتموا عقد الزواج بينهما ، وتولاه عنها عمها (عمرو بن أسد)، كما تولاه عن النبي صلى الله عليه وسلم عمه (أبو طالب) ، وكان صداقها عشرين بِكْرة ، وكان سن السيدة خديجة أربعين سنة وسنه صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين سنة ، ولم يتزوج عليها النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفيت رضى الله عنها، وكانت متزوجة قبله صلى الله عليه وسلم برجل اسمه (هند)، ولدت منه ولداً اسمه (هالة)، فكان ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد مكث صلى الله عليه وسلم بعد زواجه بالسيدة خديجة يشتغل بالتجارة والتنسك، حتى بعثه الله رحمة للعالمين.

-((ونقف هنا عند خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها، ونقول علميًا لها خصائص لا يشاركها فيها أحدٌ من أمهات المؤمنين، ولها خصيصة واحدة لا يشاركها فيها أحدٌ من نساء العالمين، فمن الخصائص التي لم يُشاركها في أحدٌ من أمهات المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج عليها وهي حية، فلم يجمع بينها وبين أحدٍ من النساء، والثانية أن الله رزقه منها الولد ولم يرزقه بولدٍ من غيرها إلا ما كان من جاريته مارية أم إبراهيم، هذه الخصائص التي تفردت بها خديجة رضي الله تعالى عنها عن أمهات المؤمنين.
أما الخصيصة التي تفردت بها عن نساء العالمين أجمعين أن الله جلّ وعلا بلغها سلامه مع جبريل عليه السلام، وهذه خصيصة لا يُعلم نقلا أن أحدًا من نساء العالمين نالها، رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم – كما في الصحيحين- أنه قال ( إنّي رُزقتُ حبها )، أي حب خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. والمقصود أن هذه كانت هي الرحلة الثانية له صلى الله عليه وسلم إلى الشام، وخديجة هي أول نسائه، عليه الصلاة والسلام. ))*

سماء 111
23/07/2007, 06:40 PM
شهوده صلى الله عليه وسلم بناء الكعبة

الكعبة هي أول بيت وضع في الأرض للعبادة، وقد بناها سيدنا إبراهيم الخليل مع ولده سيدنا إسماعيل عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، ثم جُدد بناؤها من بعده ثلاث مرات، وكان بناؤها من الصخر وارتفاعها فوق القامة.
ويقال أن أول من بناها سيدنا آدم أبو البشر عليه الصلاة والسلام، وقد وصلوا في نقض أنقاضها إلى أساس سيدنا إسماعيل عليه الصلاة والسلام، ويقال أنهم وجدوا هناك صحافا منقوشا فيها كثير من الحكم تذكرة للمتأخرين، وقد تحرى أشراف قريش أن تكون نفقة بنائها من طيب أموالهم؛ فكانوا لا يدخلون في نفقتها مهر بغى ولا مال ربا، ولما ضاقت بهم النفقة الطيبة عن إتمامها على قواعد سيدنا إبراهيم عليه السلام أخرجوا منها الحجر، وبنوا عليه جدارا قصيراً علامة على أنه منها.
وعندما بلغ سن النبي صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة، اتفق أن نزل سيل عظيم بمكة أثر في جدران الكعبة فأوهنها -على ما كانت عليه من الضعف بسبب حريق أصابها من قبل، فاجتمعت قبائل قريش وشرعوا في هدمها وبنائها بناء مرتفعاً، وكان الأشراف منهم يتسابقون في نقل الحجارة وحملها على أعناقهم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن يحمل الحجارة وينقلها الى مكان البناء، مع عمه العباس رضى الله عنه.
بنيت الكعبة حينئذ بارتفاع ثماني عشر ذراعا، بحيث يزيد عن أصله تسعة أذرع، وقد رفع الباب بحيث لايصعد إليه إلا بدَرَج. و لما تم بناء الكعبةوأرادت قريش وضع الحجر الأسود في موضعه، اختلف أشرافهم فيمن يضعه، وظلوا مختلفين أربعة أيام، فأشار عليهم أبو أمية الوليد بن المغيرة - وهو أكبرهم سنا - بأن يحكِّموا بينهم من يرضون بحكمه، فاتفقوا على أن يكون الحكم لأول قادم من باب الصفا. فكان أول داخل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتاحوا جميعا لما يعهدونه من أمانته وحكمته وصدقه وإخلاصه للحق، وقالوا: هذا الأمين رضيناه، هذا محمد، فلما وصل إليهم وأخبروه الخبر بسط رداءه، وتناول الحجر فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بطرف من الرداء ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا حتى وصلوا به إلى موضعه؛ فوضعه فيه بيده صلى الله عليه وسلم، وبذلك انتهت هذه المشكلة التي كادت تؤدى إلى الحرب والقتال فيما بينهم.

سيرته صلى الله عليه وسلم في قومه قبل النبوة

قد علمت أن الله تعالى قد أكرم آل حليمة السعدية التي أرضعته صلى الله عليه وسلم، فبدل عسرهم يسراً وأشبع غنيماتهم وأدر ضروعها في سنة الجدب والشدة، كما بارك سبحانه وتعالى في رزق عمه أبي طالب حينما كان في كفالته، مع ضيق ذات يده، وأنه سبحانه وتعالى كان يسخر له الغمامة تظله وحده من حر الشمس في سفره إلى الشام، فتسير معه أنى سار دون غيره من أفراد القافلة.
وكان سبحانه وتعالى يلهمه الحق ويرشده الى المكارم والفضائل في أموره كلها، حتى إنه كان إذا خرج لقضاء الحاجة في صغره بَعُدَ عن الناس حتى لا يُرى.
وكان سبحانه وتعالى يكرمه بتسليم الأحجار والأشجار عليه، ويُسمعه ذلك فيلتفت عن يمينه وشماله فلا يرى أحداً.
وقد كان علماء اليهود والنصارى - رهبانهم وكهنتهم- يعرفون زمن مجيئه صلى الله عليه وسلم مما جاء من أوصافه في التوراة وما أخبر به المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام فكانوا يسألون عن مولده وظهوره وقد عرفه كثيرون منهم لما رأوا ذاته الشريفة أو سمعوا بأوصافه وأحواله صلى الله عليه وسلم.
وقد نشأ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ممتازاً بكمال الأخلاق، متباعداً في صغره عن السفاسف التي يشتغل بها أمثاله في السن عادة، حتى بلغ مبلغ الرجال فكان أرجح الناس عقلاً، وأصحهم رأياً، وأعظمهم مروءة، وأصدقهم حديثاً، وأكبرهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش، وقد لقبه قومه (بالأمين)، وكانوا يودعون عنده ودائعهم وأماناتهم.
وقد حفظه الله تعالى منذ نشأته من قبيح أحوال الجاهلية، وبَغَّض إليه أوثانهم حتى إنه من صغره كان لا يحلف بها ولا يحترمها ولا يحضر لها عيداً أو احتفالاً، وكان لا يأكل ما ذبح على النُّصُب، و النصب هي حجارة كانوا ينصبونها ويصبون عليها دم الذبائح ويعبدونها.
ولقد كان صلى الله عليه وسلم لين الجانب يحن إلى المسكين، ولا يحقر فقيراً لفقره، ولايهاب ملكا لملكه، ولم يكن يشرب الخمر مع شيوع ذلك في قومه، ولا يزنى ولا يسرق ولا يقتل، بل كان ملتزما لمكارم الأخلاق التي أساسها الصدق والأمانة والوفاء. وبالجملة حفظه الله تعالى من النقائص والأدناس قبل النبوة كما عصمه منها بعد النبوة.
وكان يلبس العمامة والقميص والسراويل، ويتزر ويرتدى بأكيسة من القطن، وربما لبس الصوف والكتان، ولبس الخف والنعال وربما مشى بدونها. وركب الخيل والبغال والإبل والحمير. وكان ينام على الفراش تارة وعلى الحصير تارة وعلى السرير تارة وعلى الأرض تارة، ويجلس على الأرض، ويخصف نعله، (أي يخرزها ويصلحها) ويرقع ثوبه، وقد اتخذ من الغنم والرقيق من الإماء والعبيد بقدر الحاجة. وكان من هديه في الطعام ألا يرد موجوداً ولا يتكلف مفقوداً.

سماء 111
23/07/2007, 06:47 PM
معيشته صلى الله عليه وسلم قبل النبوة



محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم كان جده هاشم كبير قريش وسيدها، وكانت قريش أشرف قبائل العرب،
وكانت إقامتهم بمكة وضواحيها، وكانت معيشتهم من التجارة في الثياب والبز (متاع البيت من جنس الثياب) وما يحتاجه العرب، وكان لهم رحلتان تجاريتان إلى الشام إحداهما في الصيف والأخرى في الشتاء، وكان أكثر ما يقتنون من النَّعم الإبل والغنم للانتفاع بظهورهاوألبانهاوأصوافهاوأوباره ا.
فلما بلغ سناًّ يمكنه فيه أن يعمل عملا كان ينفق على نفسه من عمل يده، وقد كانت فاتحة عمله رعاية الغنم، كما هي سنة الله تعالى في أنبيائه وأصفيائه؛ لتدريبهم على رعاية الخلق بالرفق الذي تستدعيه هذه الرعاية، فكان ينفق من أجرة رعايته، ثم كان يتجر فيما كانت تتجر فيه قريش وينفق من كسب تجارته. وفي كل ذلك كان يعمل على قدر الحاجة، لا مستكثراً من الدنيا ولا تاركا لها تركا كلياًّ، ليهيئه الله تعالى لما أراده سبحانه منه من التفرغ للدعوة إلى دينه القويم.

تعبده صلى الله عليه وسلم قبل البعثة

كان من العرب قبل الإسلام من ينتمي إلى دين اليهودية، ومنهم من يدين بالنصرانية- على ما فيهما من تغيير وتحريف، والباقون عبدة أصنام وأوثان، وكان على ذلك عامة قريش إلا نفرا قليلا منهم كانوا يعيبون على قومهم عبادة هذه التماثيل.
وقد فُطر سيدنا محمد بن عبد الله - صلوات الله عليه وسلامه- على طهارة القلب وزكاء النفس. فطره الله تعالى على ذلك ليكون على تمام الصلاحية لتلقى شريعته المطهرة وإيصالها إلى الخلق على أتم وجه وأكمله.فلذلك كانت نفسه الكريمة مجبولة على ما هو الحق، لا تعرف غيره، ولا تقبل سواه، فكان يأنف عن الباطل بطبعه ويألف الحق بسجيته، فلم يحكم عليه شيء من عادات قومه: لا في تحسين باطل ممقوت، ولا في تقبيح حق مقبول.
ولقد كانت تلك فطرة أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي فُطر عليها قبل نبوته؛ كما كان ذلك شأن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: يفطرون على الإقبال على الله تعالى، وتنصرف هممهم وأنفسهم الزكية قبل نبوتهم عما يكون عليه أقوامهم من باطل العقائد وفاسد العادات والتعبدات.
نشأ صلى الله عليه وسلم مقبلا على الله تعالى بقلبه، خالصاً لله تعالى، حنيفا لم يحم الشرك حول قلبه الكريم، فكان بأصل فطرته مبغضاً لهذه الأوثان، نافراً من هذه المعبودات الباطلة، فلم يكن يحضر لها عيدا ولا يتقرب إليها ولايحفل بها، وإنما كان يعبد خالق الكون وحده، مقبلا عليه سبحانه بما هو مظهر العبودية والإخلاص من تفكير وتمجيد.
وكان يطوف بالكعبة ويحج كما كان الناس يحجون اتباعاً لملة سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ولم يثبت من طريق صحيح التزامه التعبد على شريعة أحد من الأنبياء السابقين صلوات الله عليهم أجمعين.
والذي ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يختلى في غار حراء من كل سنة شهر(وكان يوافق ذلك شهر رمضان)، يعبد الله تعالى بالتفكر، ويطعم المساكين مما كان يتزود به في مدة خلوته (وروى أنه كان يتزود الكعك والزيت، وكان كلما فرغ زاده رجع الى أهله فتزود وعاد)، وكان إذا انتهي من خلوته ينصرف إلى الكعبة فيطوف بها سبعاً أو ماشاء الله من ذلك قبل أن يرجع إلى بيته.
ويسمى حراء: جبل النور، وهو على يسار السالك إلى عرفة، وبه ذلك الغار الذي كان يتعبد فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ضيق المدخل، ومساحته من الداخل تقرب من ثلاثة أمتار، وبه نزل الوحي عليه صلى الله عليه وسلم لأول مرة كما سيجيء، ويقال أن جده عبد المطلب كان يتعبد في حراء، ثم تبعه في ذلك من كان يتعبد منهم كورقة بن نوفل وأبي أمية بن العزى.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب العزلة والخلوة من زمن طفولته إلى أن بعثه الله تعالى رحمة للعالمين.

((هذا ذكر ما كان له صلى الله عليه وسلم عند تمام الأربعين، في تمام الأربعين لما قاربها بدأ ما يدل على أن الله جلّ وعلا سيختصه بأمرٍ عظيم، فكان لا يمشي في طرقات مكة إلا ناداه الحجر والشجر "السلام عليك يا نبي الله" فيلتفت يمينًا وشمالا فلا يرى شخصًا ولا خيالا فيتعجب ويمضي، ثم حُبب إليه الخلاء بعد أن أصبح يرى الرؤيا فتقع كفلق الصبح، فحُبب إليه الخلاء فأخذ معه سويقًا وماءً وكان يتحنث ليالي ذوات عدد في غار حراء يتأمل في ملكوت الله، وكل هذا يمضي بقدر الله حتى أتم عليه الصلاة والسلام رأس الأربعين)).*

تنتهي في نهاية هذه الحقبة المرحلة الأولى من حياة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، قبل البعثه
وسنبدأ بعد ذلك بذكرمرحلة "بدءالوحي"وبعثته صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين.

سماء 111
23/07/2007, 07:30 PM
بدء الوحي


لما كمل سنه صلى الله عليه وسلم أربعين سنة-وهو سن الكمال، أكرمه الله تعالى بالنبوة والرسالة رحمة للعالمين.
فبينما هو صلى الله عليه وسلم في خلوته بغار حراء، وكان ذلك في شهر رمضان على أصح الروايات، إذ جاءه جبريل الأمين عليه السلام بأمر الله تعالى، ليبلغه رسالة ربه عز وجل، ) وقد تمثل جبريل عليه السلام في هذه المرة بصورة رجل. فقال له: اقرأ، فقال له عليه الصلاة والسلام: ما أنا بقارئ (لأنه صلى الله عليه وسلم كان أمياً لم يتعلم القراءة)، فغطه جبريل عليه السلام غطا شديدا (أى ضمه وعصره بشدة)، ثم أرسله فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فغطه ثانية ثم أرسله وقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، ثم غطه الثالثة وأرسله فقال له: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ اْلإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ اْلأَكْرَمِ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ اْلإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ). فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف عنه جبريل عليه السلام وهو يقول: يامحمد أنت رسول الله وأنا جبريل. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله يرجف فؤاده مما أدركه من الروع لشدة مقابلة الملك فجأة وشدة الغطّ التي اقتضاها الحال.
ولما رجع عليه الصلاة والسلام إلى أهله، ودخل على زوجه خديجة رضى الله عنها قال: زَمِّلوني زَمِّلوني (أي اطرحوا عليَّ الغطاء ولفوني به - ليذهب عنه الروع)، فلما ذهب عنه الروع أخبر خديجة رضي الله عنها بما كان، فقالت له: أبشر يا ابن عم واثبت، فإنى لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة,والله لا يخزيك الله أبدًا، ثم هذا اليمين استدلت عليه بدلائل، قالت: إنك لتعين على نوائب الحق وتحمل الكل وتُقري الضيف، وأخذت تُعدد ما تراه وما تُشاهده من زوجها صلوات الله وسلامه عليه، وأنه أهلٌ للنبوة عليه الصلاة والسلام فلم تُفاجأ أنه سيُنبأ لما علمت رضي الله عنها وأرضاها وهي تعاشره وتخالطه ويأوي إليها من عظيم صفاتها وجليل مناقبه التي فطره الله جلّ وعلا عليها قبل أن يُنبأ،فأصبحت خديجة أول هذه الأمة إيمانًا برسولنا صلى الله عليه وسلم.
ثم ذهبت خديجة مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان شيخا كبيرا يعرف الإِنجيل وأخبار الرسل، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رآه، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى، أي أن هذا الملك الذي جاءك هو الناموس؛ أى صاحب سر الوحي الذي نزله الله تعالى على نبيه موسى عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يعرف من الكتب القديمة وأخبارها أن جبريل هو رسول الله إلى أنبيائه.
ثم تمنى ورقة أن لو كان شابا يقدر على نصرة النبي صلى الله عليه وسلم عند ظهوره بأمر الرسالة ومعاداة قومه له؛ لأنه يعرف من أخبار الرسل أن قومهم يعادونهم في مبدإ أمرهم، ثم توفي ورقة بعد ذلك بزمن قريب.

سماء 111
23/07/2007, 07:37 PM
بدء الوحي


لما كمل سنه صلى الله عليه وسلم أربعين سنة-وهو سن الكمال، أكرمه الله تعالى بالنبوة والرسالة رحمة للعالمين.
فبينما هو صلى الله عليه وسلم في خلوته بغار حراء، وكان ذلك في شهر رمضان على أصح الروايات، إذ جاءه جبريل الأمين عليه السلام بأمر الله تعالى، ليبلغه رسالة ربه عز وجل، ) وقد تمثل جبريل عليه السلام في هذه المرة بصورة رجل. فقال له: اقرأ، فقال له عليه الصلاة والسلام: ما أنا بقارئ (لأنه صلى الله عليه وسلم كان أمياً لم يتعلم القراءة)، فغطه جبريل عليه السلام غطا شديدا (أى ضمه وعصره بشدة)، ثم أرسله فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فغطه ثانية ثم أرسله وقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، ثم غطه الثالثة وأرسله فقال له: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ اْلإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ اْلأَكْرَمِ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ اْلإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ). فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف عنه جبريل عليه السلام وهو يقول: يامحمد أنت رسول الله وأنا جبريل. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله يرجف فؤاده مما أدركه من الروع لشدة مقابلة الملك فجأة وشدة الغطّ التي اقتضاها الحال.
ولما رجع عليه الصلاة والسلام إلى أهله، ودخل على زوجه خديجة رضى الله عنها قال: زَمِّلوني زَمِّلوني (أي اطرحوا عليَّ الغطاء ولفوني به - ليذهب عنه الروع)، فلما ذهب عنه الروع أخبر خديجة رضي الله عنها بما كان، فقالت له: أبشر يا ابن عم واثبت، فإنى لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة,والله لا يخزيك الله أبدًا، ثم هذا اليمين استدلت عليه بدلائل، قالت: إنك لتعين على نوائب الحق وتحمل الكل وتُقري الضيف، وأخذت تُعدد ما تراه وما تُشاهده من زوجها صلوات الله وسلامه عليه، وأنه أهلٌ للنبوة عليه الصلاة والسلام فلم تُفاجأ أنه سيُنبأ لما علمت رضي الله عنها وأرضاها وهي تعاشره وتخالطه ويأوي إليها من عظيم صفاتها وجليل مناقبه التي فطره الله جلّ وعلا عليها قبل أن يُنبأ،فأصبحت خديجة أول هذه الأمة إيمانًا برسولنا صلى الله عليه وسلم.
ثم ذهبت خديجة مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان شيخا كبيرا يعرف الإِنجيل وأخبار الرسل، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رآه، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى، أي أن هذا الملك الذي جاءك هو الناموس؛ أى صاحب سر الوحي الذي نزله الله تعالى على نبيه موسى عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يعرف من الكتب القديمة وأخبارها أن جبريل هو رسول الله إلى أنبيائه.
ثم تمنى ورقة أن لو كان شابا يقدر على نصرة النبي صلى الله عليه وسلم عند ظهوره بأمر الرسالة ومعاداة قومه له؛ لأنه يعرف من أخبار الرسل أن قومهم يعادونهم في مبدإ أمرهم، ثم توفي ورقة بعد ذلك بزمن قريب.

سماء 111
23/07/2007, 07:41 PM
فترة الوحي وعودته


بعد هذه الحادثة فتر الوحي وانقطع مدة لا تقل عن أربعين يوما، اشتدّ فيها شوق النبي صلى الله عليه وسلم إلى الوحي وشقّ عليه تأخره عنه، وخاف من انقطاع هذه النعمة الكبرى: نعمة رسالته عليه الصلاة والسلام بين الله عز وجل وبين عباده ليهديهم إلى صراطه المستقيم.
فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يمشى في أفنية مكة إذ سمع صوتا من السماء، فرفع بصره فإذا الملك الذي جاءه بغار حراء وهو جبريل عليه السلام، فعاد إليه الرعب الذي لحقه في بدء الوحي فرجع إلى أهله وقال: دَثِّرونى دَثِّرونى (التدثير بمعنى: التزميل السابق بيانه).
فأوحى الله تعالى إليه:
يـَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرْ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ* وَلاَتَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ* وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ.فأنذر: حذر الناس من عذاب الله إذا لم يفردوه بالعبادة. فكبر: أي عظِّمْ ربك وخُصَّه بالتعظيم والإجلال. فطهر: أي حافظ على الطهارة والنظافة من الأقذار والأنجاس. والرجز فاهجر: أي اترك المآثم والذنوب. ولا تمنن تستكثر: أي لا تتبع عطاياك وهباتك بالطمع في أخذ الزيادة ممن تعطيه. ولربك فاصبر: أي اصبر على ما يلحقك من الأذى في سبيل الدعوة إلى الإسلام ابتغاء وجه ربك.
فكان ذلك مبدأ الأمر له صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الإسلام وبعد ذلك تتابع الوحي ولم ينقطع.

كـيفـية الــوحــي

للوحي طرق متنوعة وقد عرفت أن من مبادئه الرؤيا الصادقة، فرؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي من قبيل الوحي.
ومن طرق الوحي أن يأتي الملك إلى النبي متمثلا بصورة رجل، فيخاطب النبي حتى يأخذ عنه ما يقوله له ويوحي به إليه، وفي هذه الحالة لا مانع من أن يراه الناس أيضا، كما حصل في كثير من أحوال الوحي لنبينا عليه الصلاة والسلام.
ومن طرق الوحي أيضاً أن يأتي الملك في صورته الأصلية التي خلقه الله تعالى عليها، ويراه النبي كذلك فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، ولم يحصل هذا لنبينا عليه الصلاة والسلام إلا قليلا.
ومن طرق الوحي أيضاً أن يلقى الملك في روع (أي ذهن) النبي وقلبه ما يوحي به الله إليه، من غير أن يرى له صورة، وقد حصلت هذه الكيفية أيضاً لنبينا صلى الله عليه وسلم.
وأحيانا كان يأتي الملك مخاطباً للنبي بصوت وكلام مثل صلصلة الجرس (أي صوته)، وهذه الحالة من أشد أحوال الوحي على النبي، فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم عندما يأتيه الوحي بهذه الكيفية يعرق حتى يسيل العرق من جبينه في اليوم الشديد البرد، وإذا أتاه وهو راكب تبرك به ناقته.
وقد يكون الوحي بكلام الله تعالى للنبي بدون واسطة الملك، بل من وراء حجاب، كما حصل ليلة الإسراء لنبينا صلى الله عليه وسلم.

سماء 111
23/07/2007, 07:47 PM
الدعوة إلى الإسلام سرا


على إثر عودة الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد فترته، قام عليه الصلاة والسلام بأمر الدعوة إلى ما أمره الله تعالى به من إرشاد الثقلين: الإنس والجن جميعا إلى توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة دون سواه من الأصنام والمخلوقات، وأرشد الله تعالى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أن يبدأ بالدعوة سراَّ؛ فكان يدعو إلى الإسلام من يطمئن إليه ويثق به من أهله وعشيرته الأقربين ومن يليهم من قومه، واستمر على ذلك ثلاث سنين مثابراً على الدعوة إلى الله تعالى خفية، حتى آمن به أفراد قلائل كانوا يقيمون صلاتهم ويؤدون ما أمروا به من شعائر الدين، مستخفين عمن سواهم لا يظهرون بذلك في مجامع قريش؛ بل كان الواحد منهم يختفي بعبادته عن أهله وولده.
ولما بلغ عددهم نحو الثلاثين، وكان من اللازم اجتماعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم لإرشادهم وتعليمهم، اختار لهم عليه الصلاة والسلام داراً فسيحة لأحدهم، وهي دار الأرقم بن الأرقم، فكانوا يجتمعون فيها، واستمروا على ذلك يزيد عددهم قليلا قليلا حتى أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة.

الباعث على الإسرار بالدعوة
في أول ما نزل الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم- في أواخر شهر رمضان من السنة المتممة للأربعين من عمره الشريف بغار حراء الذي كان يتعبد فيه- لم يؤمر آنذاك بتبليغ الرسالة للناس، بل كان الأمر في ذلك قاصرا على إبلاغه رسالة ربه إليه، وتمجيده جلّ وعلا بما جاء في سورة (اقرأ باسم ربك)، وبعد أن فتر الوحي مدة عاد بأمر الله تعالى له بأن يقوم بتبليغ رسالة ربه.
ولما كان أهل مكة الذين بُعِثَ فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما جفاة متخلقين بأخلاق تغلب عليها العزة والأنفة، وفيهم سدنة الكعبة، أي خدمها وهم القابضون على مفاتيحها، والقوَّام على الأوثان والأصنام، التي كانت مقدسة عند سائر العرب: يعبدونها ويتقربون إليها بالذبائح والهدايا، ولا يعرفون ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا ينقادون إليه بسهولة، كان من حكمة الله تعالى تلقاء ذلك أن تكون الدعوة إلى دين الإسلام في مبدأ أمرها سرية؛ لئلا يفاجئوا بما يهيجهم وينفرون منه ويكون سبباً لشنّ الغارات والحروب وإهراق الدماء.
والداعي صلوات الله عليه وسلامه لم يكن له إذ ذاك ناصر ولا معين من خَلْق الله. ومن سنة الله تعالى في خلقه ربط الأسباب بالمسببات، فلم يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة من قبل أن يهيئ له أسباب النصر والفوز على من يقاومه في ذلك، خصوصاً أن قومه الذين بُعث فيها بينهم كانوا أشد الناس تمسكا بمعبوداتهم وحرصاً على ما كان عليه آباؤهم.
ومن المعلوم أن من الناس من هو عظيم في قومه رفيع الدرجة فيما بينهم، ومنهم من هو دون ذلك، فالعظماء من الناس تمنعهم أنفتهم من إجابة الداعي لهم إلى مفارقة ما عليه جماعتهم، ونبذ ما بينهم من الروابط القومية والعادات المتأصلة، إذ كل فرد منهم يرى أن انفراده بالرضوخ للغير ينقصه في نظر قومه. فإذا فوجئ هؤلاء الأعاظم بإعلان الدعوة إلى غير ما كانوا عليه؛ ظهروا بمظهر المنكر المعاند وقاوموا الدعوة بجملتهم. وغير الأعاظم هم تبع العظماء والرؤساء؛ فإذا دعوا إلى مخالفة ما عليه أولئك العظماء جهارا لم يجسروا على إجابة الداعى متى لم يسبقهم إلى ذلك إفراد من العظماء.
فإعلان الدعوة يحتاج إلى مقدمة يستأنس بها الفريقان، وما ذلك إلا باجتذاب أفراد من هؤلاء وهؤلاء خفية؛ حتى إذا تكونت منهم جماعة وأعلنت بهم الدعوة؛ سهل على غيرهم أن ينبذوا تقاليد قومهم، ويتبعوا ما يدعوهم إليه الداعي مما تنشرح له صدورهم ولا تأباه فطرهم.

سماء 111
23/07/2007, 08:14 PM
أول من أسلـــــم

كان أول من سطع عليه نور الإسلام من مبدأ الدعوة إليه خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأسبقية إسلام السيدة خديجة على الجميع تكاد تكون بالاتفاق، والمشهور أن سيدنا أبا بكر الصديق أسبق الرجال إسلاما، وأن على بن أبي طالب أول الصبيان إسلاما، وأن زيد بن حارثة أول الموالى إسلاما.
ثم أسلم ابن عمه على بن أبي طالب وعمره إذ ذاك عشر سنين؛ وكان مقيما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا حضرت الصلاة خرج به النبي صلى الله عليه وسلم إلى شعاب مكة مختفيين فيصليان ويعودان كذلك، وقد اطلع عليهمـا أبو طالب وهما يصليان مرة، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخى، ما هذا الدين الذي أراك تدين به. قال: أىْ عم، هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم؛ بعثنى الله به رسولا إلى العباد، وأنت ياعم أحق من بذلت له النصيحة ودَعَوْته إلى الهدى، وأحق من أجابني وأعانني عليه. فقال أبو طالب: يا ابن أخي، إنى لا أستطيع أن افارق دين آبائي. ولكنه مع ذلك أقر ولده عليًّا على اتباع هذا الدين ووعد النبي صلى الله عليه وسلم بأن ينصره ويدفع عنه السوء.
وقد أسلم بعد ذلك زيد بن حارثة مولى النبي صلى الله عليه وسلم، الذي تبناه بعد أن أعتقه وزوجه أم أيمن حاضنته صلى الله عليه وسلم، وقد كانت من السابقين إلى الإسلام.
وأبو بكر الصديق رضى الله عنه وكان صديقاً للنبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة يعرف صدقه، فعندما أخبره برسالة الله أسرع بالتصديق، وقال: بأبي أنت وأمى أهل الصدق أنت، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه: ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر. وكان رضى الله عنه عظيما في قومه يثقون برأيه، فدعا إلى الإسلام من توسم فيهم الإجابة، فأجابه عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد ابن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأتى بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا. ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن الجراح، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وسعيد بن زيد العدوى، وأبو سلمة المخزومى، وخالد ابن سعيد بن العاص، وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبيد الله، والأرقم بن الأرقم. وكل هؤلاء من بطون قريش.
ومن غيرهم صهيب الرومي، وعمار بن ياسر، وأبو ذر الغفارى، وعبد الله بن مسعود وغيرهم.
وقد استمرت هذه الدعوة السرية ثلاث سنين، أسلم فيها جماعة لهم شأن في قريش وتبعهم غيرهم، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به الناس، فجاء وقت الجهر بالدعوة.


مبدأ الجهـــــر بالدعـــــوة

6بعد أن مضى على الإسرار بالدعوة ثلاث سنين كثر دخول الناس في دين الإسلام من أشراف القوم ومواليهم: رجالهم ونسائهم، وفشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به الناس، فأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة وأنزل عليه: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرْ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) فبادر بامتثال أمر ربه؛ وأعلن لقومه الدعوة إلى دين الله تعالى؛ وصعد على الصفا ونادى بطون قريش.
فلما اجتمعوا قال لهم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيّ. قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبا، فقال: فإني نذير لكم بين يدى عذاب شديد. فقام أبو لهب من بينهم وقال: تبا لك ألهذا جمعتنا، فأنزل الله تعالى في شأنه: (تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ وَتَبَّ* مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ* سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ* وَامْرَأَتُهُ حَمَّاَلةَ الْحَطَبِ* في جِيدِها حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ)، وقد كانت امرأة أبي لهب تمشى بالنميمة في نوادي النساء وتتقول الأكاذيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتشعل بذلك نار الفتنة، ثم أنزل الله تعالى عليه: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اْلأَقْرَبِينَ)، فجمع من بني عبد مناف نحو الأربعين وقال لهم: ما أعلم إنسانا جاء قومه بأفضل مما جئتكم به؛ قد جئتكم بخيرى الدنيا والآخرة، وقد أمرنى الله أن أدعوكم إليه، والله لو كَذَبْتُ الناسَ جميعاً ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إنى لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة. والله لتموتن كما تنامون؛ ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءاً. إنها لجنة أبدا أو لنار أبدا. فتكلم القوم كلاما لينا، وقام أبو لهب وقال: شدَّ ما سحركم صاحبكم، خذوا على يديه قبل أن تجتمع عليه العرب. فمانعه في ذلك أبو طالب وتفرق الجمع.



تذمر قريش من تسفيههم وعيب آلهتهم

لما استمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في إعلان الدعوة إلى الله وتوحيده لم يجد من قومه في مبدإ الأمر مقاومة ولا أذى، غير أنهم كانوا ينكرون عليه فيما بينهم فيقولون إذا مر عليهم: "هذا ابن أبي كبشة يكلم من السماء، هذا غلام عبد المطلب يكلم من السماء". ولا يزيدون على ذلك، وأبو كبشة كنية لزوج حليمة السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم، وكما أن المرضعة بمنزلة الأم كذلك صاحب اللبن بمنزلة الأب. وكانوا يريدون بذلك تنقيص النبي صلى الله عليه وسلم عنادا واستكباراً.
ولكن لما استتبع إعلان الدعوة عيب معبوداتهم الباطلة، وتسفيه عقول من يعبدونها، نفروا منه وأظهروا له العداوة غيرة على تلك الآلهة التي يعبدونها كما كان يعبدها آباؤهم، فذهب جماعة منهم إلى عمه أبي طالب وطلبوا أن يمنعه عن عيب آلهتهم وتضليل آبائهم وتسفيه عقولهم أو يتنازل عن حمايته، فردهم أبو طالب رداً جميلا.
واستمر رسول الله عليه وسلم يصدع بأمر الله تعالى، وينشر دعوته، ويحذر الناس من عبادة الأوثان، ولما لم يطيقوا الصبر على هذا الحال عادوا إلى أبي طالب وقالوا له: إنا قد طلبنا منك أن تنهي ابن أخيك فلم ينته عنا، وإنا لا نصبر على هذا الحال من تسفيه عقولنا وعيب آلهتنا وتضليل آبائنا، فإما أن تكفه أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، فعظم الأمر على أبي طالب، ولم ترق لديه عداوة قومه ولا خذلان ابن أخيه، وكلم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: والله ياعم لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يسارى على أن أترك هذا الأمر ما فعلت حتى يظهره الله أو أهلك دونه. فقال أبو طالب: اذهب فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا.
ثم رأى أبو طالب أن يجمع بني هاشم وبني المطلب ليكونوا معه على حماية ابن أخيه؛ فأجابوه لذلك إلا أبا لهب فإنه فارقهم وانضم إلى بقية كفار قريش.
ولما رأت قريش تصميم أبي طالب على نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفاق بني هاشم وبني المطلب معه في ذلك؛ وكان وقت الحج قد قرب وخافوا من تأثير دعوته في أنفس العرب الوافدين لزيارة الكعبة فتزداد قوته وتنتشر دعوته؛ اجتمعوا وتداولوا فيما يصنعون في مقاومة ذلك، فقال قائل منهم: نقول كاهن، فقيل: ما هو بكاهن وما هو بحالة الكهان، فقيل: نقول مجنون، فقيل: ما هو بمجنون. لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما حالته كحالة المجانين، فقيل: نقول هو شاعر، فقيل: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر بأنواعه فما هو بالشعر، فقيل: نقول ساحر، فقيل: لقد رأينا السحرة فما حالته كحالتهم.
ثم اتفقوا على أن يذيعوا بين الوافدين إلى مكة من العرب أنه ساحر جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه؛ وبين المرء وأخيه؛ وبين المرء وزوجه؛ وبين المرء وعشيرته، وصاروا يجلسون بالطرق حين جاء موسم الحج، فلا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا له أمره.
ولقد كان ذلك سبباً في شيوع دعوته صلى الله عليه وسلم وذكر اسمه في بلاد العرب كلها.

سماء 111
23/07/2007, 08:27 PM
حقيقة الإسراء والمعراج


الإسراء:


(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) سورة الإسراء

*تتحدث هذه الآية الكريمة -بإجماع الآراء- عن موضوع الإسراء المحمدي العظيم. ولكن مسألة الإسراء في حد ذاتها تعتبر إحدى المعضلات التي اختلف المفسرون القدامى والمحدَثون حولها، وذلك لكثرة الأحاديث والروايات وتضارب الآراء حولها. ولقد جرت عادة غالب المسلمين أن يجمعوا بين واقعة إسراء الرسول وواقعة عروجه صلى الله عليه وسلم اعتماداً على بعض روايات جمعت بينهما. والحقيقة تحتاج إلى تدبر حتى تنكشف للعقول.
.حُفّت سورة الإسراء كلها بالتسبيح والتحميد قبلها وبعدها ولعلّ في هذا إشارة إلى أنه سينُقل إلى مكان وعالَم كله تسبيح.

سورتي النحل (أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) وسورة الكهف (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا )، وآياتها حُفّت بالتسبيح والتحميد في بدايتها بالآية 1 وفي آخرها (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ) آية 111. وقد سُبقت السورة بالمعيّة في أواخر سورة النحل (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ) آية 128
ومن أعلى أنواع المعيّة أن يُعرج به إلى حيث من يُحبه بعدما لاقى من الأذى ما لاقاه من قومه وهذه أعلى معيّة للرسول وكأنه هو أعلى من الذين اتقوا والذين هم محسنون.

بداية السورة:
سبحان: كما هو معروف لغوياً سبحان هي إما إسم مصدر أو عَلَمٌ على التسبيح.
سبحان الذي أسرى: المجيء بالمصدر يفيد الإطلاق بدون تقيّد بزمن أو بفعل أو بفاعل تسبيح مطلق قبل تسبيح أحد لا بفاعل معين ولا بزمن معين قبل خَلق المسبّحين أصلاّ. والإفتتاح بسبحان طبع السورة بجو التسبيح وشاع فيه ذكر التسبيح
(سبحانه وتعالى عمّا يقولون علواً كبيرا) (تسبح له السموات السبع والأرض) (وإن من شيء إلا يسبح بحمده)
وهي أوسع وأشمل توسيع على الإطلاق.
الفعل عادة مقيّد بزمن ومقيّد بفاعل فعندما قال تعالى(سبحان الذي أسرى)كان مطلقاً قبل وبعد تسبيح المسبّحين لا بفاعل معين وزمن معيّن إنما له التسبيح المطلق قبل أن يخلق المسبحين أصلاً. فالإطلاق في التسبيح في السورة متناسب جداً مع ما جاء في أول السورة (سبحان الذي) وهو التسبيح المطلق. وليس هناك في القرآن كله سورة شاع فيها التسبيح كما شاع في سورة الإسراء ولا توجد سورة تضاهيها في التسبيح ولعلها إشارة إلى أن الرسول سينتقل إلى عالم وجو مليء بالتسبيح (الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون) فالسورة إذن مشحونة بالتسبيح. وأسرى تفيد المشي ليلاً وقد يكون من معانيها التسرية عن الرسول بعدما لاقاه في عام الحزن وما حصل له في الطائف فأراد الله تعالى أن يُسرّي عن رسوله ويريه كيف تكون حفاوته في السماء بعد أن هان على الكفّار في قريش والطائف فآذوه ولم ينصروه هذا والله أعلم.
بعبده: لم يقل برسوله ولا بمحمد وإنما قال بعبده. الإختيار لكلمة (بعبده) له جملة معاني أولها: أن الإنسان مهما عظُم لا يعدو أن يكون عبداً لله تعالى لا ينبغي لأحد أن يدّعي مقاماً ليس للآخرين وحتى لا يًعظّم أكثر مما ينبغي (كما فعل النصارى بعيسى) فاختيار كلمة عبد حتى لا يُدعى له مقام غير مقام العبودية. فمقام العبودية لله هو أعلى مقام للخلق وأعلى وسام يُنعم الله تعالى به على عباده الصالحين تماماً كما وصفت الآيات نوح (إنه كان عبداً شكورا) وأيوب (نعم العبد إنه أوّاب) والرسول (وإنه لمّا قام عبد الله يدعوه). والعبودية نوعان: قسرية واختيارية، فالعبودية القسرية تتحقق شاء أم أبى (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا) سورة مريم أما العبودية الإختيارية فهي أعلى مقام العبودية ولمّا ذُكر موسى ذكره الله تعالى باسمه وأعلى مقام لموسى كان في المناجاة (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه) إلى قوله (خرّموسى صعقا) لم يكن ليقل خرّ عبدنا موسى أو جاء عبدنا موسى فلا يجوز أن ينسب العبودية له ثم يخرّ صعقاً هذا لا يحدث ولا يجوز أصلاً، أما الرسول عندما ذكر بصورة العبودية أعقبها أنه عُرِج به إلى السماء وإلى سدرة المنتهى وخاطبه ربه بمقام لم يصل إليه أحد إلاّ هو فلذا كان استعمال كلمة (بعبده) دلالة على زيادة التشريف له والباء أيضاً إضافة تشريف وهي تدلّ على الرعاية والحفظ مثل قوله تعالى (فأوحى إلى عبده).
ليلاً: كلمة أسرى معناها ليلاً لأن الإسراء لا يكون إلا ليلاً (ظرف مركّب) حتى نفهم أن الرحلة الطويلة من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى والعروج إلى السماء كانت كلها في جزء من الليل وقد جاءت كلمة (ليلاً) بدل الليل لأن الليل تدل على الليل كله أما الإسراء فقد تم في جزء من الليل فقط وليس الليل كله.
من المسجد الحرام: أي من عين المكان ويكفي تسمية المسجد الحرام يعني أن لا يحدث فيه سوء. أكثر العلماء يقولون أن الإسراء لم يتم من المسجد الحرام وإنما من بيت أم هانئ وفي هذا التفاتة إلى أن مكة كلها حرم.

سماء 111
23/07/2007, 08:33 PM
المسجد الأقصى: لم يكن آنذاك مسجداً لكن هذا إشارة إلى أنه سيكون مسجداً.
باركنا حوله:أسند تعالى المباركة لنفسه للدلالة على التعظيم ولم يقل بورك حوله والنون للعظمة لم يقل باركناه بل قال باركنا حوله لآنه لو قال باركناه لانحصرت المباركة بالمسجد فقط أما باركنا حوله فهو يشمل كل ما حوله وهو تعظيم للمسجد نفسه ولكنه إشارة أن المباركة حول المسجد أيضاً. ولم يقل باركنا ما حوله لأنها عندئذ تعني الأشياء فإذا زادت الأشياء زادت المباركة وإذا ذهبت ذهبت المباركة لكن المباركة كانت مطلقة تشمل أشياء معنوية وماديّة وروحانية بما أودع الله تعالى من رزق وخير وإرسال الرسل ولا تختص المباركة بشيء معين واحد وإنما تشمل كل هذه الأشياء.
لنريه: إلتفات لأسلوب المتكلم بعد أن ابتدأ بالغائب (سبحان الذي أسرى) إلتفت سبحانه للمتكلم ليدلّ على أن المتكلّم هو الله تعالى وليس شخصاً يُخبر عنه إنما كان من الله تعالى مباشرة. وكلمة (لنُريه) تدلّ على أن أفعاله سبحانه معلّلة ولغرض معيّن ولحكمة قد يذكرها وقد يخفيها عنّا سبحانه وكأن هذه الرحلة معدّ لها.
من آياتنا:أي مقرر ومُعدّ أن يرى بعض الآيات وليس كلها ولنريه: إسناد الفعل لله تعالى وشدة احتفائه برسوله ولم يقل ليرى أو ليُرى إنما جاءت (لنُريه) وهذا إكرام وتشريف آخر من الله تعالى لرسوله في هذا الرحلة. وإضافة الآيات إلى نفسه تعالى تأتي من باب الإحتفاء بالرسول .
إنه هو السميع البصير:عودة إلى الإفراد والوحدانية. ضمير التعظيم يأتي بعد أو قبل ضمير الوحدة في القرآن الكريم وهذا حتى لا يلتبس على السامع ويُشرك مع الله أحدا والأمثلة على ذاك كثيرة في القرآن الكريم تماما كما في سورة الكوثر (إنا أعطيناك الكوثر* فصلّ لربك وانحر) إنا تفيد التعظيم والكاف تفيد الوحدانية لأن الربّ واحد لا شريك له. وهي تدل على أنه سبحانه في الحقيقة هو المتفرّد بهذه الصفات ولقصر الصفات له سبحانه جاء بالضمير (هو) .

لماذا خُتمت الآية بـ (السميع البصير)؟ ما دلالة السمع والبصر هنا؟ سياق الآيات تقتضي ذكر قدرة الله تعالى الحقيقة أنه لو قال إنه هو القدير أو إنه على كل شيء قدير لا يزيد شيئاً على معنى الآية لأن ما في الآيات اثبات لقدرة الله تعالى والرسول أُسري به ليسمع ويرى أشياء لم يسمعها ولم يرها من قبل لذلك ناسب سياق الآيات أنه ما يراه الرسول يراه ربّه وما يسمعه يسمعه ربّه لذلك إنه هو السميع البصير.
فلماذا لم تأتي الآيات (السميع العليم) مثلاً كما وردت في آيات أخرى في القرآن؟ الذي يسمع ويرى هو عليم ولكن إذا قيل عليم قد يكون غائب عنك فالعليم ليس فيه حضور أما السميع البصير ففيه حضور. ولقد وردت (السميع العليم) في آيات أخرى لأن المقام في تلك الآيات اقتضى ذلك (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سورة الأعراف آية 200 عندما ذكر نزغات الشيطان، والشيطان لا يُرى ووساوسه لا تُرى كذلك لذلك جاءت الآية (سميع عليم). أما عند ذكر البشر في آية أخرى تأتي ختام الآية بـ (السميع البصير) (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) سورة غافر آية 56.

لماذا قدم السمع على البصر؟
1. لأن من يسمعك أقرب ممن يراك فالشخص الذي تسمعه أنت أقرب إليك من الذي تراه وهذا يُشعر بالطمأنينة والأمن والقرب.
2. السمع هو أهمّ من البصر في مجال الدعوة فاقد البصر يمكن أن يبلّغ في مجال الدعوة أما فاقد السمع فيصعب تبليغه.
3. الإسراء في الليل والليل آيته السمع. وفي القرآن عندما يأتي ذكر الليل تأتي الآيات بـ (أفلا يسمعون) وعند ذكر النهار تأتي (أفلا تبصرون) فكلّ آية تناسب وقتها فالليل للسمع والنهار للإبصار.
4. قُدّم السمع على البصر في القرآن إلا في مواطن قليلة منها في سورة الكهف (أبصر به وأسمع) لأن السياق يقتضي ذلك، فقد خرج أهل الكهف فارّين حتى لا يراهم أحد لكن الله تعالى يراهم في ظلمة الكهف وفي تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال. وفي سورة السجدة (ربنا أبصرنا وسمعنا) قدّم البصر هنا لأنهم كانوا يسمعون في الدنيا ويكذبون في الآخرة وأبصروا العذاب والحقيقة وقولهم يعني انهم موقنون واليقين لا يتأتى إلا بالإبصار وليس بالسمع (عين اليقين) لأنهم رأوا العذاب عين اليقين.
لفتة: وردت كلمة سميع والسميع في القرآن الكريم 46 مرة ووردت كذلك كلمة بصير والبصير 46 مرة.

خلاصة:
1-أن الحياة والقدرة والسمع والبصر والحكمة وصفة الخلق كلها صفات وردت في هذه الآية ثم ذكر الكمال في هذه الصفات بكلمة واحدة هي (سبحانك) فالفرد قد يكون سميعا وبصيرا وذا قدرة ولكن قد يكون أحمقا أما كلمة سبحانك فجاءت نفياً وتنزيهاً لله تعالى عمّا يصفه أهل الجاهلية.
2. ارتباط أوّل السورة بآخرها فقد بدأت بالتسبيح وختمت بالتحميد. نعمة الإسراء نعمة عظيمة جليلة فجاء في ختام السورة قوله تعالى (وقل الحمد لله) حمداً لله على نعمة الإسراء.
3. ختمت السورة بالباقيات الصالحات (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ) وبعد هذه الآية تبدأ سورة الكهف استجابة لهذا القول (قل الحمد لله) فافتتحت سورة الكهف بالآية (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا) وفي قوله في سورة الكهف في آية 4 (وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) رد على آخر سورة الإسراء أنه سبحانه ليس له شريك في الملك.

nawwal
23/07/2007, 08:35 PM
جزاك الله خير الجزاء اختي امة الله نجية على الموضوع المتميز فعلا

في ميزان حسناتك

تقبلي مروري اختي الطيبة

سماء 111
23/07/2007, 08:41 PM
المعراج:



وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى *القسم :
والنجم إذا هوى: في بداية السورة وعلاقته بما قبله (سورة الطور): سبقت سورة النجم التسبيح في خواتيم سورة الطور (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ) فجاء ذكر النجوم والقسم هو بالنجم في هذه السورة. هوى: معناه غرَب ومعناه سقط فإذا كان المعنى الأول في خواتيم سورة الطور (ادبار النجوم) أي غروبها فهي إذن مرتبطة بالتسبيح ومرتبطة بادبار النجوم فأصبح هناك تناسق بين ادبار النجوم والنحم إذا هوى.

ثم ناسب افتتاح السورة خاتمتها (فاسجدوا لله واعبدوا) أولاً لأن السجود هو أهم ركن من أركان الصلاة والصلاة فُرِضت في المعراج وهذه السورة بداية رحلة المعراج وختم السورة بما فُرِض في المعراج.
ومن ناحية أخرى إذا كان هوى بمعنى سقط والسقوط هوي إلى الأرض فهي مناسبة للحركة لأن السجود هوي إلى الأرض وكأنما النجم هوى ليسجد لله تعالى والسجود أقرب ما يكون إلى الله تعالى لذا اختار سبحانه أقرب حالة إليه في أقرب معيّة وهي العروج بالرسول إلى سدرة المنتهى (أقرب ما يكون العبد لربه وهو ساجد) أقرب حالة من الله لأقرب رحلة إلى الله تعالى.

ما ضلّ صاحبكم وما غوى: نفي شيئين الضلالة والغواية. وهناك فرق بين الضلالة والغواية فالضلالة قد تكون عن قصد أو عن غير قصد (فأضلّه الله على علم) (الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)
أما الغواية فهي عن قصد وهو الإمعان في الضلال. والضلال عام نقول ضلّت الدابة ولا نقول غوت الدابّة والغواية هي للمكلّف. والضلال نقيض الهدى والغواية نقيض الرشد (يُضلّ من يشاء ويهدي من يشاء) (وأضلّ فرعون قومه وما هدى) (وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغيّ يتخذوه سبيلا) (قد تبيّن الرشد من الغيّ) .

سماء 111
23/07/2007, 08:50 PM
ما ضل صاحبكم وما غوى: نفى الله تعالى عن رسوله الأمرين الضلالة والغواية وقد ذكر كلمة(صاحبكم) ولم يقل اسمه وقد وردت صاحبكم في ثلاث مواضع في القرآن الكريم: إما لنفي الضلال وإما لنفي الجنون (ما بصاحبكم من جِنّة، وما صاحبكم بمجنون، ماضل صاحبكم ) وهذا لأن فيها معنى الصحبة فقد لبث الرسول فيهم عمراً طويلاً وخالطهم وعاشرهم وعرفوا صدقه وأمانته ولا يكذّبونه فهو صاحبهم فكيف يمكن لهم أن يتهموه بالضلال؟ وقد وردت كلمة صاحبكم دائماً لنفي الجنون والغواية وهذا فيه معنى الصحبة أيضاً

ولو لاحظنا القسم في بداية السورة هو دلالة على الهوي والسقوط، والضلال والغيّ هما سقوط في السلوك ودائماً يأتي في القرآن الضلال مع الحرف (في) (في ضلال مبين) وهذا دليل على السقوط أما عند ذكر الهداية فيأتي بالحرف (على) لأن الهدى تفيد الإستعلاء وهو متمكن من وقع قدمه وقادر أن يرى حتى الهمزة تفيد السقوط تأتي مع (في) الظرفية دلالة على السقوط (وإنا أوإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) والنجم إذا ضلّ مساره سقط.

تكرار ما في قوله تعالى (ما ضلّ صاحبكم وما غوى): وهذا حتى لا يُتصوّر أنه نفى الجمع بينهما فقط وإنما نفى الجمع بينهما والإفراد. ما ضلّ صاحبكم وما غوى تعني نفي الضلالة والغواية معاً أو كل منهما على حدة. أما القول ما ضلّ صاحبكم وغوى فهي تفيد النفي بالجمع بين الصفتين. وهذا من باب الإحتياط للمعنى نفاهما على سبيل الجمع والإفراد ومعناه أنه اهتدى ورشد فهو مهتد رشيد. إذن لماذا لم يقل (هدى ورشد) بدل ما ضلّ وما غوى؟ لو قال اهتدى قد يكون في وقت من الماضي او لفترة زمنية محددة قد تفيد أنه قد يكون قبل الهداية ضالاً لكنه مهتد رشيد لم يسبق له ضلالة (ما ضلّ صاحبكم وما غوى) تفيد أنه مهتد رشيد لم يسبق له ضلالة في أي وقت وزمن كان.

وما ينطق عن الهوى: أولاً نفى الفعلين السابقين بالماضي (ما ضلّ وما غوى) وهنا نفي بالمضارع يفيد الإستمرار والحاضر فلو قال (ما نطق عن الهوى) لاحتمل المعنى أنه نفى عنه الهوى في الماضي فقط ولم ينفه عنه فيما يستقبل من نُطقه. فقد نفى تعالى عن رسوله الضلال والغواية في الماضي كله ونفى عنه الهوى في النطق في الحاضر والمستقبل فهو إذن منفيّ عنه الضلال والغواية في السلوك وفيما مضى وفي المستقبل.

ما دلالة الحرف عن في قوله (وما ينطق عن الهوى)؟ فالنطق عادة يكون بالباء (كتابنا ينطق بالحقّ) أما هنا فجاءت (عن) ومعناها ما ينطق صادراً عن هوى يعني إن الدافع للنطق ليس من هوى وهو بمنزلة تزكية للنفس القائلة لأن الإنسان قد ينطق بالحق لكن عن هوى (حق أريد به باطل) يعني الدافع هوى (ناطق عن هوى). وهكذا زكّى الله تعالى رسوله بتزكية الدافع للقول فالدافع له زكي صادق ونطقه صادق أيضاً وعليه جاءت الآية (وما ينطق عن الهوى).

إن هو إلا وحي يوحى: (إن) هي أقوى ما في النفي وأقوى من ذلك أن تأتي (إن) و (إلاّ) معاً. مسألة الوحي هي المسألة الأساسية التي بين الإيمان والكفر فجاء سبحانه بأقوى حالات الإثبات لأن الوحي كان سبب المسألة الخلافية بين الكفّار والرسول. والإنسان قد ينطق غير صادق عن هوى لكن ليس بالضرورة أن يكون كلامه كله حقاً وصدقاً حتى ولو كان دافعه دافع إخلاص . فبعد أن زكّى سبحانه الدافع (ما ينطق عن الهوى) ثبّته أنه وحي (إن هو إلا وحي يوحى). واستخدام الضمير (هو) يعود على النطق معناه ما نُطقه إلا وحي يوحى.

علّمه شديد القوى * ذو مِرّة فاستوى: الوحي بالعربية قد يكون إلهاماً مثل الوحي لأم موسى بإلقاءه في اليم، والوحي للنحل، ولشياطين الإنس والجنّ) فأراد سبحانه أن يقطع أي فكرة فقال (علّمه شديد القوى) بمعنى أنه ليس إلهاماً ولكنه وحي علّمه إياه شديد القوى (وعلّمك ما لم تعلم) نسب العلم إلى الله سبحانه أنه هو المُعلّم. وفي ذكر الوحي يجب ذكر المسؤول عن إيصال الوحي وهو جبريل عليه السلام ، فالله تعالى هو المُعلّم الأول عندما ذكر أن كلامه وحي كان من الداعي أن يذكر من علّمه وأوصل العلم إليه. وفعل علّمه تفيد المداومة والتكثير على خلاف أُعلّمه. كل الآيات السابقة مبنية على عدم ذكر اسم الفاعل (ما ضل صاحبكم، ما ينطق، علمه شديد القوى) وذكر وصفين (شديد القوى وذو مِرّة) والمِرّة قد تأتي بمعنى العقل والإحكام والحصانة والإستحكام وتأتي بعهنى القوة أيضاً فلماذا اختار سبحانه هذين الوصفين (شديد القوى وذو مِرّة)؟
هاتان الصفتان فيهما إشارة أن الخروج إلى أقطار السموات يحتاج إلى أمرين هما القوة والعلم والرسول في رحلته في أقطار السموات يحتاج إلى قوة شديدة وإلى إحكام وعقل وهنا أشارة إلى تمكّن جبريل من حفظ الرسول في رحلته فكان قوياً في حفظ الرسول ومحكماً في حفظ الوحي وكل حفظ يحتاج إلى قوة وعقل وإحكام.
وهذه الرحلة (المعراج) في أقطار السموات والأرض أما في سورة الرحمن (إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان) لأن الخروج من أقطار السموات والأرض فيها تحدّي وتحتاج إلى سلطان القوة والعلم.

ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى *
ثم دنا فتدلّى: تحديد مكان الإستواء. أولا استوى تعني اعتل وأستقام وتهيّأ. ينزل جبريل إلى الرسول يتدلّى إليه ويصحبه بعد أن تهيّأ لذلك من الأفق الأعلى (وليس العالي) وهذا حتى يليق بمقام النبوة وهذا فيه ثناء على جبريل أنه استعدّ للأمر قبل أن يأتي ويقوم بمهمته وفيه تكريم للرسوللأن مقام الشخصية يستدعي زيادة التهيأة والإستعداد وحسنه واستعد لذلك من الأفق الأعلى (استعد جبريل للأمر قبل أن ينزل وفيه إشارة إلى عِظم المهمة وعِظم الزائر وهو الرسول

سماء 111
23/07/2007, 08:59 PM
عودا على بدء

هجرته صلى الله عليه وسلم:
لما اشتد على الرسول صلوات الله وسلامه عليه أذى الكفار رأى رؤيا أنه يهاجر في أرضٍ ذات نخل، فجاء في ظنه أنها أرض هجر ـ الأحساء ـ ، ثم استبان له عليه الصلاة والسلام أنها المدينة نخلٌ بين حضرتين، فهاجر إليه عليه الصلاة والسلام.

(هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثي، وهو كافر ولم يعرف له إسلام.وأقام بالمدينة عشر سنين )

**والهجرة قصتها معروفة، لكن الذي يعنينا في الهجرة كدرس أن يُعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم هناك أمورٌ تتعلق بكونه نبيٌ يُقتدى به، وأمور تتعلق بكونه نبيٌ له مقامٌ عظيمٌ عند الله، فما كان يتعلق بكونه نبيٌ له مقامٌ عند الله لا علاقة لنا به من حيث الاقتداء، وما يتعلق بكونه نبيًا يُقتدى به هذا الذي لنا علاقةٌ به، وحتى تتضح الصورة نقول أن الله جلّ وعلا أسرى به في برهةٍ من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به في نفس الليلة إلى السماوات السبع، وعاد به ليلتها، ولأنها رحلةٌ لا يتعلق بها اقتداءٌ جعلها الله جلّ وعلا رحلة خارجة عن نطاق البشر، ولذلك لما يتعلق برفيع مقامه، ولا نؤمر نحن بالعروج. أما الهجرة فتتعلق بكونه نبيٌ يُقتدى به، فلما كان النظر إليه صلى الله عليه وسلم هنا على أنه يُقتدى به في هذا الأمر كانت الرحلة أمرًا بشريًا بحتًا أخذ له صلى الله عليه وسلم الأسباب التي يأخذها البشر عادةً فتخفى، ووارى، وخرج في الجهة التي لا يُعتقد أنه سيخرج إليها، وجعل عليًا مكانه على الفراش، واختفى في الغار ثلاثة أيامًا، وأمر من يمسح آثاره بعد صعوده إلى الجبل، ووُضع له الطعام يُذهب به إليه ولم يمت من الجوع، زادٌ مادي، وزادٌ معنويٌ مع الله، وجلس في الغار ثلاثة أيام، ثم مكث تقريبًا أحد عشر يومًا في الطريق معه دليلٌ كافرٌ يدله على الطريق، ومعه مولًى لأبي بكرٍ يعينه في الطعام والشراب، ومعه صاحبه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهذه كلها أسبابٌ مادية، ولو استغنى عن الأسباب أحدٌ لاستغنى عنها رسولنا صلى الله عليه وسلم.
والناس في هذا الباب على ثلاثة فرقٍ،
- فرقة تترك الأخذ بالأسباب كليةً وتقول: جنونٌ منك أن تسعى لرزقٍ ويُرزق في غياهبه الجنين وهذا باطلٌ لا تدل السنة عليه.
-وفرقةٌ لا تعرف الله أبدًا، وإنما تنظر إلى الماديات، وهو ما تمليه العلمانية المعاصرة.
- وفرقةٌ هداها الله للإيمان وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فتأخذ بالأسباب وتعتمد على الملك الغلاب جل شأنه، وهذا هو هديه صلوات الله وسلامه عليه حتى يقتدي الناس به عليه الصلاة والسلام، هذه هي القضية الأولى.

**القضية الثانية بالهجرة أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كانت الولاة تكتب لعمر فيرد عليها حصل هذا في شعبان، حصل هذا في رمضان، حصل هذا في شوال، فكتبت الولاة الأمراء العمال الذين لعمر كتبوا له إننا لا نفهم منك، أي شوالٍ تقصد؟ أي شعبان، فلو جعلت لنا شيئًا نفيء إليه نؤرخ.
فاجتمع رضي الله عنه الله مع الصحابة واختاروا أن يختاروا حدثًا يُرخون به، فنظروا في ثلاثة أمور، مولد النبي عليه الصلاة والسلام، وهجرته، ووفاته، فأعرضوا عن المولد، وأعرضوا عن الوفاة، واختاروا الهجرة ورأوها أنها يومٌ فرق الله به بين الحق والباطل وأقام به بعده دولة الإسلام، وكان هذا مشورة من عليٍ رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأقره عمر، ثم أجمع المسلمون عليه، وهذا من أعظم الدلائل على عظيم حدث الهجرة في التاريخ الإسلامي.
واستعانة النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أرقيط –على رواية وعبد الله بن أريقد بالدال على رواية، ولا يعنينا هذا الاختلاف- دلالة على أن المؤمن يستعين بما يمكن الاستعانة به إذا احتاج إليه إذا كان المقصود نصرة دين الله تبارك وتعالى.

سماء 111
23/07/2007, 09:04 PM
بعد أن استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وكان بها اليهود من بني قينقاع وقريظة والنضير، أقرهم عليه الصلاة والسلام على دينهم وأموالهم، واشترط لهم وعليهم شروطاً، وكانوا مع ذلك يظهرون العداوة والبغضاء للمسلمين، ويساعدهم جماعة من عرب المدينة كانوا يظهرون الإسلام وهم في الباطن كفار؛ وكانوا يعرفون بالمنافقين، يرأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، وقد قبل صلى الله عليه وسلم من هاتين الفئتين (اليهود والمنافقين) ظواهرهم، فلم يحاربهم ولم يحاربوه بل كان يقاوم الإنكار بالحجج الدامغة والحكم البالغة.
فلم يكن صلى الله عليه وسلم يقاتل أحداً على الدخول في دين الله، بل كان يدعو إليه ويجاهد في سبيله بإقامة ساطع الحجج وقاطع البراهين.

الغزوات – أسبابها ومشروعيتها:
لما كانت قريش أمة معادية للرسول صلى الله عليه وسلم، مقاومة لدعوته، معارضة له فيها، وقد آذته وآذت المسلمين وأخرجتهم من ديارهم، واستولت على ما تركوه بمكة من الأموال، وآذت المستضعفين الذين لم يقدروا على الهجرة مع رسول الله وأصحابه...

أذن الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بقتالهم وقتال كل معتد وصادٍّ عن الدعوة
فأول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك مصادرة تجارة قريش التي كانوا يذهبون بها إلى الشام والتي يجلبونها منه.
وكان بعد ذلك - عندما تدعو الحال لقتال من يقف في وجه الدعوة من قريش أو غيرهم - يخرج إلى القتال بنفسه ومعه المقاتلون من المسلمين، وتارة يبعث مع المقاتلين من يختاره لقيادتهم، وقد سمى المؤرخون ما خرج فيه النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه (غزوة) سواء حارب فيها أم لم يحارب، وسموا ما بعث فيها أحد القواد ...(سرية).


**جملة الغزوات التي خرج للقتال فيها بنفسه صلى الله عليه وسلم: سبع وعشرون غزوة، وجملة السرايا التي بعث فيها القواد ولم يخرج فيها بنفسه: خمس وثلاثون سرية. ولنتكلم على المهم من تلك الغزوات باختصار.

سماء 111
23/07/2007, 09:11 PM
غزوة بدر الكبرى



كان من عادة قريش أن تذهب بتجارتها إلى الشام لتبيع وتشتري فتمر في ذهابها وإيابها بطريق المدينة، ففي شهر جمادى الثانية من السنة الثانية للهجرة بعثت قريش بأعظم تجارة لها إلى الشام في عير كبيرة (وهم يسمون الركب الخارج بالتجارة عيرا) خرج بها أبو سفيان بن حرب في بضعة وثلاثين رجلا من قريش، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم في مائة وخمسين رجلا من المهاجرين فلم يدركهم، وتسمى هذه غزوة (العشيرة)، باسم واد من ناحية بدر.
ولما علم برجوعهم من الشام خرج إليهم في العشر الأوائل من شهر رمضان في ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا من المهاجرين والأنصار، معهم فرسان وسبعون بعيرا، وسار حتى عسكر بالروحاء، وهو موضع على بعد أربعين ميلا في جنوب المدينة.
وكان أبو سفيان حين قرب من الحجاز يسير محترسا، فلما علم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الطريق المسلوكة وسار بساحل البحر، ثم بعث رجلا إلى مكة ليخبر قريشا ويستنفرهم لحفظ أموالهم، فقام منهم تسعمائة وخمسون رجلا فيهم مائة فارس وسبعمائة بعير، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخروج هذا الجمع استشار أصحابه فأشاروا بالإقدام، فارتحل بهم حتى وصل قريبا من وادي بدر، فبلغه أن أبا سفيان قد نجا بالتجارة وأن قريشا وراء الوادي، لأن أبا جهل أشار عليهم بعد أن علموا بنجاة العير ألا يرجعوا حتى يصلوا بدراً فينحروا ويطعموا الطعام ويسقوا الخمور فتسمع بهم العرب فتهابهم أبدا.
فسار جيش المشركين حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي (أي الشاطئ البعيد للوادي)، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه حتى نزلوا بالعدوة الدنيا من الوادي، ولم يكن بها ماء فأرسل الله تعالى الغيث حتى سال الوادي فشرب المسلمون وملئوا أسقيتهم، وتلبدت لهم الأرض حتى سهل المسير فيها، أما الجهة التي كان بها المشركون فإن المطر أوحلها، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه حتى نزل بأقرب ماء من القوم، وأمر ببناء حوض يملأ ماء لجيشه؛ كما أمر بأن يغوّر ما وراءه من الآبار حتى ينقطع أمل المشركين في الشرب من وراء المسلمين، ثم أذن لأصحابه أن يبنوا له عريشاً يأوى إليه، فبني له فوق تل مشرف على ميدان القتال. فلما تراءى الجيشان، وكان ذلك في صبيحة يوم الثلاثاء 17 رمضان من السنة الثانية للهجرة قام النبي صلى الله عليه وسلم بتعديل صفوف جيشه حتى صاروا كأنهم بنيان مرصوص، ونظر لقريش فقال:
(( اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني.))ثم بدأ الهجوم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش يشجع الناس ويقول: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)، وأخذ من الحصباء حفنة رمى بها في وجوه المشركين قائلا: شاهت الوجوه ( أي: قبحت)، ثم قال لأصحابه: شدوا عليهم. فحمى الوطيس (أي: اشتد القتال). وأمد الله تعالى المسلمين بملائكة النصر، فلم تك إلا ساعة حتى انهزم المشركون وولوا الأدبار، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فقتلوا منهم سبعين رجلا وأسروا سبعين، ومن بين القتلى كثيرون من صناديدهم.
ولما انتهت الموقعة أمر عليه الصلاة والسلام بدفن الشهداء من المسلمين، كما أمر بإلقاء قتلى المشركين في قليب بدر، ولم يستشهد من المسلمين سوى أربعة عشر رجلا رضي الله عنهم.
بعد أن انتهي القتال في بدر ودفن الشهداء والقتلى؛ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمع الغنائم فجمعت، وأرسل من يبشر أهل المدينة بالنصر، ثم عاد عليه الصلاة والسلام بالغنائم والأسرى إلى المدينة، فقسم الغنائم بين المجاهدين ومن في حكمهم من المخلَّفين لمصلحة، وحفظ لورثة الشهداء أسهمهم، وأما الأسرى فرأى بعد أن استشار أصحابه فيهم أن يستبقيهم ويقبل الفداء من قريش عمَّن تريد فداءه، فبعثت قريش بالمال لفداء أسراهم، فكان فداء الرجل من ألف درهم الى أربعة آلاف درهم بحسب منزلته فيهم، ومن لم يكن معه فداء وهو يحسن القراءة والكتابة أعطوه عشرة من غلمان المسلمين يعلمهم، فكان ذلك فداءه.
وهذه الغزوة الكبرى التي انتصر فيها المسلمون ذلك الانتصار الباهر، مع قلة عَددهم وعُددهم وكثرة عَدد العدوّ وعُدده، من الأدلة الكبرى على عناية الله تعالى بالمسلمين الصادقي العزيمة الممتلئة قلوبهم طمأنينة بالله تعالى وثقة بما وعدهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الفوز والنصر.ولقد دخل بسببها الرعب في قلوب كافة العرب، فكانت للمسلمين عزاً وهيبة وقوة، والحمد لله رب العالمين.

**الذي يطالع أنباء موقعة بدر، ويستعرض مقدماتها ونتائجها؛ ليحس لها بمنزلة خاصة، ويدرك أن التاريخ أودع في فصولها سرًّا تكتنفه الهيبة، وجعل من أدوار القتال فيها موعظةً خالدةً لا تفتأ تتجدد ذكراها ما بقي في الدنيا قتال بين الحق والباطل، وصراع بين الظلام والنور.

وما ظنك بموقعة يكون مصيرها الفاصل في عبادة الله على هذه الأرض هل ستبقى أم ستفنى؟! ويشعر قائد المعركة بهذه الحقيقة الحاسمة فيلجأ إلى الله مستنجزًا وعده، ولما كان يوم بدر نظر الرسول إلى المشركين وهم نحو الألف، وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، ثم استقبل القبلة، ومد يده وجعل يهتف :"اللهُمَّ آتني ما وعدتني، اللهُمَّ أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تَهلِكَ هذه العصابة من أهل الإسلام فلن تُعبَد في الأرض، وما يزال يهتف بربِّه مادًّا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وحتى نزل الوحي مطمئنًا؛ سيُهزَم الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُر.

وما ظنُّك بموقعة تكون الخصومة فيها في الله، ويكون القتال فيها بدايةً لسلسلة من المعارك، يحتدم النزاع فيها بين الحق والباطل، هذه السلسلة من المعارك التي خاضها المسلمون – من بعد- في فارس والروم لا تحسب الصلة بينها وبين بدر مقطوعة؛ إنها صلة النسب بين الأصل ونتائجه؛ فكان أول سيف شُهِرَ في بدر إيذانًا بابتداء النضال المسلح بين الحق والباطل، كلما انتهت معركة قامت أختها.

سماء 111
23/07/2007, 09:20 PM
غزوة أُحُد



بعد أن مضى على غزوة بدر عام كامل؛ وكانت عير قريش لم تزل موقوفة بدار الندوة؛ اجتمع من بقى من عظمائهم إلى أبي سفيان، واتفقوا على أن يتركوا ربح أموالهم في تلك العير استعداداً لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ربحها نحو خمسين ألف دينار، فاجتمع منهم ثلاثة آلاف رجل ومعهم حلفاؤهم من بني المصطلق وغيرهم، وخرجوا بالقيان والدفوف والخمور، ومعهم هند امرأة أبي سفيان وخمس عشرة امرأة ليشجعنهم ، وساروا حتى وصلوا إلى ذي الحليفة بالقرب من المدينة.
وقد كان العباس بن عبد المطلب بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب يخبره فيه بخروج القوم، فجمع عليه الصلاة والسلام أصحابه وأخبرهم الخبر، واستشارهم في البقاء بالمدينة حتى إذا قدم القوم إليها قاتلوهم، فكان رأى الأكثرين الخروج للقاء العدو، ففي يوم الجمعة لعشر خَلَوْن من شوال في السنة الثالثة للهجرة صلى الجمعة بالناس، وحضّهم في خطبتها على الثبات والصبر، ثم دخل حجرته فلبس درعين وتقلد السيف وألقى الترس وراء ظهره، ولما خرج للناس بعُدَّته هذه قال بعض من أشار بالخروج: نتبع ما عرضته من البقاء، فقال:ما كان لنبي لبس سلاحه أن يضعه حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه.

ثم عقد الألوية واستعرض الجيش وسار بألف رجل حتى منتصف الطريق بين المدينة وجبل أُحُد، وهو جبل في شمال المدينة، فرجع عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين في ثلاثمائة من أصحابه، ثم سار الجيش حتى نزل الشِّعب من أُحُد وجعل ظهره للجبل ووجهه للمدينة؛ وقد نزل المشركون ببطن الوادي بالقرب من أُحُد، فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم الرماة؛ وكانوا خمسين رجلا؛ فجعلهم خلف الجيش على ظهر الجبل، وأمرهم ألاّ يبرحوا مكانهم، ثم عَدَّل الصفوف وخطب في الجيش بالنصائح والمواعظ، ثم خرج رجل من صفوف المشركين فبرز له الزبير بن العوام فقتله؛ وقتل علىُّ بن أبي طالب حاملَ لواء المشركين، واسمه حمزة أرطاة، وخرج من صفوف المشركين عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق يطلب المبارزة فهمَّ أبو بكر أن يبرز إليه، فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم قائلا له: متعنا بنفسك يا أبا بكر.
ثم التقت الصفوف، وجعلت نساء قريش يضربن الدفوف وينشدن الأشعار تهييجاً لرجالهن، فدارت رحا الحرب، وكانت الغلبة للمسلمين، إلا أن الرماة لما رأوا انكشاف المشركين ترك أكثرهم مكانهم الذي أُمروا ألا يتحولوا عنه، وتحولوا إلى العسكر، وخلوا ظهر المسلمين للعدو، واشتغل بعض الجيش بالغنائم، فاختلت الصفوف، فتحولت فرسان المشركين بقيادة خالد بن الوليد وجاءوهم من خلفهم، فأصابوا فيهم، وأُذيع قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأضعف ذلك من عزائم الجيش، وانهزم جماعة من المسلمين، وانكشف مكان النبي صلى الله عليه وسلم للعدو فأصابته الحجارة، ووقع لشقه، فأصيبت رباعيته (السن التي بين الناب والثنية)، وجرح وجهه وشفته، ودخلت حلقتان من المغفر في وجنته، والمغفر هو زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، وقد عالج أبو عبيدة بن الجراح نزع هاتين الحلقتين من وجنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزعهما، وكسرت في ذلك ثنيتاه رضى الله عنه.
وأحاط به الكفار فدافع دونه خمسة من الأنصار، وعاد إليهم فئة من المسلمين حتى أجلوا الكفار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ممن امتاز بالمدافعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت: سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو طلحة الأنصارى الذي نثر كنانته بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو دجانة الذي كان النبل يقع في ظهره وهو منحن على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بعد أن أجلى الكفار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه كعب بن مالك الأنصارى، فشرع ينادى: يا معشر المسلمين أبشروا، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اسكت، ثم سار عليه الصلاة والسلام نحو الشِّعب بين سعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة، ومعه أبو بكر وعمر وعليّ وطلحة والزبير وغيرهم، وجاءت فاطمة الزهراء رضى الله عنها فغسلت عنه الدم وضمدت جروحه، وأقبل أبي بن خلف من المشركين يقول: أين محمد؟ لا نجوتُ إن نجا، فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم بحربة فوقع عن فرسه، وأصيب في عنقه، ومات بسبب ذلك، ولم يقتل بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد غيره، لا في هذه الغزوة ولا في غيرها.
ثم أراد عليه الصلاة والسلام أن يعلو صخرة في الشِّعب لينظر جماعة المشركين فلم يتمكن من القيام بنفسه، فأعانه طلحة بن عبيد الله حتى أصعده على الصخرة، فرأى جماعة المشركين على ظهر الجبل فقال: لا ينبغي لهم أن يعلونا. فأرسل إليهم عمر بن الخطاب في جماعة فأنزلوهم، وقد صعد أبو سفيان ربوة ونادى بأعلى صوته: إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، اعْلُ هُبَل (اسم صنم لهم)، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب أن يجيبه، فأجابه عمر رضي الله عنه بقوله: الله أعلى وأجلّ لاسواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فلما سمع أبو سفيان صوت عمر قال: هلمَّ إلي ياعمر، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه، فقال أبو سيفان: أنشدك الله ياعمر أقتلنا محمدا؟ فقال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن.
ثم نادى أبو سفيان: إن موعدكم بدر العام المقبل، فأجيب من قبل المسلمين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، هو بيننا وبينك موعد، وقد أخلف أبو سفيان موعده فلم يخرج في العام التالي، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد خرج في ذلك العام إلى بدر ولم يلق أحدا، وسميت تلك الغزوة غزوة بدر الأخرى أو الصغرى.
ثم انصرفوا، وتفقد رسول الله صلى الله عليه وسلم القتلى وأمر بدفنهم، وعاد إلى المدينة في منتصف شوال.
وقد بلغ عدد قتلى المسلمين في هذه الغزوة سبعين شهيدا، منهم أربعة من المهاجرين والباقون من الأنصار، وقتل من المشركين اثنان وعشرون.
وجعلت زوجة أبي سفيان ومن معها من النساء يمثلن بالشهداء، فجدعن الآذان والأنوف، واتخذن منها قلائد، وبقرت زوجة أبي سفيان بطن حمزة، ولاكت كبده تشفيا من نكايتهم في غزوة بدر.ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وصوله إلى المدينة بليلة واحدة أن يخرج معه لتعقب العدو كلُّ من حضر هذه الغزوة، فلما شعر أبو سفيان بذلك همَّ أن يعود بالمشركين للقاء المسلمين، فقيل له: إن محمدا قد أقبل في جميع أصحابه، فخاف وانثنى عن عزمه، واستمر راجعا إلى مكة، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه في حمراء الأسد، وهو موضع على ثمانية أميال من المدينة في طريق مكة، أقام هنالك ثلاثة أيام، ثم عاد إلى المدينة بعد أن تأكد من انصراف المشركين إلى مكة.

سماء 111
23/07/2007, 09:26 PM
غزوة الحديبية وصلحها


أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد غزوة الخندق بقية السنة الخامسة للهجرة، وفي السنة السادسة خرج إلى بني لحيان الذين قتلوا عاصم بن ثابت ومن معه، فوجد القوم قد تفرقوا، ثم إلى ذى قَرَد لرد إغارة عيينة بن حصن على لقاحه صلى الله عليه وسلم (واللقاح: جمع لَقْحة، وهي الناقة الحلوب)، ففر العدو بعد مناوشة لم تطل، ثم إلى بني المصطلق لما بلغه أنهم يجمعون له الجموع، فهزمهم وغنم منهم أموالا وسبايا.
ثم خرج صلى الله عليه وسلم في ذى القعدة من تلك السنة إلى مكة يقصد العمرة، وخرج معه من المهاجرين والأنصار ألف وخمسمائة، وساق معه الهدى ليعلم الناس أنه لم يخرج محاربا، وأمر أصحابه ألا يستصحبوا معهم من السلاح إلا السيوف مغمدة في قُرُبها، حتى لايدخلوا المسجد الحرام بسيوف مجردة، فسار عليه الصلاة والسلام بهذا الجمع حتى وصلوا عسفان، وهو موضع على مرحلتين من مكة، فجاءه من أخبره أن قريشاً اتفقت على صد المسلمين عن مكة، وتجهزت للحرب، وأخرجت خالد ابن الوليد في مائتي فارس ليصدوا المسلمين عن التقدم، فسار المسلمون من طريق آخر تملك مكة من أسفلها، حتى وصلوا إلى مهبط الحديبية، وهي بئر بقرب مكة سمى الموضع باسمها، فبركت ناقته صلى الله عليه وسلم، فأمر أصحابه بالنزول، وهناك جاء رسول من قريش يسأِل عن سبب مجيء المسلمين، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بمقصده، فلما رجع إلى قريش لم يثقوا به، فأرسلوا آخر، فلما رأى الهدى وسمع التلبية رجع وقال لقريش: إن القوم جاءوا معتمرين، وما ينبغي أن يُصَدُّوا، وما ينبغي أن تحج لخم وجذام وحمير ويمنع عن البيت ابن عبد المطلب، فلم تسمع قريش لقوله، وبعثوا آخر فرأى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم احترامهم لنبيهم ومحبتهم إياه، فرجع إلى قريش وحدثهم بما رأى وقال : إنى والله ما رأيت ملكا في قومه مثل محمد في أصحابه. فتكلم القوم فيما بينهم، وقالوا: نرده عامنا ويرجع إلى قابل.
ثم أرسل رسول الله صلى الله عيه وسلم إليهم عثمان بن عفان رضى الله عنه في جوار رجل من بني أمية ليعلمهم بقصده، وخرج معه عشرة من المسلمين لزيارة أقاربهم بمكة، فقالت قريش: إن محمدا لا يدخلها علينا عنوة أبدا، ثم منعوا سيدنا عثمان رضى الله عنه ومن معه من الرجوع، وشاع بين المسلمين أنه قد قتل، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه للبيعة على القتال، فبايعوه على ذلك، وكان ذلك تحت شجرة سميت بعد بشجرة الرضوان، وسميت هذه البيعة أيضاً بيعة الرضوان، وبعث المشركون طلائعهم فأسر المسلمون منهم اثني عشر رجلا.
ولما سمعت قريش بهذه البيعة خافوا أن تدور عليهم الدائرة؛ فأرسلوا أحدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للمكالمة في الصلح، وبعد أن أطلقوا سبيل سيدنا عثمان ومن معه، وأطلق المسلمون من أسروهم، اتفق معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قواعد الصلح، وهي أربعة أمور: ترك الحرب بين الفريقين عشر سنين. وأن يرجع رسول الله والمسلمون من عامهم دون أن يدخلوا مكة؛ فإذا جاء العام الثانى دخلوها بدون سلاح سوى السيوف في القُرُب وأقاموا بها ثلاثة أيام بعد أن تخرج منها قريش. وأن من أتى إلى المسلمين من قريش ردوه إليهم، ومن جاء الى قريش من المسلمين لايلزمون برده. وأن من أحب أن يدخل في عهد المسلمين دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل فيه.
وأملى النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب، فكتب بذلك وثيقة، وقد رضي المسلمون بما رضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن تألموا من بعض هذه الشروط، ثم تحلل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من عمرتهم وعادوا إلى المدينة، ) وقد نزلت في هذه الحادثة سورة الفتح.

سماء 111
23/07/2007, 09:34 PM
غزوة الخندق


كان بين المسلمين من الخزرج وبين يهود بني النضير المجاورين للمدينة عهد على التناصر، فخان اليهود عهدهم مع المسلمين، حيث هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج عليه الصلاة والسلام إليهم في السنة الرابعة للهجرة حتى أجلاهم عن مواطنهم، فأورث الله تعالى المسلمين أرضهم وديارهم، ولم يقر لهؤلاء اليهود قرار بعد ذلك فذهب جمع منهم إلى مكة، وقابلوا رؤساء قريش واتفقوا معهم ومع قبيلة غطفان على حرب المسلمين، فتجهزت قريش ومن تبعهم من كنانة، وتجهزت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، وتحزبوا جميعاً على محاربة المسلمين، حتى بلغ عدد جميعهم عشرة آلاف محارب قائدهم العام أبو سفيان.
فلما سمع رسول الله صلى عليه وسلم بتجمعهم لذلك استشار أصحابه فيما يعمل لمقاومتهم، فأشار سلمان الفارسيّ رضي الله عنه بحفر خندق في شمال المدينة من الجهة التي تؤتى منها المدينة، فحفروه وجاءت قريش ومن معها من الأحزاب ونزلوا خلف الخندق، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين أمام الخندق، واستمروا على هذه الحالة يترامون بالنبل بضعاً وعشرين ليلة، وقد رتب رسول الله صلى الله عليه وسلم حراسا على الخندق لئلا يقتحمه الأعداء ليلا، وكان يحرس بنفسه أصعب جهة فيه، ولما طالت المدة اقتحم جماعة من المشركين الخندق بخيلهم، فمنهم من وقع فيه فاندقَّ عنقه، ومنهم من برز له بعض شجعان المسلمين فقتله، وقد استمرت هذه المعركة يوما كاملا.
غزوة بني قريظة
ثم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن يهود بني قريظة القاطنين بجوار المدينة يريدون نقض ما بينهم وبينه من العهود، فاسترجع من جيشه خمسمائة رجل لحراسة النساء والذرارى، ولما علم المسلمون بأمر بني قريظة اشتد وجلهم لأن العدو قد أصبح محيطاً بهم من الخارج والداخل، ولكن الله سبحانه وتعالى قيَّض لرسوله صلى الله عليه وسلم من انبث بين الأعداء يفرق جموعهم بالخديعة والحيلة، حتى استحكم الفشل بينهم، وخاف بعضهم بعضاً، وأرسل الله تعالى عليهم ريحا باردة في ليل مظلم أكْفَأت قدورهم وطرحت آنيتهم، فارتحلوا من ليلتهم، وأزاح الله تعالى هذه الغُمَّة التي تحزَّب فيها الأحزاب من قبائل العرب واليهود على المسلمين.
وكانت هذه الحادثة بين شهري شوال وذي القعدة من شهور السنة الخامسة للهجرة، واستشهد فيها من المسلمين ستة، وقتل من المشركين ثلاثة.
ولما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخلع لباس الحرب حتى حاصر بني قريظة لخيانتهم ونقضهم للعهد، واستمر محاصراً لهم خمساً وعشرين ليلة، حتى كادوا يهلكون ولم يروا بدًّا من التسليم لما يحكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضوا بأن ينزلوا على حكم سيدهم سعد بن معاذ، فحكم بقتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم وأخذ غنائمهم، فحبس الرجال في دور الأنصار حتى حفرت لهم خنادق ضربت أعناقهم فيها، وكانوا نحو سبعمائة رجل، وبذلك أراح الله المسلمين من شر مجاورة هؤلاء الأعداء، والله عزيز ذو انتقام.

سماء 111
23/07/2007, 09:42 PM
فتح مكة


كانت بطون خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما كانت بنو بكر بن وائل في عهد قريش، وكان بين هذين الجيشين دماء، فثار بنوبكر على خزاعة، وساعدتهم قريش بالسلاح والأنفس وقاتلوهم، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من خزاعة وأخبروه بنقض قريش للعهد، فلما أحست قريش بما فعلت جاء منهم أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقوى العهد ويزيد في المدة فلم يجبه إلى ذلك، وتأكد المسلمون من نقض قريش للعهد، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يتجهزوا وكتم عنهم الوجه، فاجتمع لذلك عشرة آلاف من المسلمين من المهاجرين والأنصار وطوائف من العرب، وخرج بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشر مضت من شهر رمضان في السنة الثامنة للهجرة، وساروا حتى نزلوا بمرِّ الظهران بقرب مكة بدون أن تعلم قريش بوجهتهم.
وقد كان العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة بأهله، فقابله عليه الصلاة والسلام في الطريق فأرجعه معه، وبعث بعياله إلى المدينة. وبينما جيش المسلمين بمر الظهران إذ خرج أبو سفيان ومعه آخران يتجسسون الأخبار، لما كانوا يتوقعونه من عدم سكوت المسلمين على نقض العهد، فظفرت بهم جنود المسلمين، وكان أول من لقى أبا سفيان العباس بن عبد المطلب، فأخذه معه حتى وصل به إلى خيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمنه وسلمه للعباس. فلما أصبح أسلم وشهد شهادة الحق، فقال العباس: يارسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
ثم أمر العباس أن يقف بأبي سفيان حيث يسير الجيش حتى ينظر إلى المسلمين، فجعلت القبائل تمر عليه كتيبة كتيبة حتى انتهت، وانطلق أبو سفيان إلى مكة مسرعا ونادى بأعلى صوته : يامعشر قريش، لقد جاءكم محمد بما لا قبل لكم به.
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز رايته بالحجون، وهو جبل بمعلاة مكة، وأمر خالد بن الوليد أن يدخل مكة بمن معه من كُدَىّ، وهو جبل بأسفل مكة من جهة اليمن، ودخل صلى الله عليه وسلم ومن معه من كداء، وهو جبل بأعلا مكة، ونادى مناديه: من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. واستثنى من ذلك جماعة أهدر دماءهم لشدة ما ألحقوا بالمسلمين من الأذى، منهم عبد الله بن سعد بني أبي سرح وعكرمة بن أبي جهل وكعب بن زهير ووحشى قاتل حمزة وهند بنت عتبة زوج أبي سفيان وهبار بن الأسود والحارث بن هشام، وهؤلاء قد أسلموا.
وقد صادف جيش خالد بن الوليد في دخوله مقاومة من طائشى قريش فقاتلهم وقتل منهم أربعة وعشرين، واستشهد من فرقته اثنان. وأما فرقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تصادف مقاومة، وقد دخل عليه الصلاة والسلام راكباً راحلته، وهو منحن على الرحل تواضعاً لله تعالى، وشكراً له عز وجل على هذه النعمة العظمى، وكان ذلك صبح يوم الجمعة لعشر خلت من رمضان.
نصبت له عليه الصلاة والسلام قبة في الموضع الذي أشار بأن تركز فيه الراية، فاستراح في القبة قليلا، ثم سار وهو يقرأ سورة الفتح وبجانبه أبو بكر، حتى دخل البيت وطاف سبعاً على راحلته، واستلم الحجر بمحجنه، وكان حول الكعبة أصنام كثيرة؛ فكان يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، وما يبدئ الباطل وما يعيد.
بعد أن أتم رسول الله صلى الله عليه وسلم طوافه أمر بالاصنام فأزيلت من حول الكعبة، وطهر الكعبة من هذه المعبودات الباطلة، ثم أخذ عليه الصلاة والسلام مفتاح الكعبة من حاجبها عثمان بن طلحة الشيبى، ودخلها وكبر في نواحيها ، ثم خرج إلى مقام إبراهيم وصلى فيه ، ثم جلس في المسجد والناس حوله ينتظرون ما هو آمر به في شأن قريش، فقال عليه الصلاة والسلام: يا معشر قريش ما تظنون أنى فاعل بكم؟ قالوا: خيراً ، أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. وردَّ مفتاح الكعبة لسادنها، ثم خطب في الناس خطبة أبان فيها كثيراً من أحكام الدين، وبعد أن أتمها شرع الناس يبايعونه على الإسلام ، فأسلم كثير من قريش.
وممن أسلم في ذلك الوقت معاوية بن أبي سفيان ، وأبو قحافة والد الصديق ، وأسلم بعض من أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه في ذلك اليوم، وبايع فقبلت بيعته ، وبعد أن تمت بيعة الرجال بايعه النساء.
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا أن يؤذن على ظهر الكعبة، وكانت هذه أول مرة ظهر فيها الإسلام على ظهر البيت.
وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها تسعة عشر يوماً، أرسل في أثنائها خالد بن الوليد في ثلاثين فارساً لهدم هيكل (العُزَّى) ، وهو أكبر صنم لقريش، وأرسل عمرو بن العاص لهدم (سواع) وهو أعظم صنم لهذيل ، وبعث آخر لهدم (مناة) وهي صنم لخزاعة.

سماء 111
23/07/2007, 09:55 PM
عام الوفود




قد عرفت أن الدعوة إلى الإسلام كانت في مبدئها سراً وخفية، وأن الذين دخلوا في الإسلام إذ ذاك أفراد قليلون، وبعد الجهر بالدعوة أخـذ عددهم يزداد قليلاً قليلاً، إلى أن أُذِنَ له صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، فازداد عددهم بدخول عرب المدينة ومن حولها في الدين وحدانا وجماعات، ولكن الدعوة لم تصل إلى الدرجة المطلوبة من الانتشار والعموم حتى تم صلح الحديبية بين قريش والمسلمين، فكان ذلك الصلح سبباً كبيراً من أسباب فشوّ الدعوة وعمومها حيث أمنت الطرق وتمكن الرسول عليه الصلاة والسلام من إرسال الرسل والكتب الى الملوك والأمم والقبائل ، ثم تم الأمر بفتح مكة ودخول أعاظم قريش في الإسلام، وانتشار القرآن بأسلوبه البديع وحكمه البالغة المؤثرين في عقول العرب ذلك التأثير الذي لانت به شكيمتهم وشرعوا يَفِدون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أفواجاً، وقد كان أكثر ذلك في السنة التاسعة للهجرة
وهكذا دخل الناس في دين الله أفواجاً ، حتى بلغ من كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة أكثر من مائة ألف، والذين لم يحضروا حجة الوداع من المسلمين كانوا أكثر من ذلك أضعافاُ مضاعفة، (وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَّشَاءُ إِنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِى الأَبْصَارِ).

حجة الوداع

بعد أن عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، بعث أبا بكر الصديق رضى الله عنه في ذى القعدة إلى مكة سنة تسع من الهجرة ليحج بالناس ، وفي أواخر ذي القعدة من السنة العاشرة قام عليه الصلاة والسلام إلى مكة في جمع عظيم، وأحرم للحج عندما سارت به راحلته وقال: لبيك الله اللهم لبيك . لا شريك لك لبيك . إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك. ولم يزل سائراً حتى دخل مكة ضحوة يوم الأحد لأربع خلون من ذي الحجة ، وكان دخوله من ثنية كداء ، فطاف بالبيت سبعاً ، واستلم الحجر الأسود ، وصلى ركعتين عند مقام إبراهيم ، وشرب من ماء زمزم ، وسعى بين الصفا والمروة سبعاً راكباً على راحلته ، وفي الثامن من ذى الحجة توجه إلى منى فبات بها ، وفي التاسع منه توجه إلى عرفة وخطب خطبته المشهورة بخطبة الوداع. ابتدأها بعد الثناء على الله تعالى بقوله: أيها الناس اسمعوا منى أبين لكم ، فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا في موقفي هذا. ثم قال: أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى الذي ائتمنه عليها . ثم قال: أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقاًّ ولكم عليهن حقاًّ ، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم ، ولا يُدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ، ولا يأتين بفاحشة. أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه ، فلا ترجعُنَّ بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ، فإنى قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله. ألا هل بلغت ، اللهم اشهد. ثم قال: أيها الناس إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد. كلكم لآدم وآدم من تراب. أكرمكم عند الله أتقاكم. ليس لعربى فضل على عجمىٍّ إلا بالتقوى. ألاهل بلغت ، اللهم اشهد ، فليبلغ الشاهد منكم الغائب.
وقد اشتملت هذه الخطبة العظيمة على غير ذلك من أحكام الله تعالى وحدوده.
وقد أنزل الله عليه في ذلك اليوم قوله سبحانه وتعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً).
وبعد أن أدَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم مناسك الحج: من رمى الجمار والنحر والحلق والطواف ، أقام بمكة عشرة أيام ثم قفل إلى المدينة صلى الله عليه وسلم.

سماء 111
23/07/2007, 10:01 PM
مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفاته


في أوائل صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة مرض النبي صلى الله عليه وسلم بالحمى ،واستمر ثلاثة عشر يوماً يتنقل في بيوت أزواجه ، ولما اشتد عليه مرضه استأذن منهن أن يتمرض في بيت عائشة فأذنَّ له ، ولما تعذر عليه الخروج الى الصلاة قال : مروا أبا بكر فليصلّ بالناس ، ولما رأى الأنصار اشتداد مرضه أطافوا بالمسجد قلقين ، فخرج إليهم عليه الصلاة والسلام معصوب الرأس ، يخط برجليه متوكئاً على علىّ والفضل يتقدمهم العباس ، حتى جلس في أسفل مرقاة المنبر وأحاط به الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس بلغنى أنكم تخافون من موت نبيكم. هل خلد نبي قبلى فيمن بعث الله فأخلد فيكم؟ ألا إنى لاحق بهم وإنكم لاحقون بى ، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيراً وأوصى المهاجرين فيما بينهم. إلى أن قال : ألا وأنى فرط لكم وأنتم لاحقون بى ، ألا فإن موعدكم الحوض ، ألا فمن أحب أن يَرِده علىَّ غدا فليكف يده ولسانه إلا فيما ينبغى.
وبينما المسلمون في صلاة الفجر يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول؛ وأبو بكر رضى الله عنه يصلى بهم؛ إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم قد كشف سجف (ستر) حجرة عائشة رضى الله عنها ، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة وتبسم، فظن أبو بكر أن رسول الله يريد أن يخرج للصلاة فتقهقر إلى الصف، وكاد المسلمون يفتتنون في صلاتهم فرحاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر، ثم حضرته الوفاة ورأسه الشريف على فخذ عائشة رضى الله عنها، فقال: اللهم في الرفيق الأعلى. ولم تأت ضحوة ذلك اليوم حتى فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحياة الدنيا ولحق بربه عز وجل . ولم يكن أبو بكر رضى الله عنه موجوداً في ذلك الوقت بالقرب من منزل عائشة، فلما حضر وأخبر الخبر دخل بيت عائشة وكشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل يقبله ويبكى ويقول : صلوات الله عليك يا رسول الله، ما أطيبك حياًّ وميتاً. ثم خرج إلى الناس وقال: ألا إن من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حىٌّ لا يموت.
ثم مكث عليه الصلاة والسلام في بيته بقية يوم الاثنين وليلة الثلاثاء ويومه وليلة الأربعاء، حتى انتهي المسلمون من إقامة خليفة لهم، وتفرغوا لغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنه، فغسله علي بن أبي طالب بمساعدة العباس وابنيه الفضل وقثم وأسامة بن زيد وشقران مولَيَىْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كُفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة ، ووُضع على سريره في بيته، فدخل الناس يصلون عليه فرادى لا يؤمهم أحد ، ثم حفر اللحد في موضع وفاته من حجرة عائشة ورُش بالماء، وأنزله فيه علىّ والعباس وولداه الفضل وقثم، وقد رفع قبره الشريف عن الأرض قدر شبر.
وقد بلغ عمره الشريف ثلاثاً وستين سنة، مكث منها بمكة ثلاثة وخمسين سنة، وبالمدينة المنورة عشر سنين، صلى الله عليه وسلم وعظم وكرم.

سماء 111
23/07/2007, 10:02 PM
وإن انتهت هنا آخر مراحل حياة الرسول صلوات الله وسلامه عليه

إلا أن سيرته العطره ومنهجه القويم

ووصاياه الحكيمة

مازالت نورا يهدي البشرية إلى طريق الحق والخير

ودربا يضمن للإنسان سعادة الدنيا والآخرة

يطيب لي أن أضع بين أيديكم

بعض من وصايا الرسول صلوات الله وسلامه عليه

كأخر مااختم به موضوعي عن السيرة النبوية

سماء 111
23/07/2007, 10:07 PM
من وصايا الرسول الكريم





(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)


الوصية الأولى: السمع والطاعة وحق الجار والصلاة

عن أبي ذر رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي عليه السلام بثلاثة:
1. اسمع وأطع ولو لعبدٍ مجدّع الأطراف.
2. وإذا صنعت مرقة فأكثر ماءها ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منه بمعروف.
3. وصلَّ الصلاة لوقتها وإذا وجدت الإمام قد صلّى فقد أحرزت صلاتك وإلا فهي نافلة.


الوصية الثانية: عظات بليغة تزيد على عشرين وصية.

عن معاذ رضي الله عنه قال: أخذ بيدي رسول فمشى قليلاً ثم قال: يا معاذ أوصيك بـ: " تقوى الله، وصدق الحديث، ووفاء العهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، ورُحم اليتيم، وحفظ الجوار، وكظم الغيظ، ولين الكلام وبذل السلام، ولزوم الإمام، والتفقه في القرآن، وحُب الآخرة، والجزع من الحساب، وقصر الأمل، وحسن العمل. وأنهاك : أن تشتم مسلماً، أو تُصدق كاذباً، أو تُكذب صادقاً أو تعصي إماماً عادلاً، وأن تُفسد في الأرض. يا معاذ: اذكر الله عند كل شجر وحجر، وأحدِث لكل ذنب توبة، السر بالسر والعلانية بالعلانية.

الوصية الثالثة: وصايا سبع جامعة من النبي لأبي ذرعن أبي ذر رضي الله عنه

قال: أمرني خليلي بسبع:
1. أمرني بحب المساكين والدنو منهم.
2. وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي.
3. وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت.
4. وأمرني أن لا أسأل أحداً شيئا.
5. وأمرني أن أقول بالحق وإن كان مُرّاً.
6. وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم.
7. وأمرني أن أُكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنهن من كنز تحت العرش.

الوصية الرابعة: الوصية بزيارة القبور والإعتبار بالموتى

عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله أوصاه فقال له: " زُر القبور تذكر الآخرة، واغسل الموتى، فإن معالجة جسد خاوٍ موعظة بليغة، وصلّ على الجنائز لعل ذلك أن يُحزنك فإن الحزين في ظل الله يتعرّض كل خير".

الوصية الخامسة: الأمر بالإتّباع والنهي عن الإبتداع.

عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله يوماً بعد صلاة الغداة موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجات منها القلوب. فقال رجل: إن هذه موعظة مودّع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافاً كثيراً، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ".

الوصية السادسة:وصايا سبع بليغة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصاني ربي بسبع أوصيكم بها:
1. أوصاني بالإخلاص في السر والعلانية.
2. والعدل في الرضا والغضب.
3. والقصد في الغنى والفقر.
4. وإن أعفو عمّن ظلمني.
5. وأُعطي من حرمني.
6. وأصل من قطعني.
7. وأن يكون: صمتي فكراً، ونُطقي ذكراً، ونظري عِبَراً".

الوصية السابعة: خمس وصايا نافعات

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: من يأخذ عني هذه الكلمات فيعمل بهن أو يُعلِّم من يعمل بهن؟ فقال أبو هريرة: قلت : أنا يا رسول الله فأخذ بيدي فعدّ خمساً فقال:
1. اتّق المحارم تكن أعبد الناس.
2. وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس.
3. وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً.
4. وأحبَّ للناس ما تُحبّ لنفسك تكن مسلماً.
5. ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب".

الوصية الثامنة:الوصية بذكر الله بعد الصلاة

عن معاذ بن جبل أن رسول الله أخذ بيده وقال: " يا معاذ والله إني لأحبك، والله إني لأحبك، فقال: "أوصيك يا معاذ لا تدعنّ في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".

الوصية التاسعة: من حقوق المسلم على المسلم
عن أبي هريرة قال قال رسول الله: " لاتحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ مسلم من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه".

الوصية العاشرة: وصية النبي لابن عباس
عن أبي عباس قال: كنت خلف رسول الله يوماً فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصحف".

سماء 111
23/07/2007, 10:10 PM
الوصية الحادية عشر: مقدمات دخول الجنة




عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله! إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرّت عيني فأنبئني عن كل شيء؟ فقال:" كل شيء خُلق من ماء" قال: قلت يا رسول الله أنبئني عن أمر إذا أخذت به دخلت الجنّة؟ قال: " أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وقُم بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام".

الوصية الثانية عشر: ثلاث وصايا من النبي لأبي ذر

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت:
1. صوم ثلاثة أيام من كل شهر.
2. وصلاة الضحى.
3. ونوم على وتر".

الوصية الثالثة عشر: الوصية بالإحسان في ذبح الحيوان

عن شدّاد بن أوس أن النبيقال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليُحدّ أحدكم شفرته، وليُرِح ذبيحته".

الوصية الرابعة عشر: النهي عن الإسراف والخيلاء

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله : "كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة".

الوصية الخامسة عشر: ستة أمور يضمن بها الجنة

عن عبادة بن الصامت أن النبي قال: "اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة:
1. اصدقوا إذا حدّثتم.
2. وأوفوا إذا وعدتم.
3. وأدّوا إذا اؤتمنتم.
4. واحفظوا فروجكم.
5. وغضوا أبصاركم.
6. وكُفّوا أيديكم".

الوصية السادسة عشر: اغتنم خمساً قبل خمس

قال النبي لرجل وهو يعظه: اغتنم خمساً قبل خمس:
1. شبابك قبل هرمك.
2. وصحتك قبل سقمك.
3. وغناك قبل فقرك.
4. وفراغك قبل شغلك.
5. وحياتك قبل موتك".

الوصية السابعة عشر: كن في الدنيا كأنك غريب

عن أبي عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله بمنكبي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك".

الوصية الثامنة عشر: من وصاياه في السفر

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: السّفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه، وشرابه، ونومه فإذا قضى نهمته فليعجّل إلى أهله".

الوصية التاسعة عشر: من أذكار الصباح والمساء

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول لفاطمة رضي الله عنها: " ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيّوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين".

الوصية العشرون: من صفات المؤمن

عن أبي هريرة قال: قال الرسول : " المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء قلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدّر الله وما شاء فعل، فإنّ لو تفتح عمل الشيطان".

سماء 111
23/07/2007, 10:14 PM
الوصية الحادية والعشرون: في ذم الظلم والشُّح


عن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال: " اتّقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّحّ، فإنّ الشُّحّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهمـ واستحلّوا محارمهم".

الوصية الثانية والعشرون: النهي عن الدعاء على النفس والأولاد والمال

عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله : " لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم".

الوصية الثالثة والعشرون: اجتنبوا السبع الموبقات

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"

قالوا: يا رسول الله وما هُنّ؟ قال:
1. الشرك بالله
2. والسحر
3. وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق
4. وأكل الربا
5. وأكل مال اليتيم
6. والتولّي يوم الزحف
7. وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".

الوصية الرابعة والعشرون: من الأدعية المأثورة قبل النوم

عن البراء بن عازب قال: قال النبي : " إذا أتيت مضجعك فتوضأ للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن. ثم قُل: "اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبننيّك الذي أرسلت"، فإن مُتَّ من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهنّ آخر ما تتكلم به. قال: فرددتها على النبي فلما بلغتُ: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت. قلت: ورسولك؟ قال: " لا ونبيّك الذي أرسلت".

الوصية الخامسة والعشرون: إعاذة من استعاذ بالله

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : " من استعاذكم بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه".

الوصية السادسة والعشرون: بادروا بالأعمال سبعاً

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: " بادروا بالأعمال سبعاً: ما تنتظرون إلا:
1. فُقراً مُنسياً
2. أو غنىً مُطغياً
3. أو مرضاً مُفسداً
4. أو هرماً مُفَنداً
5. أو موتاً مُجهزاً
6. أو الدجّال، فإنه شرٌ غائب منتظر.
7. أو الساعة والساعة أدهى وأمرُّ.

الوصية السابعة والعشرون: وصية أحب من الدنيا وما فيها
عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي بأربع كلمات، هنّ إليّ أحبّ من الدنيا وما فيها، قال لي: يا أبا ذر : أحكِم السفينة فإن البحر عميق، واستكثر الزّاد فإن السفر طويل، وخفّف عن ظهرك فإن العقبة كؤود، وأخلص العمل فإن الناقد بصير".
(كؤود: بمعنى لا تستطيع أن تزيلها، عقبة ثابتة)

الوصية الثامنة والعشرون: في فضل يوم الجمعة

عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله: " إنّ من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خُلِق آدم وفيه قُبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ".

الوصية التاسعة والعشرون: عشر وصايا من النبي لمعاذ

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال:
أوصاني رسول الله بعشر كلمات فقال:
1. لا تُشرك بالله وإن قُتلت وحُرقت
2. ولا تعُقنّ والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك
3. ولا تتركنّ صلاة مكتوبة متعمداً، فإنّ من ترك صلاة مكتوبة متعمّداً فقد برئت منه ذمة الله
4. ولا تشربنّ خمراً فإنه رأس كل فاحشة
5. وإياك والمعصية فإنّ بالمعصية حلّ سخط الله
6. وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس
7. وإن أصاب الناس موت فاثبت
8. وأنفق على أهلك من طولك
9. ولا ترفع عنهم عصاك أدباً
10. وخِفهم في الله.
****************************** *******

من أحاديث الرسول صلّى اله عليه وسلّم

حديث التوبة

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تقرب إلى الله عز وجل شبراً تقرب إليه ذراعاً، ومن تقرب إليه ذراعاً تقرب الله إليه باعاً، ومن جاءه يمشي أتاه مهرولا والله أعز وأجل. والله أعز وأجل"

سماء 111
23/07/2007, 10:20 PM
اعتمدت في هذه السيرة على

1-الأيام النظرة والسيرة العطرة لرسولنا صلى الله عليه وسلم

للشيخ / صالح بن عواد المغامسي

2-علِّم نفسك السيرة النبوية

من هذا الموقع http://www.islamiyyat.com/seera1.htm


كما اعتمدت على محرك البحث قوقل

أتمنى أن اكون قد أحطت ووفقت في نقل السيرة النبوية

واشكر جميع الافاضل الذين مروا

وللجميع جزاكم الله خيرا

وجزى الله خيرا من سهل وبحث وكتب عن هذه السيرة العطرة


****************************** *************

اللهم اجعل هذا العمل خالصا لوجهك الكريم

اللهم اجمعني وجميع من أحببت ومن يقرأ

على حوض نبيك المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم

وارزقنا شربة لانظمأ بعدها أبدا

اللهم اغفرلي و لأمي ولأبي ولجميع المسلمين

ولذوي الحقوق علي ..والمؤمنين والمؤمنات

الاحياء منهم والاموات

انك سميع مجيب الدعوات

هذا وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد

وعلى اله وصحبه بدوام ملكك



http://www.ro-7-up.com/up-pic/uploads/3d3936fa14.gif

سماء 111
06/08/2007, 03:30 PM
اشكر للفاضلة " nawwal" مرورها الطيب شداه ..نثرت مسكا بتصفحك لسيرة سيدنا رسول الله عليه افضل الصلوات والتسليم ..اللهم اجعل للغالية " نوال" نورا من نورك وعزا من عزك ونصرا من نصرك وتاييدا من تاييداتك الربانية وبهاء من بهائك الذي خصصت به اوليئك ..حتى تبلغها جنتك ..اللهم امين يارب العالمين