mou7ib
16/12/2007, 06:54 PM
بين يدي مغسلي..
بينما "الغريب" مستغرق في رحلته، لفت انتباهه رجل يقصده جل الأحياء، لكن بعد أن يتجردوا من مناصبهم و أموالهم و أولادهم.. و من أرواحهم. يقصدونه وهم أموات ليجهزهم و يغسلهم، يسلمونه القياد فيطلع على أخبى خباياهم، تبدوا على بعضهم علامات بشارة ،و على البعض علامات نذارة كتمها أولى، و البعض بل الكل لا يعلم سره إلا الله.
هكذا كلما امتدت عينا أمل الغريب إلى خضرة شجرة الدنيا وراءه، إلا و نغصها ذكر مشهد الموتى بين يدي المغسل يلبسهم آخر لباس يأخذونه من دنياهم. و كأنما يعيد طي صفحات العمر فوق الأرض بعدما طوي حقيقة مع خروج الروح...
اقترب "الغريب" من هذا الرجل و ألقى عليه التحية، وجده شيخا وقورا تعلوه هيبة و عليه علامات صلاح، فاستأذن في الجلوس إليه ساعة يغسل معه ميتا، فما كان من المغسل إلا أن قبل بعدما ذكره بضرورة تجديد النية و بأحكام التغسيل. و في انتظار مجيء ميت يغسلانه استغرقا في كلام حول أحوال الموتى و عن خبر الآخرة، كان يقطع تسلسل الحديث سؤال "الغريب" عن سبب عدم مجيء أي أحد منذ جلس إليه، فيجيب الشيخ بتؤدة: " أفي عجلة من أمرك.. فمن يدري لعل أحدنا أو كلانا يكون التالي". فانتبه صاحبنا إلى أمره " لعلي أكون الآتي فلا أشهد تغسيل أحد.. بل لن أشهد تغسيل نفسي".
انطلق صاحبنا و الشيخ بعدما جاء من يدعوهما باكيا حزينا لتغسيل قريب له. انطلق الغريب و في القلب وجل مما هو مقبل عليه، فهذه أول مرة ستمس يداه جثة إنسان، و ها هما الآن تمتدان لتغرف ماء منه كل حي لكن هذه المرة لجسد خاو. نسي "الغريب" تقاسيم وجه الميت و لم يعد يرى في هذا المكان إلا نفسه بين يدي نفسه يغسلها و يقلبها بين يديه و جسده هو المستسلم لا جسد غيره.
يرمق وجهه في صفحة الماء فيرى جمالا ظاهرا، ومع أول حركة للماء تذهب الصورة و يخفت وضوحها، كذاك زينة الدنيا في عينه تخفت كلما تحركت الابتلاءات، فكيف إذا جاء هادم اللذات؟، ترى ما تعني كل متع هذه الدنيا "للغريب" عندما يموت؟
...
بعدما غسل صاحبنا نفسه ها هو يكفنها و يشيعها إلى مثواها الأخير، يتسابق مع الحاملين ليغنم أجر حملها، و يسرع بها الخطى فلا يدري ألخير يعجل بها إليه أم شرا يضعه عن أكتافه. وبعد الدفن ينفض التراب عن يديه فقد أدى حق الغريب على الغريب، حفنات تراب يساهم بها مع المساهمين في بناء قبره. تجلت غربته حقيقة حينما قفل راجعا من المقبرة تاركا الميت وحده في قبره، و كأنه ينادي: لمن تتركوني؟: أيها المال إلي، أيها الصحب إلي، أيها الأهل إلي، فما يجيبه أحد، إلا صوت الأقدام مولية.
تخيله يناديهما: "أنتما يا من غسلتماني، ألستما آخر من مس جسدي، ألستما من ألبساني كفني هذا، ألم تتطلعا على آخر أسراري، ألكما أن تواسياني لحظة ؟"،لم يجد ما يجيب به هذا الصوت الخافت المنبعث من داخله، لكنه تذكر أن العبد لا ينفعه في هذا الموقف إلا عمله. لم ينس أن يدعو له بالخير، فقد كان موته للعبرة و للتذكير بقدر الله المحتوم.
انطلق صاحبنا في رحلته بعدما ودع الشيخ، و كانت أحاديث التذكير بالموت تتوارد على ذهنه تبصرة للقلب الغافل، و مكدرا لهوى يريد أن يخيل للنفس صفوا.
"الموت تحفة المؤمن" كانت هذه هدية تلقاها الغريب في عيد من الأعياد تأسيا بالمصطفى صلى الله عليه و سلم الذي كان يقرأ في خطبة العيد سورة "ق". أخرج صاحبنا الكتيب يقلب صفحاته و يقرؤه كمن يقرؤه لأول مرة بعدما تجدد المعنى بالمعايشة و المشاهدة..أحب الغريب أن تشاركوه قراءة هذه الهدية.. فهل تقبلون؟
تحفة المؤمن: اضغط للتحميل (http://www.archive.org/download/ThfatoLmomin/Tohfato_Almoamin.pdf)
الرابط الثاني
http://9q9q.net/9q9q.net.gif (http://upload.9q9q.net/file/492JniwRrD8/Tohfato_Almoamin.pdf.html-Accounting.html)
بينما "الغريب" مستغرق في رحلته، لفت انتباهه رجل يقصده جل الأحياء، لكن بعد أن يتجردوا من مناصبهم و أموالهم و أولادهم.. و من أرواحهم. يقصدونه وهم أموات ليجهزهم و يغسلهم، يسلمونه القياد فيطلع على أخبى خباياهم، تبدوا على بعضهم علامات بشارة ،و على البعض علامات نذارة كتمها أولى، و البعض بل الكل لا يعلم سره إلا الله.
هكذا كلما امتدت عينا أمل الغريب إلى خضرة شجرة الدنيا وراءه، إلا و نغصها ذكر مشهد الموتى بين يدي المغسل يلبسهم آخر لباس يأخذونه من دنياهم. و كأنما يعيد طي صفحات العمر فوق الأرض بعدما طوي حقيقة مع خروج الروح...
اقترب "الغريب" من هذا الرجل و ألقى عليه التحية، وجده شيخا وقورا تعلوه هيبة و عليه علامات صلاح، فاستأذن في الجلوس إليه ساعة يغسل معه ميتا، فما كان من المغسل إلا أن قبل بعدما ذكره بضرورة تجديد النية و بأحكام التغسيل. و في انتظار مجيء ميت يغسلانه استغرقا في كلام حول أحوال الموتى و عن خبر الآخرة، كان يقطع تسلسل الحديث سؤال "الغريب" عن سبب عدم مجيء أي أحد منذ جلس إليه، فيجيب الشيخ بتؤدة: " أفي عجلة من أمرك.. فمن يدري لعل أحدنا أو كلانا يكون التالي". فانتبه صاحبنا إلى أمره " لعلي أكون الآتي فلا أشهد تغسيل أحد.. بل لن أشهد تغسيل نفسي".
انطلق صاحبنا و الشيخ بعدما جاء من يدعوهما باكيا حزينا لتغسيل قريب له. انطلق الغريب و في القلب وجل مما هو مقبل عليه، فهذه أول مرة ستمس يداه جثة إنسان، و ها هما الآن تمتدان لتغرف ماء منه كل حي لكن هذه المرة لجسد خاو. نسي "الغريب" تقاسيم وجه الميت و لم يعد يرى في هذا المكان إلا نفسه بين يدي نفسه يغسلها و يقلبها بين يديه و جسده هو المستسلم لا جسد غيره.
يرمق وجهه في صفحة الماء فيرى جمالا ظاهرا، ومع أول حركة للماء تذهب الصورة و يخفت وضوحها، كذاك زينة الدنيا في عينه تخفت كلما تحركت الابتلاءات، فكيف إذا جاء هادم اللذات؟، ترى ما تعني كل متع هذه الدنيا "للغريب" عندما يموت؟
...
بعدما غسل صاحبنا نفسه ها هو يكفنها و يشيعها إلى مثواها الأخير، يتسابق مع الحاملين ليغنم أجر حملها، و يسرع بها الخطى فلا يدري ألخير يعجل بها إليه أم شرا يضعه عن أكتافه. وبعد الدفن ينفض التراب عن يديه فقد أدى حق الغريب على الغريب، حفنات تراب يساهم بها مع المساهمين في بناء قبره. تجلت غربته حقيقة حينما قفل راجعا من المقبرة تاركا الميت وحده في قبره، و كأنه ينادي: لمن تتركوني؟: أيها المال إلي، أيها الصحب إلي، أيها الأهل إلي، فما يجيبه أحد، إلا صوت الأقدام مولية.
تخيله يناديهما: "أنتما يا من غسلتماني، ألستما آخر من مس جسدي، ألستما من ألبساني كفني هذا، ألم تتطلعا على آخر أسراري، ألكما أن تواسياني لحظة ؟"،لم يجد ما يجيب به هذا الصوت الخافت المنبعث من داخله، لكنه تذكر أن العبد لا ينفعه في هذا الموقف إلا عمله. لم ينس أن يدعو له بالخير، فقد كان موته للعبرة و للتذكير بقدر الله المحتوم.
انطلق صاحبنا في رحلته بعدما ودع الشيخ، و كانت أحاديث التذكير بالموت تتوارد على ذهنه تبصرة للقلب الغافل، و مكدرا لهوى يريد أن يخيل للنفس صفوا.
"الموت تحفة المؤمن" كانت هذه هدية تلقاها الغريب في عيد من الأعياد تأسيا بالمصطفى صلى الله عليه و سلم الذي كان يقرأ في خطبة العيد سورة "ق". أخرج صاحبنا الكتيب يقلب صفحاته و يقرؤه كمن يقرؤه لأول مرة بعدما تجدد المعنى بالمعايشة و المشاهدة..أحب الغريب أن تشاركوه قراءة هذه الهدية.. فهل تقبلون؟
تحفة المؤمن: اضغط للتحميل (http://www.archive.org/download/ThfatoLmomin/Tohfato_Almoamin.pdf)
الرابط الثاني
http://9q9q.net/9q9q.net.gif (http://upload.9q9q.net/file/492JniwRrD8/Tohfato_Almoamin.pdf.html-Accounting.html)