الفارس الذهبي
28/06/2008, 12:39 PM
دروسٌ في النضج
خالد المحمود ـ الجزيرة توك
http://www.aljazeeratalk.net/forum/upload/1/1214561200.jpg
قد تكون شهادتي في ألبوم (أسئلة) للفنان فهد الكبيسي مجروحة جداً الآن. وليس ذلك لكوني كاتب كلمات الأغنية الرئيسة في الألبوم فحسب، إنما لأنني أعتبر نفسي جزءاً من مشروع فهد وشريكاً له في رسالته التي يسعى لإيصالها من خلال الفن.لولا أن هذه الظروف بعينها هي ما تجعلني في موقع أستطيع خلاله رؤية تفاصيل قد لا يراها غيري, فيما توفر لي في نفس الوقت فرصة الابتعاد عن جزئيات المشهد العام لأبصر الصورة الكاملة.
وما أسعى إليه، في هذا المقال ، هو أن أستجمع ما تناثر من مشاهدات يمكن أن ترسم لنا لوحة متكاملة ترصد حركة هذا المشروع الناشئ والجريء معاً..
(1)
قبل عامين، وبعد صدور ألبوم فهد الموسيقي الأول، كتبت مقالة نشرتها صحيفة الشرق القطرية بعنوان (ليش، وأسئلة أخرى). طبعاً لم يخطر بظن أحد دون أن أستثني نفسي، أن تلك الـ(أسئلة) الأخرى ستكون هي عنوان الألبوم التالي.
في ذلك المقال تعرضت لنقاط ثلاث: الأولى أن فهد وضع القائمين على إنتاج الأغاني في لحظة مصارحة مع الذات، باعتبار أنه أكد لنا بانتشار شريطه ذي المقام المختلف تماماً كذب تلك المقولة بأن (الجمهور عايز كده)، فلا حاجة لهم أن يقنعونا بأننا نستهوي الرديء على حساب الجيد.
الثانية أن ظهور فهد لم يقتصر عليه كمطرب، بل استصحب معه مجموعة من الكفاءات الفنية العالية في مجالات الشعر والتلحين، وأنه لولا ذلك الألبوم لظلت تلك الأصوات محكوماً عليه بالعزلة. وقد أكدتُ عندها حاجة الشعراء إلى تحرّي الفنّ في قصائدهم قبل الموعظة، حتى لا يتحول العمل الفني إلى خطبة جمعة تأباها النفس لكونها جاءت في غير موضعها.
أما الثالثة فهي أن فهد أعاد الاعتبار لكلمة النجومية بعدما أصبحت تلقى جزافاً على من لا يستحق في شتى قطاعات المجتمع- سواء في الفن أو الرياضة أو حتى السياسة. ورغم أنني أكدت على حرصي على عدم الاستعجال بتسميته نجماً حينها، فإني أكدت على ثقتي في استحقاقه لها عاجلاً أم آجلاً.
الآن، وبعد مرور عامين على إنتاجه الأولى موسيقياً، فإن الكثير من ملامح التجربة غدت أكثر وضوحا. فما الذي تغير؟!
(2)
بداية ً، فإن فهد نفسه تطور كثيراً كفنان. ومجرد التأمل في اختياراته في نوعية ما يقدمه كمطرب يعطي صورة جلية لذلك التطور.
http://www.aljazeeratalk.net/forum/upload/1/1214561382.jpg
مقارنة بسيطة بين ألبومي (ليش) و (أسئلة) تعطينا الدليل.
في ألبوم (ليش) كان واضحاً حرص فهد على أن ينأى بنفسه ومشروعه عما يطرح في السوق من أغان، ولذلك فإنه تجنب الأغاني العاطفية بالكامل. طبعاً، الأمر بدى طبيعياً في حينها، لأنه يحاول أن يُعرّف نفسه ومشروعه الجديد للجمهور. ناهيك عن كونه قد انتقل من الساحة الإنشادية إلى الموسيقية بسرعة، فألبومه الإنشادي الأخير (إلى روحي) صدر في أواخر 2004، أي قبل أقل من عامين من ألبوم (ليش). وهذا وضع أمامه بعض العراقيل النفسية والعاطفية لردة الفعل المتوقعة من قبل الحريصين على اقتصاره على الإيقاعات والإنشاد فحسب. فيما حمل ألبومه الجديد عدة أعمال عاطفية، كان الالتزام فيها واضحاً بقدر ما كان الفن فيها جلياً. وهذا يقيناً يُحسب لصالحه ولصالح مشروعه.
صحيح أن هذه الأعمال العاطفية غلب عليها صيغة السلبية، وهذا الأمر يحتاج إلى بحث منفصل ربما، إلا أن هناك نقطتين يمكن إيرادهما في هذا السياق:
الأولى: أن المسؤولية تقع بدرجة أكبر على الشعراء، دون إعفاء فهد من مسؤولية الاختيار طبعاً. ذلك أن هناك اتجاهاً عاماً لدى عموم شعراء العرب المعاصرين (وشعراء العامية بشكل خاص) للتعبير عن عاطفة الحب بأن يقرنوها بالألم والمرارة وربما الخيانة في غالبية أعمالهم.
بيد أن الشاعر الذي يشارك فهد في مشروعه ينبغي عليه أن يتحرى رسمَ مستقبل أفضل يمكن أن نصل إليه عوضاً عن واقع بئيس نعيش فيه. وهذا أمر يحتاج الشعراء إلى تغيير قناعاتهم الشخصية بشأنه أولاً، ليتمكنوا من تحقيقه في محاولاتهم الشعرية.
الثانية: أن نسبة تلك السلبية كانت مخففة جداً مقارنة بما يتم إصداره في السوق. فرغم أن كلمات (اكتفيت) تشير إلى من يجهز سهامه بعد أن يظهر الابتسام، فإن (مو عادتي) انتهجت البكائية الكلاسيكية في تناول موضوع المحبة التي قد يصعب تحقيقها، فيما كانت (وا عزتي) مجرد وصف لمحب ساهر لم يلتفت إلى ألمه من حوله. وكانت (وعدك متى) للراحل طلال مداح سؤالاً لمحب غائب يُنتظر إنجازه لوعده باللقاء.
وفيما عدا ذاك، فإن بقية الأغاني حملت طابعاً أكثر إيجابية، فكانت (عرفت الحب) نموذجاً يحتذى في الشعر العاطفي. فعلاوة على تعبيرها عن عاطفة الحب بإيجابية عالية، فإنها جمعت المعنى والنص الجميلين بالالتزام الخلقي الراقي. وما أزعم أنه أهم من ذلك، أنها لم تسلك سبيل المباشرة في التعبير عن محبة المرأة لزوجها، فاكتفى الشاعر بقوله (باختصار انت غلاتي، بيتي وشمعة حياتي) ليوصل فكرة تغزل الزوجة بزوجها في بيت الزوجية، دون الحاجة لتسمية تلك العلاقة، وأنها تمت على سنة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، بعقد شرعي وحضور الشهود!
خالد المحمود ـ الجزيرة توك
http://www.aljazeeratalk.net/forum/upload/1/1214561200.jpg
قد تكون شهادتي في ألبوم (أسئلة) للفنان فهد الكبيسي مجروحة جداً الآن. وليس ذلك لكوني كاتب كلمات الأغنية الرئيسة في الألبوم فحسب، إنما لأنني أعتبر نفسي جزءاً من مشروع فهد وشريكاً له في رسالته التي يسعى لإيصالها من خلال الفن.لولا أن هذه الظروف بعينها هي ما تجعلني في موقع أستطيع خلاله رؤية تفاصيل قد لا يراها غيري, فيما توفر لي في نفس الوقت فرصة الابتعاد عن جزئيات المشهد العام لأبصر الصورة الكاملة.
وما أسعى إليه، في هذا المقال ، هو أن أستجمع ما تناثر من مشاهدات يمكن أن ترسم لنا لوحة متكاملة ترصد حركة هذا المشروع الناشئ والجريء معاً..
(1)
قبل عامين، وبعد صدور ألبوم فهد الموسيقي الأول، كتبت مقالة نشرتها صحيفة الشرق القطرية بعنوان (ليش، وأسئلة أخرى). طبعاً لم يخطر بظن أحد دون أن أستثني نفسي، أن تلك الـ(أسئلة) الأخرى ستكون هي عنوان الألبوم التالي.
في ذلك المقال تعرضت لنقاط ثلاث: الأولى أن فهد وضع القائمين على إنتاج الأغاني في لحظة مصارحة مع الذات، باعتبار أنه أكد لنا بانتشار شريطه ذي المقام المختلف تماماً كذب تلك المقولة بأن (الجمهور عايز كده)، فلا حاجة لهم أن يقنعونا بأننا نستهوي الرديء على حساب الجيد.
الثانية أن ظهور فهد لم يقتصر عليه كمطرب، بل استصحب معه مجموعة من الكفاءات الفنية العالية في مجالات الشعر والتلحين، وأنه لولا ذلك الألبوم لظلت تلك الأصوات محكوماً عليه بالعزلة. وقد أكدتُ عندها حاجة الشعراء إلى تحرّي الفنّ في قصائدهم قبل الموعظة، حتى لا يتحول العمل الفني إلى خطبة جمعة تأباها النفس لكونها جاءت في غير موضعها.
أما الثالثة فهي أن فهد أعاد الاعتبار لكلمة النجومية بعدما أصبحت تلقى جزافاً على من لا يستحق في شتى قطاعات المجتمع- سواء في الفن أو الرياضة أو حتى السياسة. ورغم أنني أكدت على حرصي على عدم الاستعجال بتسميته نجماً حينها، فإني أكدت على ثقتي في استحقاقه لها عاجلاً أم آجلاً.
الآن، وبعد مرور عامين على إنتاجه الأولى موسيقياً، فإن الكثير من ملامح التجربة غدت أكثر وضوحا. فما الذي تغير؟!
(2)
بداية ً، فإن فهد نفسه تطور كثيراً كفنان. ومجرد التأمل في اختياراته في نوعية ما يقدمه كمطرب يعطي صورة جلية لذلك التطور.
http://www.aljazeeratalk.net/forum/upload/1/1214561382.jpg
مقارنة بسيطة بين ألبومي (ليش) و (أسئلة) تعطينا الدليل.
في ألبوم (ليش) كان واضحاً حرص فهد على أن ينأى بنفسه ومشروعه عما يطرح في السوق من أغان، ولذلك فإنه تجنب الأغاني العاطفية بالكامل. طبعاً، الأمر بدى طبيعياً في حينها، لأنه يحاول أن يُعرّف نفسه ومشروعه الجديد للجمهور. ناهيك عن كونه قد انتقل من الساحة الإنشادية إلى الموسيقية بسرعة، فألبومه الإنشادي الأخير (إلى روحي) صدر في أواخر 2004، أي قبل أقل من عامين من ألبوم (ليش). وهذا وضع أمامه بعض العراقيل النفسية والعاطفية لردة الفعل المتوقعة من قبل الحريصين على اقتصاره على الإيقاعات والإنشاد فحسب. فيما حمل ألبومه الجديد عدة أعمال عاطفية، كان الالتزام فيها واضحاً بقدر ما كان الفن فيها جلياً. وهذا يقيناً يُحسب لصالحه ولصالح مشروعه.
صحيح أن هذه الأعمال العاطفية غلب عليها صيغة السلبية، وهذا الأمر يحتاج إلى بحث منفصل ربما، إلا أن هناك نقطتين يمكن إيرادهما في هذا السياق:
الأولى: أن المسؤولية تقع بدرجة أكبر على الشعراء، دون إعفاء فهد من مسؤولية الاختيار طبعاً. ذلك أن هناك اتجاهاً عاماً لدى عموم شعراء العرب المعاصرين (وشعراء العامية بشكل خاص) للتعبير عن عاطفة الحب بأن يقرنوها بالألم والمرارة وربما الخيانة في غالبية أعمالهم.
بيد أن الشاعر الذي يشارك فهد في مشروعه ينبغي عليه أن يتحرى رسمَ مستقبل أفضل يمكن أن نصل إليه عوضاً عن واقع بئيس نعيش فيه. وهذا أمر يحتاج الشعراء إلى تغيير قناعاتهم الشخصية بشأنه أولاً، ليتمكنوا من تحقيقه في محاولاتهم الشعرية.
الثانية: أن نسبة تلك السلبية كانت مخففة جداً مقارنة بما يتم إصداره في السوق. فرغم أن كلمات (اكتفيت) تشير إلى من يجهز سهامه بعد أن يظهر الابتسام، فإن (مو عادتي) انتهجت البكائية الكلاسيكية في تناول موضوع المحبة التي قد يصعب تحقيقها، فيما كانت (وا عزتي) مجرد وصف لمحب ساهر لم يلتفت إلى ألمه من حوله. وكانت (وعدك متى) للراحل طلال مداح سؤالاً لمحب غائب يُنتظر إنجازه لوعده باللقاء.
وفيما عدا ذاك، فإن بقية الأغاني حملت طابعاً أكثر إيجابية، فكانت (عرفت الحب) نموذجاً يحتذى في الشعر العاطفي. فعلاوة على تعبيرها عن عاطفة الحب بإيجابية عالية، فإنها جمعت المعنى والنص الجميلين بالالتزام الخلقي الراقي. وما أزعم أنه أهم من ذلك، أنها لم تسلك سبيل المباشرة في التعبير عن محبة المرأة لزوجها، فاكتفى الشاعر بقوله (باختصار انت غلاتي، بيتي وشمعة حياتي) ليوصل فكرة تغزل الزوجة بزوجها في بيت الزوجية، دون الحاجة لتسمية تلك العلاقة، وأنها تمت على سنة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، بعقد شرعي وحضور الشهود!