العذراء
11/07/2006, 11:51 PM
أهل اليقين
السلام عليكم ورحمة الله وبلاكاته
بسم الله الرحمن الرحيم
اليقين صفة من صفات الإيمان والصلاح، ومقام من مقامات الصدق والفلاح، لا يهبه الله تعالى إلا لخاصة عباده من الأنبياء والأولياء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. ومن أوتي اليقين فقد أوتي حظا عظيما، فما معنى اليقين؟ وفيم يكون اليقين؟ وكيف يتعلم ؟ وما هي صفات الموقنين؟
اليقين في اللغة من أيقن يوقن إيقانا فهو موقن، ويقن ييقن يقنا فهو يقن واليقين نقيض الشك[ لسان العرب ] ، واليقين طمأنينة القلب على حقيقة الشيء واصطلاحا تصديق جازم لا يقبل الشك، واليقين والإيقان العلم دون الشك، يقال: يقنت الأمر بالكسر يقنا وأيقنت واستيقنت وتيقنت كلها بمعنى واحد، وأنا على يقين منه. وإنما صارت الياء واوا في قولك موقن للضمة قبلها وإذا صغرته رددته إلى الأصل فقلت مييقن والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها.
وقيل اليقين هو ارتفاع الريب ومشهد الغيب. وقد وصف الله المؤمنين بالإيمان بالغيب والإيمان التصديق وإنما يصدق المرء الشيء حتى يتقرر عنده فيصير كالمشاهد والمشاهدة بالقلب هي اليقين. فعلم كل عاقل بالموت مثلا هو علم يقين فإذا عاين الملائكة فعين يقين فإذا فارق الموت فهو حق اليقين. والعلم والعين والحق والمعرفة كلها مراتب ترتقى في الإيمان، فما السبيل إلى هذا الترقي؟
نور اليقين
اليقين علم قلبي ومشاهدة وحق ومعرفة، اليقين نور، علم اليقين هو العلم بما أخبرنا الله به عن طريق نبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتصديق ذلك، وحق اليقين هو التحقق من ذلك التصديق حسا ومعاينة ومعايشة، وقيل عين اليقين "ما أعطت المشاهدة والكشف"، ونور اليقين من نور الله قال الإمام أحمد رضي الله عنه: اليقين نور يجعله الله في قلب العبد حتى يشاهد به أمور آخرته ويخرق بقوته كل حجاب بينه وبين ما في الآخرة حتى يطالع تلك الأمور كالمشاهد لها".
قال سفيان الثوري رضي الله عنه: "اليقين أن لا تتهم مولاك في كل ما أصابك"، وقال أيضا: "ابتداء اليقين المكاشفة لقوله لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ثم المعاينة ثم المشاهدة".
فسيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم يعلم قدرة الله تعالى على إحياء الموتى علما يقينا لا يحتمل النقيض ولكنه أحب أن يشاهد ذلك عيانا ويترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، وقال عياض: لم يشك إبراهيم بأن الله يحيى الموتى ولكن أراد طمأنينة القلب وترك المنازعة لمشاهدة الأحياء فحصل له العلم الأول بوقوعه وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته. ويحتمل أنه سأل زيادة اليقين وإن لم يكن في الأول شك لأن العلوم قد تتفاوت في قوتها فأراد الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين. وقيل أن معنى قوله تعالى: { أو لم تؤمن } أي أو لم تصدق بعظم منزلتك عندي واصطفائك وخلتك؟ قال سهل بن عبد الله التستري: سأل كشف غطاء العيان ليزداد بنور اليقين.
فإذا أشرق نور اليقين في الصدر ذهبت الحيرة وزالت المخاوف واطمئن القلب ونشطت الأعضاء للطاعة.
الإيمان كله
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اليقين الإيمان كله ) ، فأقوى قوة للسلوك إلى الله واقتحام عقبات النفس وإكراهات الواقع هي قوة الإيمان ولما يستقر الإيمان في القلب ويصدقه العمل الصالح بالجوارح تتشكل قوة اليقين التي لا تهزم.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: " اليقين هو أصل الإيمان فإذا أيقن القلب انبعثت الجوارح كلها للقاء الله بالأعمال الصالحة "، وإذا كان الإيمان شعبا ومدارج للسالكين فكذلك اليقين ليس على مرتبة واحدة إنما هو على مراتب متفاوتة بتفاوت إيمان المؤمنين وقابليتهم وحظهم في السلوك إلى الله، وقبل ذلك ومعه وبعده بتوفيق الله تعالى ومنه وفضله وعطائه. وقد تنتهي أعمار الناس ولا تنتهي مدارج اليقين. قال سفيان الثوري رضي الله عنه: "لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي لطار اشتياقا"كما ينبغي (مقام) كما ينبغي .. لطار القلب .. القلب .. اشتياقا. سبحان الله! ليس اليقين برهانا فلسفيا، ولا استدلالا كلاميا، ولا إقناعا عقليا، ولا مطالعة فكرية، إنما هو نور يقع في قلب متشوق. قال صلى الله عليه وسلم للصديق الوفي رضي الله عنه وهما في الغار، والأذى يلاحقهم من كل جهة: { لا تحزن إن الله معنا } معنا الله. { ما ظنك باثنين الله ثالثهما } يقين في الله، في معيته ونصره، ولو أجمع أهل الأرض قاطبة إنسهم وجنهم ليشككوه ما وجدوا عنده مثقال ذرة من الشك في الله، قال عز من قائل: { أفي الله شك فاطر السماوات والأرض } .
سئل سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه :يا أمير المؤمنين ! ما الإيمان؟ فقال: "الإيمان على أربع دعائم: على الصبر والعدل واليقين والجهاد". مهمات هي دعائم اليقين يا مدعي. ونفسي الغافلة أقصد. الصبر مع العدل واليقين مع الجهاد.
على اليقين كنت وعليه مت
اليقين تصديق ممتد من الدنيا إلى الآخرة، يقين متصل من هنا إلى هناك من غير انفصال، قال الله تعالى: { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } [ البقرة الآية4]
إيمان بكل ما جاء به الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم من شعائر وشرائع وأخلاق وأخبار، وبما جاء به النبيئون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن به مؤمنون. { وبالآخرة هم يوقنون } بما في الآخرة من حياة برزخية وبعث ونشور ووقوف وحساب وميزان وشفاعة وجنة ونار، يوقنون بالرجوع إلى الله مولاهم الحق : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ، والظن هنا بمعنى اليقين. "ولا يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح".
سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا حارثة: "كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: "أصبحت مؤمنا حقا. قال فانظر ما تقول فإن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا وسهرت لذلك ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. قال صلى الله عليه وسلم: ( يا حارثة عرفت فالزم - قالها ثلاثا - رجل نور الله قلبه ) . في قلبه نور به يرى ما لا يراه غيره: العرش والجنة والنار. عرف معرفة اليقين، فلزم الصيام والقيام ومراقبة الحق عز وجل.
وقيل في تفسير قوله جل وعلا: { يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية } المطمئنة هي الساكنة الموقنة بالإيمان وتوحيد الله، الواصلة إلى ثلج اليقين بحيث لا يخالطها شك ولا يعتريها ريب. قال الحسن: هي المؤمنة الموقنة. وقال مجاهد: الراضية بقضاء الله التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها وقال مقاتل هي الآمنة المطمئنة. وقال ابن كيسان: المطمئنة بذكر الله، وقيل المخلصة: قال ابن زيد: المطمئنة لأنها بشرت بالجنة عند الموت وعند البعث.
المؤمن الموقن يهون الله عليه مصائب الدنيا بحسب ما معه من يقين، فيحقر ما يعظمه الغافلون ويفضل ما يدوم على ما يزول، فيحيى موقنا ويموت موقنا مطمئن القلب، ويقال له: "...على اليقين كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله". اللهم اجعلنا كذلك.
تعلموا اليقين
ليس اليقين مجرد اعترافات وقناعات نظرية، يتلوها التلهي والحلم، أوالتأفف والحوقلة القاعدة، إنما اليقين الحق هو حمل هم الجهاد على بصيرة، وعلى جميع المستويات وفي مختلف الظروف، ولا يمكننا أن نفهم اليقين أكثر من فهم الصحابة رضي الله عنهم له، فلقد تعلموه من المعلم الأعظم صلى الله عليه وسلم بالصحبة والنصرة مع الصبر والتجلد في مواطن الجهاد. عن خالد بن معدان رضي الله عنه أن سيد الموقنين صلى الله عليه وسلم قال: "تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه فإني أتعلمه"، فالأمر إذن علم يتعلم، والتعلم فعل يتوقف على وجود شخص المعلم الماهر المتخصص في المادة التي يعلمها، لأنه من المحال على فاقد العلم أن يعلم، كما يتوقف أيضا على إرادة ورغبة المتعلم أو المتعلمين في الطلب والتحصيل وعلى صبرهم ودأبهم، "حتى تعرفوه" ... حتى.
وأهمية تعلم اليقين كأهمية تعلم القرآن، لأن القرآن بلا يقين لا يفيد ولا يثمر سلوكا، بل ينبغي أن يتعلم الإيمان قبل القرآن كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وإلا فيمكن معرفة حروف القرآن وإتقان قراءته بلا إيمان، قال الله تعالى: { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين } الذين يعلمون بألسنتهم، وقلوبهم منكرة مرتابة. نسأل الله تعالى أن يعلمنا اليقين والقرآن معا.
قال تعالى: { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } أي بينا العلامات والدلالات الواضحة لمن آمن وصدق واتبع نور الوحي بكليته، والمؤمنون وحدهم هم الذين يعلمون أنها آيات من ربهم فيتعاملون معها بيقين لا يتزعزع، حتى ولو جاءتهم البلايا من كل جانب وجمع لهم الناس فإنهم يظلون ثابتين بل يزدادون إيمانا، وأولئك هم المهتدون، إذ جعل الله لهم بصائر من عنده يتبصرون بها، أنوار من الله يرون بها، { هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون } [ الجاثية : 20 ] قال ابن كثير: "أي القرآن للذين يوقنون"، الذين يتبعون الرسول صلى الله عليه وسلم في كل أمر ولا يخشون الناس في اتباعه، الأمر عندهم أمر الله والحكم حكم الله، { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } ، [ المائدة50 ] أما المنافقون فقد قال فيهم العليم الخبير: { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم } . فلا يستجيب لنداء الله ولا يدعن له ولا يطلب حكمه ولا يريده ولا يسعى إلى تطبيقه إلا من آمن واتقى وكان على يقين بالله وبالآخرة، قال الحق سبحانه: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم"الآية، وقال أيضا: { إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } قال ابن عباس ليميز أهل اليقين من أهل الشك.
السلام عليكم ورحمة الله وبلاكاته
بسم الله الرحمن الرحيم
اليقين صفة من صفات الإيمان والصلاح، ومقام من مقامات الصدق والفلاح، لا يهبه الله تعالى إلا لخاصة عباده من الأنبياء والأولياء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. ومن أوتي اليقين فقد أوتي حظا عظيما، فما معنى اليقين؟ وفيم يكون اليقين؟ وكيف يتعلم ؟ وما هي صفات الموقنين؟
اليقين في اللغة من أيقن يوقن إيقانا فهو موقن، ويقن ييقن يقنا فهو يقن واليقين نقيض الشك[ لسان العرب ] ، واليقين طمأنينة القلب على حقيقة الشيء واصطلاحا تصديق جازم لا يقبل الشك، واليقين والإيقان العلم دون الشك، يقال: يقنت الأمر بالكسر يقنا وأيقنت واستيقنت وتيقنت كلها بمعنى واحد، وأنا على يقين منه. وإنما صارت الياء واوا في قولك موقن للضمة قبلها وإذا صغرته رددته إلى الأصل فقلت مييقن والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها.
وقيل اليقين هو ارتفاع الريب ومشهد الغيب. وقد وصف الله المؤمنين بالإيمان بالغيب والإيمان التصديق وإنما يصدق المرء الشيء حتى يتقرر عنده فيصير كالمشاهد والمشاهدة بالقلب هي اليقين. فعلم كل عاقل بالموت مثلا هو علم يقين فإذا عاين الملائكة فعين يقين فإذا فارق الموت فهو حق اليقين. والعلم والعين والحق والمعرفة كلها مراتب ترتقى في الإيمان، فما السبيل إلى هذا الترقي؟
نور اليقين
اليقين علم قلبي ومشاهدة وحق ومعرفة، اليقين نور، علم اليقين هو العلم بما أخبرنا الله به عن طريق نبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتصديق ذلك، وحق اليقين هو التحقق من ذلك التصديق حسا ومعاينة ومعايشة، وقيل عين اليقين "ما أعطت المشاهدة والكشف"، ونور اليقين من نور الله قال الإمام أحمد رضي الله عنه: اليقين نور يجعله الله في قلب العبد حتى يشاهد به أمور آخرته ويخرق بقوته كل حجاب بينه وبين ما في الآخرة حتى يطالع تلك الأمور كالمشاهد لها".
قال سفيان الثوري رضي الله عنه: "اليقين أن لا تتهم مولاك في كل ما أصابك"، وقال أيضا: "ابتداء اليقين المكاشفة لقوله لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ثم المعاينة ثم المشاهدة".
فسيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم يعلم قدرة الله تعالى على إحياء الموتى علما يقينا لا يحتمل النقيض ولكنه أحب أن يشاهد ذلك عيانا ويترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، وقال عياض: لم يشك إبراهيم بأن الله يحيى الموتى ولكن أراد طمأنينة القلب وترك المنازعة لمشاهدة الأحياء فحصل له العلم الأول بوقوعه وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته. ويحتمل أنه سأل زيادة اليقين وإن لم يكن في الأول شك لأن العلوم قد تتفاوت في قوتها فأراد الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين. وقيل أن معنى قوله تعالى: { أو لم تؤمن } أي أو لم تصدق بعظم منزلتك عندي واصطفائك وخلتك؟ قال سهل بن عبد الله التستري: سأل كشف غطاء العيان ليزداد بنور اليقين.
فإذا أشرق نور اليقين في الصدر ذهبت الحيرة وزالت المخاوف واطمئن القلب ونشطت الأعضاء للطاعة.
الإيمان كله
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اليقين الإيمان كله ) ، فأقوى قوة للسلوك إلى الله واقتحام عقبات النفس وإكراهات الواقع هي قوة الإيمان ولما يستقر الإيمان في القلب ويصدقه العمل الصالح بالجوارح تتشكل قوة اليقين التي لا تهزم.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: " اليقين هو أصل الإيمان فإذا أيقن القلب انبعثت الجوارح كلها للقاء الله بالأعمال الصالحة "، وإذا كان الإيمان شعبا ومدارج للسالكين فكذلك اليقين ليس على مرتبة واحدة إنما هو على مراتب متفاوتة بتفاوت إيمان المؤمنين وقابليتهم وحظهم في السلوك إلى الله، وقبل ذلك ومعه وبعده بتوفيق الله تعالى ومنه وفضله وعطائه. وقد تنتهي أعمار الناس ولا تنتهي مدارج اليقين. قال سفيان الثوري رضي الله عنه: "لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي لطار اشتياقا"كما ينبغي (مقام) كما ينبغي .. لطار القلب .. القلب .. اشتياقا. سبحان الله! ليس اليقين برهانا فلسفيا، ولا استدلالا كلاميا، ولا إقناعا عقليا، ولا مطالعة فكرية، إنما هو نور يقع في قلب متشوق. قال صلى الله عليه وسلم للصديق الوفي رضي الله عنه وهما في الغار، والأذى يلاحقهم من كل جهة: { لا تحزن إن الله معنا } معنا الله. { ما ظنك باثنين الله ثالثهما } يقين في الله، في معيته ونصره، ولو أجمع أهل الأرض قاطبة إنسهم وجنهم ليشككوه ما وجدوا عنده مثقال ذرة من الشك في الله، قال عز من قائل: { أفي الله شك فاطر السماوات والأرض } .
سئل سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه :يا أمير المؤمنين ! ما الإيمان؟ فقال: "الإيمان على أربع دعائم: على الصبر والعدل واليقين والجهاد". مهمات هي دعائم اليقين يا مدعي. ونفسي الغافلة أقصد. الصبر مع العدل واليقين مع الجهاد.
على اليقين كنت وعليه مت
اليقين تصديق ممتد من الدنيا إلى الآخرة، يقين متصل من هنا إلى هناك من غير انفصال، قال الله تعالى: { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } [ البقرة الآية4]
إيمان بكل ما جاء به الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم من شعائر وشرائع وأخلاق وأخبار، وبما جاء به النبيئون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن به مؤمنون. { وبالآخرة هم يوقنون } بما في الآخرة من حياة برزخية وبعث ونشور ووقوف وحساب وميزان وشفاعة وجنة ونار، يوقنون بالرجوع إلى الله مولاهم الحق : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ، والظن هنا بمعنى اليقين. "ولا يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح".
سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا حارثة: "كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: "أصبحت مؤمنا حقا. قال فانظر ما تقول فإن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا وسهرت لذلك ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. قال صلى الله عليه وسلم: ( يا حارثة عرفت فالزم - قالها ثلاثا - رجل نور الله قلبه ) . في قلبه نور به يرى ما لا يراه غيره: العرش والجنة والنار. عرف معرفة اليقين، فلزم الصيام والقيام ومراقبة الحق عز وجل.
وقيل في تفسير قوله جل وعلا: { يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية } المطمئنة هي الساكنة الموقنة بالإيمان وتوحيد الله، الواصلة إلى ثلج اليقين بحيث لا يخالطها شك ولا يعتريها ريب. قال الحسن: هي المؤمنة الموقنة. وقال مجاهد: الراضية بقضاء الله التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها وقال مقاتل هي الآمنة المطمئنة. وقال ابن كيسان: المطمئنة بذكر الله، وقيل المخلصة: قال ابن زيد: المطمئنة لأنها بشرت بالجنة عند الموت وعند البعث.
المؤمن الموقن يهون الله عليه مصائب الدنيا بحسب ما معه من يقين، فيحقر ما يعظمه الغافلون ويفضل ما يدوم على ما يزول، فيحيى موقنا ويموت موقنا مطمئن القلب، ويقال له: "...على اليقين كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله". اللهم اجعلنا كذلك.
تعلموا اليقين
ليس اليقين مجرد اعترافات وقناعات نظرية، يتلوها التلهي والحلم، أوالتأفف والحوقلة القاعدة، إنما اليقين الحق هو حمل هم الجهاد على بصيرة، وعلى جميع المستويات وفي مختلف الظروف، ولا يمكننا أن نفهم اليقين أكثر من فهم الصحابة رضي الله عنهم له، فلقد تعلموه من المعلم الأعظم صلى الله عليه وسلم بالصحبة والنصرة مع الصبر والتجلد في مواطن الجهاد. عن خالد بن معدان رضي الله عنه أن سيد الموقنين صلى الله عليه وسلم قال: "تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه فإني أتعلمه"، فالأمر إذن علم يتعلم، والتعلم فعل يتوقف على وجود شخص المعلم الماهر المتخصص في المادة التي يعلمها، لأنه من المحال على فاقد العلم أن يعلم، كما يتوقف أيضا على إرادة ورغبة المتعلم أو المتعلمين في الطلب والتحصيل وعلى صبرهم ودأبهم، "حتى تعرفوه" ... حتى.
وأهمية تعلم اليقين كأهمية تعلم القرآن، لأن القرآن بلا يقين لا يفيد ولا يثمر سلوكا، بل ينبغي أن يتعلم الإيمان قبل القرآن كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وإلا فيمكن معرفة حروف القرآن وإتقان قراءته بلا إيمان، قال الله تعالى: { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين } الذين يعلمون بألسنتهم، وقلوبهم منكرة مرتابة. نسأل الله تعالى أن يعلمنا اليقين والقرآن معا.
قال تعالى: { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } أي بينا العلامات والدلالات الواضحة لمن آمن وصدق واتبع نور الوحي بكليته، والمؤمنون وحدهم هم الذين يعلمون أنها آيات من ربهم فيتعاملون معها بيقين لا يتزعزع، حتى ولو جاءتهم البلايا من كل جانب وجمع لهم الناس فإنهم يظلون ثابتين بل يزدادون إيمانا، وأولئك هم المهتدون، إذ جعل الله لهم بصائر من عنده يتبصرون بها، أنوار من الله يرون بها، { هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون } [ الجاثية : 20 ] قال ابن كثير: "أي القرآن للذين يوقنون"، الذين يتبعون الرسول صلى الله عليه وسلم في كل أمر ولا يخشون الناس في اتباعه، الأمر عندهم أمر الله والحكم حكم الله، { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } ، [ المائدة50 ] أما المنافقون فقد قال فيهم العليم الخبير: { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم } . فلا يستجيب لنداء الله ولا يدعن له ولا يطلب حكمه ولا يريده ولا يسعى إلى تطبيقه إلا من آمن واتقى وكان على يقين بالله وبالآخرة، قال الحق سبحانه: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم"الآية، وقال أيضا: { إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } قال ابن عباس ليميز أهل اليقين من أهل الشك.