صدى الإبداع
09/01/2008, 05:33 PM
بدأت أتفكر وأتأمل..فوجدت بأني حينما بدأت أكتب..هذا المقال..وجدت بأنه لا يخطر ببالي شيء..سوى أنني بمثل هذا اليوم من عام 1428 هـ..حينما كنت جالساً بيني وبين نفسي أتأمل حالي في العام الذي قبله..فإذا بي أجد الرسائل تتوالى لي مهنئة بالعام الجديد..فأقول بيني وبين نفسي..هل تعزوني أم تهنئوني؟؟..هل قبل الله عملي بالعام المنصرم..أم توعدني بنيرانه؟؟..ومن ثم ألم يأخذ ذلك العام من عمري 365 يوماً؟؟..ألم أقترب من قبري أكثر من أي وقت مضى؟؟..أجيبوني أيها الناس فها أنا ذا قد طرحت أسئلتي أمامكم..
لماذا يا أيها الناس..لماذا يمر بكم أول محرم كما يمر غيره من الأيام؟؟..وفي صبيحته ولد عام وفي ليلته قضى عام؟؟
في هذا اليوم يجتاز المسافر مرحلة من الطريق فيحط الرحال..ويقف ليستريح فيلتفت وراءه ليرى كم قطع وينظر أمامه ليبصر كم بقي..والتاجر تنتهي سنته..فيقيم موازينه ويحسب غلته ليعلم ماذا ربح وماذا خسر؟؟..وهذه محطة جديدة..نقف فيها ونحن نسير على طريق الحياة وسنة أخرى تمضي من العمر أفلا نقف عليها ساعة نفكر ونذكر ونحسب ونعتبر؟
نحن اليوم في أول المحرم من سنة 1429 هـ..ننظر إليه في الفجر..فنراه يوماً طويلاً يمتد أمامنا..نستطيع أن نعمل فيه ما نشاء..نستمتع فيه إن أردنا بدنيانا..ونحمله ما نريد حمله من الزاد إلى أخرانا..فإذا أمسى المساء وذهب اليوم لم نعد نستطيع أن نستفيد منه ولا أن نستمتع فيه..
نظنه باقياً لنا..فنبذر في دقائقه كما يبذر المسرف في ماله..ونضيع ساعاته..ولكنا لا نجده حتى نفتقده..إنه لا يكاد يبدأ حتى ينتهي فيمضي ثم لا يعود..
أتعلم يا أخي الكريم ما حالك؟؟..أنت كالموظف الذي منح إجازته السنوية..شهراً كاملاً..إذا قضى فيها عشرة أيام يكون قد خسر منها عشرة أيام فصار الشهر 20 يوماً..فإذا مر عشرون صار الشهر عشراً..فإذا تم الشهر انقضت الإجازة فكأنها لم تكن..وهل تظنون كلامي مجرد فلسفة؟؟..لا والله..أوليس كلما ازداد عمر الواحد منا عداً..نقص منه عمره حقيقةً؟؟..ماذا ننتظر في هذه الدنيا الفانية؟؟..نعيش اليوم ظانين بأننا مخلدين حتى الغد؟؟..والبعض منا يضمن بأن عمره سيستمر حتى الستين والسبعين..فيسوف التوبة ويؤجلها..حتى إذا باغته الموت وهو بزهرة حياته قال..امنحوني الفرصة كي أصلي ركعة..يا خاسر..قضيت عمرك كله بالتسويف..وحينما تأتي اللحظات الحرجة تبكي على كل ذاك..أوليس من الأولى الأخذ بالحسبان من الآن؟؟.أمضيت عمرك تؤمل المستقبل..ووالله إنه التضييع بعينه..أخبرني ما هذا المستقبل الذي تسعى إليه وتكد من أجله؟؟..حينما تكون طالباً يكون مستقبلك بنيل الشهادة..وحين تنالها يصير المستقبل بالوصول إلى الوظيفة..وحينما تصل إليها يصبح المستقبل ببناء الأسرة وإنشاد البيت..وإنسال الولد..وحينما يصبح لديك الزوجة والدار والولد..يصير المستقبل بالترقيات والعلاوات والمال المدخر..وفي المجد والشهرة..وإن أتم الله لك المستقبل..إما أن تعيش في زهوه وتضيع المستقبل الأخير..وهو مستقبل الآخرة..أو تعمل له وتنتهي حياتك عليه..وأنت بالخيار..إذاً..فالمستقبل حقيقة شيء لا وجود له..فما إن يجيء حتى يصبح حاضراً..وتبحث عن مستقبل آخر ترنوا إليه..فإن وصلت إليه صار حاضراً..وبحثت عن غيره..وهكذا حتى تنتهي دورة الحياة..فالمستقبل كما يشبهه الشيخ علي الطنطاوي..بحزمة الحشيش المعلقة بخشبة مربوطة بسرج الفرس تلوح أمام عينيه فهو يعدو ليصل إليها..وهي تعدوا معه فلا يصل إليها أبداً..
أما المستقبل الحقيقي..الآخرة..من منا يعمل له ويجهز له؟؟..
ما نحن إلا كمن يسافر بالباخرة أو الطائرة..وضع كل ماله وجهده..كي يرفه عن نفسه أثناء السفر..فإن وصل إلى محطة النهاية..أصبح كالمفلس..فلا دار ينزل فيها..ولا مكان يأوي إليه..أما كان من الخير له أن يجهز لما يريحه في بلده؟؟..أما كان من الخير له لو تحمل بعض المتاعب في السفر كي يرتاح في بلده؟؟؟..هذه هي الحياة..فالحياة سفر..فكم من الناس يسأل نفسه لم السفر؟؟..وإلى أين الرحيل؟؟..كم منا يسأل ما الحياة؟؟..ولماذا خلقنا الله؟؟..وإلام المصير؟؟..حياتنا..نقتطع فيها الوقت من الصباح إلى المساء في مشاغل نشاغل بها أنفسنا عن الهم الحقيقي والمستقل الحقيقي..والراحة الأبدية..من أحاديث تافهة..وقراءة كتب تافهة..ومشاهدة المسلسلات المضيعة للوقت..وفي بعض الأحيان للدين والخلق..ولا يفكر أحدنا أن يخلوا بنفسه قليلاً..وكأنها عدوه..وما يعلم بأن نفسه هذه التي أهملها..ستتبرأ منه يوم القيامة..يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله في كتابه صيد الخاطر..عبارة رائعة جداً..لو كتبناها بماء الذهب لما وفيناها حقها..يقول رحمه الله..إن لذائذ الدنيا نماذج تعرض ولا تقبض..وبالفعل هذا هو الواقع..فلنأخذ لذة الطعام حينما تكون جائعاً بقمة الجوع..ما إن تأكل الطعام..وتصل إلى مرحلة التخمة من الشبع..حتى أنك لا تشتهي أي نوع من أنواع الطعام..مهما كان مغرياً..وما هذا سوى نموذج مصغراً من نماذج اللذة الآخرة..فما يستمر هنا لدقائق يدوم هناك للأبد..وقس على ذلك لذة المال ولذة الشهرة وغيرها..فالفقير ينام بالكوخ وبالكاد يجد قوت يومه وينظر للغني ويكاد يأكله بعينيه..بينما الغني قد عاف هذا كله..ولا يأبه بأحلام الفقير ويستصغرها..كذلك الشاب المغمور ينظر للمشهور نظرة إكبار وإعجاب..وتمني أن يكون مكانه..بينما العالم المشهور لا يأبه بذلك كله ولا ينتبه له ولا يبالي به..أعتذر إخوتي القراء..فما أتيت أردت وعظاً ولا تزهيداً..ولكنها مجرد خواطر أثارتها بنفسي أحداث اليوم الأول من محرم..فوقفت وقفة المسافر وحسبت حسبة التاجر..إني أنظر إلى حياتنا هذه التي نعيشها..فأرانا كموكب من السيارات تمضي مجنونة مسرعة..متسابقة..هم كل واحدة منها أن تسبق الأخرى..وتخلفها وراءها..لكن لو سألت السائقين عن سبب السرعة وإلى أين يسرعون..فلن تجد الجواب..وهذه هي حياتنا..سباق إلى المال..وسباق إلى الشهرة..وسباق إلى اللذات..وسباق إلى كل طرق الحياة..ثم ينتهي العمر فنترك كل ما استبقنا إليه..ونمضي..فلنقف لحظات في مطلع كل عام..لنسائل أنفسنا ما الذي نربحه من هذا السباق..أوليس الربح الحق في الجهة الأخرى؟؟..غير الجهة التي يتجه الناس إليها؟؟..
إن هذا اليوم نذير لنا..بأن السنة المقبلة ستمضي كما مضت السنة المودعة..وإن كل واحدة منها تحمل معها جزءاً من أعمارنا..حتى تنفد أعمارنا فلنتدارك ما بقي..ولنكن يوماً واحداً في السنة من المتناصحين..ومن المتواصين بالحق..والمتواصين بالصبر..إني أشبه حياتنا هذه بهذه القصة التي يرويها الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله حيث يقول..لما أردت أن أسافر من مطار بيروت إلى جدة..قعدت في مطعم المطار أفطر وأنتظر..وكان المطعم ممتلئاً..وكل ما فيه يأكل ويشرب ويتحدث..مثلما كنت آكل وأشرب وأتحدث..تراهم فتحسبهم أصدقاء متلازمين لا يفترقون..وأن شملهم لا يتشتت..ولكن مطار بيروت الذي تحط فيه كل ربع ساعة طيارة..وتقوم منه طيارة..لا يلبث الصوت أن يخرج منه ينادي من المكبر..ركاب الطائرة (BOAC) المسافرة إلى لندن..يتوجهون إلى أرض المطار فتترك أكلها وشربها وجماعة من الحاضرين وتقوم..ثم ينادي..ركاب طائرة (KLM) المسافرة إلى جاكرتا..فيترك ناس أكلهم وشربهم ويقومون..وطائرة إلى أمريكا وأخرى إلى الكنغو وغيرها..فنظرت للناس وقلت لأخي..وكان معي..فقلت..هذه هي حياتنا..نعكف على طعامنا وشرابنا ومشاغل عيشتنا..وإذا بالنداء يدعوا من جاء دوره ليذهب إلى حيث يحمل..فمن كان مستعداً للسفر حاجاته مقضية..وحقابه معدة..وحمله خفيف..مضى مستريح البال..ومن جاء دوره..وهو لم يعد متاعه..ولم يقض حاجته ذهب بلا زاد ومضى على غير استعداد..أفلا نستعد للسفرة التي لا بد منها..ونتزود لها الزاد الذي لا ينفع غيره فيها..فهلا تأملنا أحبتي بما تركنا بالعام المنصرم؟؟..ما هي إنجازاتنا؟؟..ماذا قدمنا لأمتنا؟؟..ماذا ضحينا من أجل إعلاء كلمة الدين؟؟..وهلا تأملنا في الواقع الذي نعيشه؟؟..كم من جارٍ يبغض جاره وكم من مسلم يبغض أخاه؟؟..وكم من مسلم يكذب ويدبر على أخيه المسلم؟؟..أنظروا للمعاملات المالية..والجوانب الإنسانية..وصل الحد بيننا إلى درجة أن يحسد الأخ أخاه..ويهجر الابن أمه وأباه..ويزيد من ألمي أن تأتيني رسائل التهنئة بالعام الجديد..عجباً وربي..علام يهنئ الناس بعضهم بعضاً بالعام الجديد؟؟..وماذا لقوا في الدنيا فحرصوا على البقاء فيها؟؟.. ويغتبطوا المراحل التي يقطعونها منها؟؟..وهل يوجد بينهم شخص واحد يستطيع أن يزعم أنه أصبح سعيداً كمل أمسى؟؟..أو أمسى سعيداً كما أصبح؟؟..أو أنه رأى بوارق السعادة كلما لمح في إحدى لياليه ولم ير بجانبه ما يرى في الليلة البارقة من رعود قاصفة..ورياح عاصفة..وصواعق محرقة..وشهب متطايرة؟؟..إن حياة لا توفر سعادة للإنسان..حتى تعقبه بحزن أطول من هذه السعادة..لا تستحق التهنئة على ما أتى منها..بل تستحق التهنئة على ما ذهب منها..
إخوتي القراء..إننا نعيش الأيام كلها في غفلة..فلننتبه اليوم..ولنقف كما يقف المسافر على المحطة..ينظر كم قطع من الطريق وكم بقي عليه منه؟؟..ولنفتح دفاترنا كما يفتح التاجر دفاتره..بل نحن أولى..فتجارتنا متعلقة بمصيرنا الأبدي..وتجارته متعلقة بحياته الدنيوية..ولنرى ماذا ربحنا في سنتنا التي مضت..وماذا خسرنا؟؟.ولنمد أيدينا..فنقول..يا ربنا اغفر لنا ما سلف ووفقنا فيما بقي..
اللهم إذا كتبت لنا..أن نعيش إلى مثل هذا اليوم من قابل..فاجعل ما يأتي..خيراً لنا..وللمسلمين مما ذهب..وإلا فاكتب لنا بفضلك وكرمك حسن الخاتمة..واغفر لنا ذنوبنا..وتوفنا مع الأبرار..
كتبه / صدى الإبداع
1 / 1 / 1429 هـ
لماذا يا أيها الناس..لماذا يمر بكم أول محرم كما يمر غيره من الأيام؟؟..وفي صبيحته ولد عام وفي ليلته قضى عام؟؟
في هذا اليوم يجتاز المسافر مرحلة من الطريق فيحط الرحال..ويقف ليستريح فيلتفت وراءه ليرى كم قطع وينظر أمامه ليبصر كم بقي..والتاجر تنتهي سنته..فيقيم موازينه ويحسب غلته ليعلم ماذا ربح وماذا خسر؟؟..وهذه محطة جديدة..نقف فيها ونحن نسير على طريق الحياة وسنة أخرى تمضي من العمر أفلا نقف عليها ساعة نفكر ونذكر ونحسب ونعتبر؟
نحن اليوم في أول المحرم من سنة 1429 هـ..ننظر إليه في الفجر..فنراه يوماً طويلاً يمتد أمامنا..نستطيع أن نعمل فيه ما نشاء..نستمتع فيه إن أردنا بدنيانا..ونحمله ما نريد حمله من الزاد إلى أخرانا..فإذا أمسى المساء وذهب اليوم لم نعد نستطيع أن نستفيد منه ولا أن نستمتع فيه..
نظنه باقياً لنا..فنبذر في دقائقه كما يبذر المسرف في ماله..ونضيع ساعاته..ولكنا لا نجده حتى نفتقده..إنه لا يكاد يبدأ حتى ينتهي فيمضي ثم لا يعود..
أتعلم يا أخي الكريم ما حالك؟؟..أنت كالموظف الذي منح إجازته السنوية..شهراً كاملاً..إذا قضى فيها عشرة أيام يكون قد خسر منها عشرة أيام فصار الشهر 20 يوماً..فإذا مر عشرون صار الشهر عشراً..فإذا تم الشهر انقضت الإجازة فكأنها لم تكن..وهل تظنون كلامي مجرد فلسفة؟؟..لا والله..أوليس كلما ازداد عمر الواحد منا عداً..نقص منه عمره حقيقةً؟؟..ماذا ننتظر في هذه الدنيا الفانية؟؟..نعيش اليوم ظانين بأننا مخلدين حتى الغد؟؟..والبعض منا يضمن بأن عمره سيستمر حتى الستين والسبعين..فيسوف التوبة ويؤجلها..حتى إذا باغته الموت وهو بزهرة حياته قال..امنحوني الفرصة كي أصلي ركعة..يا خاسر..قضيت عمرك كله بالتسويف..وحينما تأتي اللحظات الحرجة تبكي على كل ذاك..أوليس من الأولى الأخذ بالحسبان من الآن؟؟.أمضيت عمرك تؤمل المستقبل..ووالله إنه التضييع بعينه..أخبرني ما هذا المستقبل الذي تسعى إليه وتكد من أجله؟؟..حينما تكون طالباً يكون مستقبلك بنيل الشهادة..وحين تنالها يصير المستقبل بالوصول إلى الوظيفة..وحينما تصل إليها يصبح المستقبل ببناء الأسرة وإنشاد البيت..وإنسال الولد..وحينما يصبح لديك الزوجة والدار والولد..يصير المستقبل بالترقيات والعلاوات والمال المدخر..وفي المجد والشهرة..وإن أتم الله لك المستقبل..إما أن تعيش في زهوه وتضيع المستقبل الأخير..وهو مستقبل الآخرة..أو تعمل له وتنتهي حياتك عليه..وأنت بالخيار..إذاً..فالمستقبل حقيقة شيء لا وجود له..فما إن يجيء حتى يصبح حاضراً..وتبحث عن مستقبل آخر ترنوا إليه..فإن وصلت إليه صار حاضراً..وبحثت عن غيره..وهكذا حتى تنتهي دورة الحياة..فالمستقبل كما يشبهه الشيخ علي الطنطاوي..بحزمة الحشيش المعلقة بخشبة مربوطة بسرج الفرس تلوح أمام عينيه فهو يعدو ليصل إليها..وهي تعدوا معه فلا يصل إليها أبداً..
أما المستقبل الحقيقي..الآخرة..من منا يعمل له ويجهز له؟؟..
ما نحن إلا كمن يسافر بالباخرة أو الطائرة..وضع كل ماله وجهده..كي يرفه عن نفسه أثناء السفر..فإن وصل إلى محطة النهاية..أصبح كالمفلس..فلا دار ينزل فيها..ولا مكان يأوي إليه..أما كان من الخير له أن يجهز لما يريحه في بلده؟؟..أما كان من الخير له لو تحمل بعض المتاعب في السفر كي يرتاح في بلده؟؟؟..هذه هي الحياة..فالحياة سفر..فكم من الناس يسأل نفسه لم السفر؟؟..وإلى أين الرحيل؟؟..كم منا يسأل ما الحياة؟؟..ولماذا خلقنا الله؟؟..وإلام المصير؟؟..حياتنا..نقتطع فيها الوقت من الصباح إلى المساء في مشاغل نشاغل بها أنفسنا عن الهم الحقيقي والمستقل الحقيقي..والراحة الأبدية..من أحاديث تافهة..وقراءة كتب تافهة..ومشاهدة المسلسلات المضيعة للوقت..وفي بعض الأحيان للدين والخلق..ولا يفكر أحدنا أن يخلوا بنفسه قليلاً..وكأنها عدوه..وما يعلم بأن نفسه هذه التي أهملها..ستتبرأ منه يوم القيامة..يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله في كتابه صيد الخاطر..عبارة رائعة جداً..لو كتبناها بماء الذهب لما وفيناها حقها..يقول رحمه الله..إن لذائذ الدنيا نماذج تعرض ولا تقبض..وبالفعل هذا هو الواقع..فلنأخذ لذة الطعام حينما تكون جائعاً بقمة الجوع..ما إن تأكل الطعام..وتصل إلى مرحلة التخمة من الشبع..حتى أنك لا تشتهي أي نوع من أنواع الطعام..مهما كان مغرياً..وما هذا سوى نموذج مصغراً من نماذج اللذة الآخرة..فما يستمر هنا لدقائق يدوم هناك للأبد..وقس على ذلك لذة المال ولذة الشهرة وغيرها..فالفقير ينام بالكوخ وبالكاد يجد قوت يومه وينظر للغني ويكاد يأكله بعينيه..بينما الغني قد عاف هذا كله..ولا يأبه بأحلام الفقير ويستصغرها..كذلك الشاب المغمور ينظر للمشهور نظرة إكبار وإعجاب..وتمني أن يكون مكانه..بينما العالم المشهور لا يأبه بذلك كله ولا ينتبه له ولا يبالي به..أعتذر إخوتي القراء..فما أتيت أردت وعظاً ولا تزهيداً..ولكنها مجرد خواطر أثارتها بنفسي أحداث اليوم الأول من محرم..فوقفت وقفة المسافر وحسبت حسبة التاجر..إني أنظر إلى حياتنا هذه التي نعيشها..فأرانا كموكب من السيارات تمضي مجنونة مسرعة..متسابقة..هم كل واحدة منها أن تسبق الأخرى..وتخلفها وراءها..لكن لو سألت السائقين عن سبب السرعة وإلى أين يسرعون..فلن تجد الجواب..وهذه هي حياتنا..سباق إلى المال..وسباق إلى الشهرة..وسباق إلى اللذات..وسباق إلى كل طرق الحياة..ثم ينتهي العمر فنترك كل ما استبقنا إليه..ونمضي..فلنقف لحظات في مطلع كل عام..لنسائل أنفسنا ما الذي نربحه من هذا السباق..أوليس الربح الحق في الجهة الأخرى؟؟..غير الجهة التي يتجه الناس إليها؟؟..
إن هذا اليوم نذير لنا..بأن السنة المقبلة ستمضي كما مضت السنة المودعة..وإن كل واحدة منها تحمل معها جزءاً من أعمارنا..حتى تنفد أعمارنا فلنتدارك ما بقي..ولنكن يوماً واحداً في السنة من المتناصحين..ومن المتواصين بالحق..والمتواصين بالصبر..إني أشبه حياتنا هذه بهذه القصة التي يرويها الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله حيث يقول..لما أردت أن أسافر من مطار بيروت إلى جدة..قعدت في مطعم المطار أفطر وأنتظر..وكان المطعم ممتلئاً..وكل ما فيه يأكل ويشرب ويتحدث..مثلما كنت آكل وأشرب وأتحدث..تراهم فتحسبهم أصدقاء متلازمين لا يفترقون..وأن شملهم لا يتشتت..ولكن مطار بيروت الذي تحط فيه كل ربع ساعة طيارة..وتقوم منه طيارة..لا يلبث الصوت أن يخرج منه ينادي من المكبر..ركاب الطائرة (BOAC) المسافرة إلى لندن..يتوجهون إلى أرض المطار فتترك أكلها وشربها وجماعة من الحاضرين وتقوم..ثم ينادي..ركاب طائرة (KLM) المسافرة إلى جاكرتا..فيترك ناس أكلهم وشربهم ويقومون..وطائرة إلى أمريكا وأخرى إلى الكنغو وغيرها..فنظرت للناس وقلت لأخي..وكان معي..فقلت..هذه هي حياتنا..نعكف على طعامنا وشرابنا ومشاغل عيشتنا..وإذا بالنداء يدعوا من جاء دوره ليذهب إلى حيث يحمل..فمن كان مستعداً للسفر حاجاته مقضية..وحقابه معدة..وحمله خفيف..مضى مستريح البال..ومن جاء دوره..وهو لم يعد متاعه..ولم يقض حاجته ذهب بلا زاد ومضى على غير استعداد..أفلا نستعد للسفرة التي لا بد منها..ونتزود لها الزاد الذي لا ينفع غيره فيها..فهلا تأملنا أحبتي بما تركنا بالعام المنصرم؟؟..ما هي إنجازاتنا؟؟..ماذا قدمنا لأمتنا؟؟..ماذا ضحينا من أجل إعلاء كلمة الدين؟؟..وهلا تأملنا في الواقع الذي نعيشه؟؟..كم من جارٍ يبغض جاره وكم من مسلم يبغض أخاه؟؟..وكم من مسلم يكذب ويدبر على أخيه المسلم؟؟..أنظروا للمعاملات المالية..والجوانب الإنسانية..وصل الحد بيننا إلى درجة أن يحسد الأخ أخاه..ويهجر الابن أمه وأباه..ويزيد من ألمي أن تأتيني رسائل التهنئة بالعام الجديد..عجباً وربي..علام يهنئ الناس بعضهم بعضاً بالعام الجديد؟؟..وماذا لقوا في الدنيا فحرصوا على البقاء فيها؟؟.. ويغتبطوا المراحل التي يقطعونها منها؟؟..وهل يوجد بينهم شخص واحد يستطيع أن يزعم أنه أصبح سعيداً كمل أمسى؟؟..أو أمسى سعيداً كما أصبح؟؟..أو أنه رأى بوارق السعادة كلما لمح في إحدى لياليه ولم ير بجانبه ما يرى في الليلة البارقة من رعود قاصفة..ورياح عاصفة..وصواعق محرقة..وشهب متطايرة؟؟..إن حياة لا توفر سعادة للإنسان..حتى تعقبه بحزن أطول من هذه السعادة..لا تستحق التهنئة على ما أتى منها..بل تستحق التهنئة على ما ذهب منها..
إخوتي القراء..إننا نعيش الأيام كلها في غفلة..فلننتبه اليوم..ولنقف كما يقف المسافر على المحطة..ينظر كم قطع من الطريق وكم بقي عليه منه؟؟..ولنفتح دفاترنا كما يفتح التاجر دفاتره..بل نحن أولى..فتجارتنا متعلقة بمصيرنا الأبدي..وتجارته متعلقة بحياته الدنيوية..ولنرى ماذا ربحنا في سنتنا التي مضت..وماذا خسرنا؟؟.ولنمد أيدينا..فنقول..يا ربنا اغفر لنا ما سلف ووفقنا فيما بقي..
اللهم إذا كتبت لنا..أن نعيش إلى مثل هذا اليوم من قابل..فاجعل ما يأتي..خيراً لنا..وللمسلمين مما ذهب..وإلا فاكتب لنا بفضلك وكرمك حسن الخاتمة..واغفر لنا ذنوبنا..وتوفنا مع الأبرار..
كتبه / صدى الإبداع
1 / 1 / 1429 هـ