بحر بلا أمواج
01/04/2008, 05:18 PM
ماهي الصحة؟! (الجزء الأول)
هذه الكلمة التي دائماً نرددها ونسمعها في كل وقت، فلنتوقف ونسأل أنفسنا عما تعنيه لنا بالضبط؟! يعرفها بعض المختصين والأطباء على أنها "غياب المرض"، وبالرغم من أن هذا التعريف يحمل الكثير من معاني الصحة ولكنني أرى أنه غير شامل. فمن خلال التأمل في كلمة الصحة نجد أن لها أبعاداً أكبر بكثير من حدود الجسد وأبعد من مجرد غياب المرض الجسدي أو الظاهري، ولذلك فإن تعريفها لابد وأن يكون أشمل، والتعريف الأدق في نظري هو " أن تكون جميع أركان الإنسان الأساسية (الجسدية والنفسية والذهنية وطاقته وروحه) كلها تعمل بالطريقة المثلى كما فطرها الله عز وجل".
فإذا أردنا أن نتحدث عن صحة الإنسان لا بد وأن نقوم هذه الجوانب والأركان كلها، وبداية التقويم تكون لأعلى وأرقى جانب في الإنسان وهو الروح، فأي انحراف روحي يجب أن يصنف على أنه أشد أنواع المرض حتى ولو كان الوضع الجسدي للإنسان يبدوا سليماً.
فالمرض الروحي قد يعني أن ينسلخ الإنسان تماماً عن جنسه الإنساني الذي كرمه الله عز وجل به ( ولقد كرمنا بني آدم ) الآية(1) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftn1) ويصبح من مستوى المخلوقات الدنيا بل قد يصبح من أدنى المخلوقات وهو مازال في صورة إنسان ظاهرياً، فأي مرض وغياب للصحة أشد من هذا؟!
وأقل صورة لغياب الصحة هي المرض الجسدي، ومع ذلك فإنه من المؤسف أن نرى الاهتمام شبه الكامل يكاد ينحصر في هذا النوع من الصحة؛ وصار الطب والعلاج كله يدور حول الجسد ونوعا ما حول الناحية النفسية وغفل الكثير من الناس عن أهمية صحة الجوانب الأرقى في الإنسان، وصارت كلمة الصحة إذا أطلقت تعني الصحة الجسدية والعافية المتعلقة بها. وليس هناك بأس من التركيز على الصحة الجسدية حيث أنها الجزء الأكثر ظهوراً للإنسان، وهي في الوقت نفسه الجانب الأكثر عرضة للتغير مابين العافية والمرض، بينما التغيرات في الجوانب الأخرى هي أقل سرعة في الغالب الأعم، فليس من النادر أن ترى شخصاً معافى جسدياً وفي غضون لحظات بسيطة تعتريه وعكة صحية في جسده(2) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftn2) ، ولكن الذي يقل حدوثه قليلاً أن ترى شخصاً سليماً نفسياً وذا تفكير سليم وروح على فطرتها السليمة ثم يتغير هذا الأمر في فترة بسيطة(3) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftn3) ، فلذلك يكون الحديث الأكثر عند ذكر الصحة هو متعلق بالجانب الجسدي للأسباب التي تقدمت. ولكن السلبية هي حصر موضوع الصحة في جانب الجسد فقط، وبالذات عند الحاجة للعلاج لأي علة، فالإنسان هو وحدة وأركان مترابطة ولعلاجه لا بد وأن نهتم بأركانه المختلفة.
أنواع العلاج و الطب في حالة فقد الصحة:
في حالة المرض الروحي فإن الطب اللازم له هو الوحي والتعاليم الربانية، يقول إبن القيم رحمه الله (فأما طب القلوب فمسلم إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وأيديهم فان صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها، وبأسمائه وصفاته وأحكامه وأن تكون مؤثرة لمرضاته ولمحابه، متجنبة لمناهيه ومساخطه) ثم يكمل رحمه الله مبيناً أن الصحة القلبية هي أهم جانب في صحة الإنسان (ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك ولا سبيل إلى تلقيه إلا من جهة الرسل وما يظن من حصوله صحة القلب بدون اتباعهم فغلظ ممن يظن ذلك ) ثم يكمل رحمه الله ويبين كيف أن شدة المرض الروحي كما ذكرنا تجعل الإنسان ينسلخ من إنسانيته وجنسه البشري ( وإنما ذلك حياة نفسه البهيمية الشهوانية وصحتها وقوتها وحياة قلبه وصحته وقوته عن ذلك بمعزل ومن لم يميز بين هذا وهذا فليبك على حياة قلبه، فإنه من الأموات وعلى نوره فإنه منغمس في بحار الظلمات)(4) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftn4) .
والأشخاص الذين يتمتعون بصحة روحية عالية تهون عليهم جميع اعتلالات الصحة الأخرى، بل ويكونون في أبلغ السعادة والنعيم حتى وإن كانت آثار المرض الجسدي على أشدها، ويشعر الناس عليهم بالأسى والحزن بينما هم يشعرون أن أرواحهم في الجنة وأجسادهم على الأرض! وقصة الصحابي الجليل عمران بن حصين رضي الله عنه هي من الأدلة الواضحة على ذلك، فقد ابتلي رضي الله عنه بمرض شديد الزمه فراشه حتى قيل أنه كان يقضي حاجته من خلال فتحة في سريره لشدة مرضه، ومع ذلك فقد كان صابرا محتسبا ومتوكلاً على الله عز وجل، وعندما رآه بعض أصحابه شقّ عليهم أن يروا كيف اشتد المرض وطال عليه، وكيف تدهورت حالته، ولكنه رضي الله عنه عندما رآى جزعهم عليه ابتسم وأخبرهم أنه في نعيم لا يساويه نعيم في الدنيا وأن الملائكة كانت تسلم عليه، فهل نستطيع أن نتصور مقدار السعادة والطمأنينة التي يعيش فيها من تسلم عليه ملائكة الرحمن؟(5) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftn5) .
ولأهمية صحة الروح والجانب الروحي كان من اللازم ذكرها في مقدمة المواضيع في باب الشفاء، ولأنه في كثير من الأحيان يكون سبب المرض الجسدي أو النفسي أو الذهني ناشئاً من المرض الروحي ولا يوجد سبيل لشفائه إلا من خلال الشفاء الروحي بالوسائل التي ذكرها ابن القيم رحمه الله وأول مراحل الشفاء تبدأ من المبادئ والأسس التي تعلمها الإنسان كمعتقده الإيماني كما سنرى في الحديث عن بداية الشفاء في الجزء الثاني بإذن الله.
(1) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftnref1) سورة الاسراء آية رقم 70
(2) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftnref2) ولا يستبعد حدوث خلل منذ فترة ولكنه غير ظاهر حتى تلك اللحظة
(3) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftnref3) نعوذ بالله من حال آخر الزمان حيث يصبح المرء مؤمناً و يمسي كافرا او يمسي مؤمنا و يصبح كافراً
(4) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftnref4) الطب النبوي لابن القيم ص 21- تحقيق محمد الأنور البلتاجي
(5) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftnref5) وقد وردت قصته رضي الله في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه حديث 2927 كتاب الحج 8/ 162: "وعن عمران بن الحصين رضي الله عنه قال "وقد كان يُسلم عليَّ - أي الملائكة تسلم عليه - حتى اكتويت، فتركت ، ثم تركت الكي فعاد".
لمزيد من المعلومات رجوع للمصدر ...
http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31
هذه الكلمة التي دائماً نرددها ونسمعها في كل وقت، فلنتوقف ونسأل أنفسنا عما تعنيه لنا بالضبط؟! يعرفها بعض المختصين والأطباء على أنها "غياب المرض"، وبالرغم من أن هذا التعريف يحمل الكثير من معاني الصحة ولكنني أرى أنه غير شامل. فمن خلال التأمل في كلمة الصحة نجد أن لها أبعاداً أكبر بكثير من حدود الجسد وأبعد من مجرد غياب المرض الجسدي أو الظاهري، ولذلك فإن تعريفها لابد وأن يكون أشمل، والتعريف الأدق في نظري هو " أن تكون جميع أركان الإنسان الأساسية (الجسدية والنفسية والذهنية وطاقته وروحه) كلها تعمل بالطريقة المثلى كما فطرها الله عز وجل".
فإذا أردنا أن نتحدث عن صحة الإنسان لا بد وأن نقوم هذه الجوانب والأركان كلها، وبداية التقويم تكون لأعلى وأرقى جانب في الإنسان وهو الروح، فأي انحراف روحي يجب أن يصنف على أنه أشد أنواع المرض حتى ولو كان الوضع الجسدي للإنسان يبدوا سليماً.
فالمرض الروحي قد يعني أن ينسلخ الإنسان تماماً عن جنسه الإنساني الذي كرمه الله عز وجل به ( ولقد كرمنا بني آدم ) الآية(1) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftn1) ويصبح من مستوى المخلوقات الدنيا بل قد يصبح من أدنى المخلوقات وهو مازال في صورة إنسان ظاهرياً، فأي مرض وغياب للصحة أشد من هذا؟!
وأقل صورة لغياب الصحة هي المرض الجسدي، ومع ذلك فإنه من المؤسف أن نرى الاهتمام شبه الكامل يكاد ينحصر في هذا النوع من الصحة؛ وصار الطب والعلاج كله يدور حول الجسد ونوعا ما حول الناحية النفسية وغفل الكثير من الناس عن أهمية صحة الجوانب الأرقى في الإنسان، وصارت كلمة الصحة إذا أطلقت تعني الصحة الجسدية والعافية المتعلقة بها. وليس هناك بأس من التركيز على الصحة الجسدية حيث أنها الجزء الأكثر ظهوراً للإنسان، وهي في الوقت نفسه الجانب الأكثر عرضة للتغير مابين العافية والمرض، بينما التغيرات في الجوانب الأخرى هي أقل سرعة في الغالب الأعم، فليس من النادر أن ترى شخصاً معافى جسدياً وفي غضون لحظات بسيطة تعتريه وعكة صحية في جسده(2) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftn2) ، ولكن الذي يقل حدوثه قليلاً أن ترى شخصاً سليماً نفسياً وذا تفكير سليم وروح على فطرتها السليمة ثم يتغير هذا الأمر في فترة بسيطة(3) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftn3) ، فلذلك يكون الحديث الأكثر عند ذكر الصحة هو متعلق بالجانب الجسدي للأسباب التي تقدمت. ولكن السلبية هي حصر موضوع الصحة في جانب الجسد فقط، وبالذات عند الحاجة للعلاج لأي علة، فالإنسان هو وحدة وأركان مترابطة ولعلاجه لا بد وأن نهتم بأركانه المختلفة.
أنواع العلاج و الطب في حالة فقد الصحة:
في حالة المرض الروحي فإن الطب اللازم له هو الوحي والتعاليم الربانية، يقول إبن القيم رحمه الله (فأما طب القلوب فمسلم إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وأيديهم فان صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها، وبأسمائه وصفاته وأحكامه وأن تكون مؤثرة لمرضاته ولمحابه، متجنبة لمناهيه ومساخطه) ثم يكمل رحمه الله مبيناً أن الصحة القلبية هي أهم جانب في صحة الإنسان (ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك ولا سبيل إلى تلقيه إلا من جهة الرسل وما يظن من حصوله صحة القلب بدون اتباعهم فغلظ ممن يظن ذلك ) ثم يكمل رحمه الله ويبين كيف أن شدة المرض الروحي كما ذكرنا تجعل الإنسان ينسلخ من إنسانيته وجنسه البشري ( وإنما ذلك حياة نفسه البهيمية الشهوانية وصحتها وقوتها وحياة قلبه وصحته وقوته عن ذلك بمعزل ومن لم يميز بين هذا وهذا فليبك على حياة قلبه، فإنه من الأموات وعلى نوره فإنه منغمس في بحار الظلمات)(4) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftn4) .
والأشخاص الذين يتمتعون بصحة روحية عالية تهون عليهم جميع اعتلالات الصحة الأخرى، بل ويكونون في أبلغ السعادة والنعيم حتى وإن كانت آثار المرض الجسدي على أشدها، ويشعر الناس عليهم بالأسى والحزن بينما هم يشعرون أن أرواحهم في الجنة وأجسادهم على الأرض! وقصة الصحابي الجليل عمران بن حصين رضي الله عنه هي من الأدلة الواضحة على ذلك، فقد ابتلي رضي الله عنه بمرض شديد الزمه فراشه حتى قيل أنه كان يقضي حاجته من خلال فتحة في سريره لشدة مرضه، ومع ذلك فقد كان صابرا محتسبا ومتوكلاً على الله عز وجل، وعندما رآه بعض أصحابه شقّ عليهم أن يروا كيف اشتد المرض وطال عليه، وكيف تدهورت حالته، ولكنه رضي الله عنه عندما رآى جزعهم عليه ابتسم وأخبرهم أنه في نعيم لا يساويه نعيم في الدنيا وأن الملائكة كانت تسلم عليه، فهل نستطيع أن نتصور مقدار السعادة والطمأنينة التي يعيش فيها من تسلم عليه ملائكة الرحمن؟(5) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftn5) .
ولأهمية صحة الروح والجانب الروحي كان من اللازم ذكرها في مقدمة المواضيع في باب الشفاء، ولأنه في كثير من الأحيان يكون سبب المرض الجسدي أو النفسي أو الذهني ناشئاً من المرض الروحي ولا يوجد سبيل لشفائه إلا من خلال الشفاء الروحي بالوسائل التي ذكرها ابن القيم رحمه الله وأول مراحل الشفاء تبدأ من المبادئ والأسس التي تعلمها الإنسان كمعتقده الإيماني كما سنرى في الحديث عن بداية الشفاء في الجزء الثاني بإذن الله.
(1) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftnref1) سورة الاسراء آية رقم 70
(2) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftnref2) ولا يستبعد حدوث خلل منذ فترة ولكنه غير ظاهر حتى تلك اللحظة
(3) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftnref3) نعوذ بالله من حال آخر الزمان حيث يصبح المرء مؤمناً و يمسي كافرا او يمسي مؤمنا و يصبح كافراً
(4) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftnref4) الطب النبوي لابن القيم ص 21- تحقيق محمد الأنور البلتاجي
(5) (http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31#_ftnref5) وقد وردت قصته رضي الله في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه حديث 2927 كتاب الحج 8/ 162: "وعن عمران بن الحصين رضي الله عنه قال "وقد كان يُسلم عليَّ - أي الملائكة تسلم عليه - حتى اكتويت، فتركت ، ثم تركت الكي فعاد".
لمزيد من المعلومات رجوع للمصدر ...
http://www.bishil.com/ArticleDetail.aspx?artid=31