العذراء
24/07/2006, 03:28 AM
نقص الأرض من أطرافها
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى :( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ {41}) (سورة الرعد).
جاءت هذه الآية الكريمة في خواتيم سورة الرعد, وهي السورة الوحيدة من سور القرآن التي تحمل اسم ظاهرة من الظواهر الجوية, وسورة الرعد توصف بأنها سورة مدنية. وإن كان الخطاب فيها خطابا مكيا, يدور حول أسس العقيدة الإسلامية ومن أولها قضية الإيمان بالوحي المنزل من رب العالمين إلى خاتم الأنبياء والمرسلين( صلى الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه أجمعين), والإيمان بالحق الذي أشتمل عليه هذا الوحي الرباني, ومن ركائزه الإيمان بالله, وبوحدانيته المطلقة فوق كافة خلقه, والإيمان بملائكته, وكتبه, ورسله, وباليوم الآخر, وما يستتبعه من بعث ونشور, وعرض أكبر أمام الله, وحساب وجزاء, وما يستوجبه هذا الإيمان من خشية لله وتقواه, وحرص علي طلب رضاه بالعمل الصالح لأن ذلك كله نابع من الإيمان بالوحي, وبأن الله( تعالى ) هو منزل القرآن الداعي إلى عبادة الله بما أمر( سبحانه وتعالى), وبالقيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بحسن عمارتها, وإقامة عدل الله فيها.
وتعجب الآيات من منكري البعث والحساب والجزاء, الدين كفروا بربهم, وكذبوا رسله, وجحدوا آياته, وتعرض لشيء من عذابهم في الآخرة, وخلودهم في النار.
وتستشهد السورة في مواضع كثيرة منها بالعديد من الآيات والظواهر الكونية الدالة علي طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق والإفناء, وفي الأمانة والإحياء, وفي النفع والضر, والشاهدة علي أن كل ما جاء به القرآن الكريم حق مطلق,وإن كان أكثر الناس لا يؤمنون.
ثم تقارن الآيات بين أهل النار وأهل الجنة, وبين أوصاف كل فريق منهم وخصاله وأعماله, وضربت لهما مثلا بالأعمى والبصير, وبينت مصير كل من الفريقين, مع تصوير رائع لكل من الجنة والنار.
وتستطرد آيات سورة الرعد في الحديث عن عدد من الظواهر الكونية من مثل حدوث الرعد, والبرق, والصواعق, وتكوين السحاب الثقال, وإنزال المطر, وتدفق الأودية بمائه حاملة من الزبد والخبث الذي لا يلبث أن يذهب جفاء, وبما ينفع الناس من نفائس المعادن التي لا تلبث أن تمكث في الأرض, وتشبه الآيات الكريمة ذلك بكل من الباطل والحق, ولله المثل الأعلى.
ثم تعرض السورة لحقيقة غيبية تتمثل في تسبيح الرعد بحمد الله, وتسبيح الملائكة خشية لجلالة, وخيفة من سلطانه, وجميع من في السماوات والأرض يسجد لله طوعا وكرها, حتى ظلالهم فإنها تسجد لله بالغدو والآصال, أي مع دوران الأرض حول محورها أمام الشمس, فيمد الظل ويقبض في حركة كأنها الركوع والسجود.
وتنعي الآيات علي الكفار استهزاءهم بالرسل السابقين علي بعثة المصطفي( صلى الله عليه وسلم), وفي الإشارة إلى ذلك ضرب من التثبيت لرسول الله, والتأكيد له علي أن الابتلاء هو طريق النبوات, وطريق أصحاب الرسالات من بدء الخلق إلى قيام الدعوة المحمدية و إلى أن يرث الله( تعالى ) الأرض ومن عليها...!!! وتشير السورة بالقرب من نهايتها إلى فرح الصالحين من أهل الكتاب بمقدم الرسول الخاتم, في الوقت الذي حاول فيه الكفار والمشركون التشكيك في حقيقة رسالته وتؤكد إنزال القرآن حكما عربيا مبينا, وتدعو المصطفي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الحذر من ضغوط الكافرين من أجل إتباع أهوائهم. وتؤكد أنه ما كان لرسول من الرسل أن يأتي بآية إلا بإذن الله.
ثم تأتي الآية الكريمة التي نحن بصددها ناطقة بحقيقة كونية يقول عنها ربنا( تبارك وتعالى):
أو :(أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (41)
ويتكرر معني هذه الآية الكريمة مرة أخري في سورة الأنبياء والتي يقول فيها ربنا( تبارك وتعالى):( بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون)(الأنبياء:44).
ثم تختتم سورة الرعد بالحديث عن مكر الأمم السابقة الذي لم يضر المؤمنين شيئا لأن لله( تعالى ) المكر جميعا, وأن له( سبحانه وتعالى) عقبي الدار, كما تتحدث عن إنكار الكافرين لبعثة المصطفي( صلى الله عليه وسلم), وتأتي الآيات, مؤكدة أن الله تعالى يشهد له بالنبوة والرسالة وكذلك كل من عنده علم من رسالات الله السابقة لوجود ذكره ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الآيات التي لم تحرف من بقايا كتبهم.
وهنا يبرز التساؤل المنطقي: ما هو معني إنقاص الأرض من أطرافها في هاتين الآيتين الكريمتين؟ وما هو مغزى دلالتها العلمية والمعنوية؟ وقبل الخوض في ذلك لابد من استعراض سريع لشروح المفسرين.
شروح المفسرة لمعني إنقاص الأرض من أطرافها
في تفسير قول الحق( تبارك وتعالى): أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ذكر ابن كثير قول ابن عباس(رضي الله عنهما): أو لم يروا أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم الأرض بعد الأرض, وقوله في مقام آخر: إنقاصها من أطرافها هو خرابها بموت علمائها, وفقهائها, وأهل الخير منها وقال ابن كثير: والقول الأول أولي, وهو ظهور الإسلام علي الشرك قرية بعد قرية, كقوله تعالى :( ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى) الآية, وأشار إلى أن هذا هو اختيار ابن جرير.
كذلك ذكر ابن كثير قول كل من مجاهد وعكرمة: إنقاص الأرض من أطرافها معناه خرابها, أو هو موت علمائها, وقول كل من الحسن والضحاك: هو ظهور المسلمين علي المشركين, كما قالا: هو نقصان الأنفس والثمرات, وخراب الأرض, وقول الشعبي: لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك( أي بستانك), ولكن تنقص الأنفس والثمرات.
وذكر صاحبا تفسير الجلالين:( أو لم يروا) أي: أهل مكة وغيرها( أنا نأتي الأرض) نقصد أرضهم, ننقصها من أطرافها) بالفتح على النبي -صلى الله عليه وسلم -.
أما صاحب الظلال فذكر: أن يد الله القوية تأتي الأمم الغنية حين تبطر وتكفر وتفسد فتنقص من قوتها وقدرها وثرائها وتحصرها في رقعة ضيقة من الأرض بعد أن كانت ذات امتداد وسلطان.
وجاء في( صفوة البيان لمعاني القرآن) ما نصه:( أو لم يروا أنا نأتي الأرض..) أي أأنكروا نزول ما وعدناهم, أو شكوا ولم يروا أننا نفتح أرضهم من جوانبها ونلحقها بدار الإسلام!! أولم يروا هلاك من قبلهم وخراب ديارهم كقوم عاد وثمود! فكيف يأمنون حلول ذلك بهم!
وجاء في صفوة التفاسير ما نصه: أي أو لم ير هؤلاء المشركون أنا نمكن للمؤمنين من ديارهم ونفتح للرسول الأرض بعد الأرض حتى تنقص دار الكفر وتزيد دار الإسلام؟ وذلك من أقوي الأدلة علي أن الله منجز وعده لرسوله عليه السلام.
وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم ما نصه: وأن أمارات العذاب والهزيمة قائمة! ألم ينظروا إلى أنا نأتي الأرض التي قد استولوا عليها, يأخذها منهم المؤمنون جزءا بعد جزء؟ وبذلك ننقص عليهم الأرض من حولهم, والله وحده هو الذي يحكم بالنصر أو الهزيمة, والثواب أو العقاب, ولا راد لحكمه, وحسابه سريع في وقته, فلا يحتاج الفصل إلى وقت طويل, لأن عنده علم كل شيء, فالبينات قائمة. وفي الهامش جاء ذكر ما يلي: تتضمن هذه الآية حقائق وصلت إليها البحوث العلمية الأخيرة إذ ثبت أن سرعة دوران الأرض حول محورها, وقوة طردها المركزي يؤديان إلى تفلطح في القطبين وهو نقص في طرفي الأرض, وكذلك عرف أن سرعة انطلاق جزيئات الغازات المغلفة للكرة الأرضية, إذا ما جاوزت قوة جاذبية الأرض لها فإنها تنطلق إلى خارج الكرة الأرضية, وهذا يحدث بصفة مستمرة فتكون الأرض في نقص مستمر لأطرافها, لا أرض أعداء المؤمنين, وهذا احتمال في التفسير تقبله الآية الكريمة.
من الدلالات العلمية لإنقاص الأرض من أطرافها
ترد لفظة الأرض في القرآن الكريم بمعني الكوكب ككل, كما ترد بمعني اليابسة التي نحيا عليها من كتل القارات والجزر البحرية والمحيطية, وإن كانت ترد أيضا بمعني التربة التي تغطي صخور اليابسة. ولإنقاص الأرض من أطرافها في إطار كل معني من تلك المعاني عدد من الدلالات العلمية التي نحصي منها ما يلي:
أولا: في إطار دلالة لفظة الأرض علي الكوكب ككل في هذا الإطار نجد ثلاثة معان علمية بارزة يمكن إيجازها فيما يلي:
(أ) إنقاص الأرض من أطرافها بمعني انكماشها علي ذاتها وتناقص حجمها باستمرار:
يقدر متوسط قطر الأرض الحالية بحوالي12742 كم, ويقدر متوسط محيطها بنحو40042 كم, ويقدر حجمها بأكثر من مليون مليون كم3. وتفيد الدراسات أن أرضنا مرت بمراحل متعددة من التشكيل منذ انفصال مادتها عن سحابة الدخان الكوني التي نتجت عن عملية الانفجار العظيم إما مباشرة أو بطريقة غير مباشرة عبر سديم الدخان الذي تولدت عنه مجموعتنا الشمسية, وبذلك خلقت الأرض الابتدائية التي لم تكن سوي كومة ضخمة من الرماد ذات حجم هائل يقدر بمائة ضعف حجمها الحالي علي الأقل, ومكونة من عدد من العناصر الخفيفة. ثم ما لبثت تلك الكومة الابتدائية أن رجمت بوابل من النيازك الحديدية, والحديدية الصخرية, والصخرية, كتلك التي تصل الأرض في زماننا( والتي تتراوح كمياتها بين الألف والعشرة آلاف طن سنويا من مادة الشهب والنيازك).
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى :( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ {41}) (سورة الرعد).
جاءت هذه الآية الكريمة في خواتيم سورة الرعد, وهي السورة الوحيدة من سور القرآن التي تحمل اسم ظاهرة من الظواهر الجوية, وسورة الرعد توصف بأنها سورة مدنية. وإن كان الخطاب فيها خطابا مكيا, يدور حول أسس العقيدة الإسلامية ومن أولها قضية الإيمان بالوحي المنزل من رب العالمين إلى خاتم الأنبياء والمرسلين( صلى الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه أجمعين), والإيمان بالحق الذي أشتمل عليه هذا الوحي الرباني, ومن ركائزه الإيمان بالله, وبوحدانيته المطلقة فوق كافة خلقه, والإيمان بملائكته, وكتبه, ورسله, وباليوم الآخر, وما يستتبعه من بعث ونشور, وعرض أكبر أمام الله, وحساب وجزاء, وما يستوجبه هذا الإيمان من خشية لله وتقواه, وحرص علي طلب رضاه بالعمل الصالح لأن ذلك كله نابع من الإيمان بالوحي, وبأن الله( تعالى ) هو منزل القرآن الداعي إلى عبادة الله بما أمر( سبحانه وتعالى), وبالقيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بحسن عمارتها, وإقامة عدل الله فيها.
وتعجب الآيات من منكري البعث والحساب والجزاء, الدين كفروا بربهم, وكذبوا رسله, وجحدوا آياته, وتعرض لشيء من عذابهم في الآخرة, وخلودهم في النار.
وتستشهد السورة في مواضع كثيرة منها بالعديد من الآيات والظواهر الكونية الدالة علي طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق والإفناء, وفي الأمانة والإحياء, وفي النفع والضر, والشاهدة علي أن كل ما جاء به القرآن الكريم حق مطلق,وإن كان أكثر الناس لا يؤمنون.
ثم تقارن الآيات بين أهل النار وأهل الجنة, وبين أوصاف كل فريق منهم وخصاله وأعماله, وضربت لهما مثلا بالأعمى والبصير, وبينت مصير كل من الفريقين, مع تصوير رائع لكل من الجنة والنار.
وتستطرد آيات سورة الرعد في الحديث عن عدد من الظواهر الكونية من مثل حدوث الرعد, والبرق, والصواعق, وتكوين السحاب الثقال, وإنزال المطر, وتدفق الأودية بمائه حاملة من الزبد والخبث الذي لا يلبث أن يذهب جفاء, وبما ينفع الناس من نفائس المعادن التي لا تلبث أن تمكث في الأرض, وتشبه الآيات الكريمة ذلك بكل من الباطل والحق, ولله المثل الأعلى.
ثم تعرض السورة لحقيقة غيبية تتمثل في تسبيح الرعد بحمد الله, وتسبيح الملائكة خشية لجلالة, وخيفة من سلطانه, وجميع من في السماوات والأرض يسجد لله طوعا وكرها, حتى ظلالهم فإنها تسجد لله بالغدو والآصال, أي مع دوران الأرض حول محورها أمام الشمس, فيمد الظل ويقبض في حركة كأنها الركوع والسجود.
وتنعي الآيات علي الكفار استهزاءهم بالرسل السابقين علي بعثة المصطفي( صلى الله عليه وسلم), وفي الإشارة إلى ذلك ضرب من التثبيت لرسول الله, والتأكيد له علي أن الابتلاء هو طريق النبوات, وطريق أصحاب الرسالات من بدء الخلق إلى قيام الدعوة المحمدية و إلى أن يرث الله( تعالى ) الأرض ومن عليها...!!! وتشير السورة بالقرب من نهايتها إلى فرح الصالحين من أهل الكتاب بمقدم الرسول الخاتم, في الوقت الذي حاول فيه الكفار والمشركون التشكيك في حقيقة رسالته وتؤكد إنزال القرآن حكما عربيا مبينا, وتدعو المصطفي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الحذر من ضغوط الكافرين من أجل إتباع أهوائهم. وتؤكد أنه ما كان لرسول من الرسل أن يأتي بآية إلا بإذن الله.
ثم تأتي الآية الكريمة التي نحن بصددها ناطقة بحقيقة كونية يقول عنها ربنا( تبارك وتعالى):
أو :(أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (41)
ويتكرر معني هذه الآية الكريمة مرة أخري في سورة الأنبياء والتي يقول فيها ربنا( تبارك وتعالى):( بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون)(الأنبياء:44).
ثم تختتم سورة الرعد بالحديث عن مكر الأمم السابقة الذي لم يضر المؤمنين شيئا لأن لله( تعالى ) المكر جميعا, وأن له( سبحانه وتعالى) عقبي الدار, كما تتحدث عن إنكار الكافرين لبعثة المصطفي( صلى الله عليه وسلم), وتأتي الآيات, مؤكدة أن الله تعالى يشهد له بالنبوة والرسالة وكذلك كل من عنده علم من رسالات الله السابقة لوجود ذكره ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الآيات التي لم تحرف من بقايا كتبهم.
وهنا يبرز التساؤل المنطقي: ما هو معني إنقاص الأرض من أطرافها في هاتين الآيتين الكريمتين؟ وما هو مغزى دلالتها العلمية والمعنوية؟ وقبل الخوض في ذلك لابد من استعراض سريع لشروح المفسرين.
شروح المفسرة لمعني إنقاص الأرض من أطرافها
في تفسير قول الحق( تبارك وتعالى): أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ذكر ابن كثير قول ابن عباس(رضي الله عنهما): أو لم يروا أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم الأرض بعد الأرض, وقوله في مقام آخر: إنقاصها من أطرافها هو خرابها بموت علمائها, وفقهائها, وأهل الخير منها وقال ابن كثير: والقول الأول أولي, وهو ظهور الإسلام علي الشرك قرية بعد قرية, كقوله تعالى :( ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى) الآية, وأشار إلى أن هذا هو اختيار ابن جرير.
كذلك ذكر ابن كثير قول كل من مجاهد وعكرمة: إنقاص الأرض من أطرافها معناه خرابها, أو هو موت علمائها, وقول كل من الحسن والضحاك: هو ظهور المسلمين علي المشركين, كما قالا: هو نقصان الأنفس والثمرات, وخراب الأرض, وقول الشعبي: لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك( أي بستانك), ولكن تنقص الأنفس والثمرات.
وذكر صاحبا تفسير الجلالين:( أو لم يروا) أي: أهل مكة وغيرها( أنا نأتي الأرض) نقصد أرضهم, ننقصها من أطرافها) بالفتح على النبي -صلى الله عليه وسلم -.
أما صاحب الظلال فذكر: أن يد الله القوية تأتي الأمم الغنية حين تبطر وتكفر وتفسد فتنقص من قوتها وقدرها وثرائها وتحصرها في رقعة ضيقة من الأرض بعد أن كانت ذات امتداد وسلطان.
وجاء في( صفوة البيان لمعاني القرآن) ما نصه:( أو لم يروا أنا نأتي الأرض..) أي أأنكروا نزول ما وعدناهم, أو شكوا ولم يروا أننا نفتح أرضهم من جوانبها ونلحقها بدار الإسلام!! أولم يروا هلاك من قبلهم وخراب ديارهم كقوم عاد وثمود! فكيف يأمنون حلول ذلك بهم!
وجاء في صفوة التفاسير ما نصه: أي أو لم ير هؤلاء المشركون أنا نمكن للمؤمنين من ديارهم ونفتح للرسول الأرض بعد الأرض حتى تنقص دار الكفر وتزيد دار الإسلام؟ وذلك من أقوي الأدلة علي أن الله منجز وعده لرسوله عليه السلام.
وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم ما نصه: وأن أمارات العذاب والهزيمة قائمة! ألم ينظروا إلى أنا نأتي الأرض التي قد استولوا عليها, يأخذها منهم المؤمنون جزءا بعد جزء؟ وبذلك ننقص عليهم الأرض من حولهم, والله وحده هو الذي يحكم بالنصر أو الهزيمة, والثواب أو العقاب, ولا راد لحكمه, وحسابه سريع في وقته, فلا يحتاج الفصل إلى وقت طويل, لأن عنده علم كل شيء, فالبينات قائمة. وفي الهامش جاء ذكر ما يلي: تتضمن هذه الآية حقائق وصلت إليها البحوث العلمية الأخيرة إذ ثبت أن سرعة دوران الأرض حول محورها, وقوة طردها المركزي يؤديان إلى تفلطح في القطبين وهو نقص في طرفي الأرض, وكذلك عرف أن سرعة انطلاق جزيئات الغازات المغلفة للكرة الأرضية, إذا ما جاوزت قوة جاذبية الأرض لها فإنها تنطلق إلى خارج الكرة الأرضية, وهذا يحدث بصفة مستمرة فتكون الأرض في نقص مستمر لأطرافها, لا أرض أعداء المؤمنين, وهذا احتمال في التفسير تقبله الآية الكريمة.
من الدلالات العلمية لإنقاص الأرض من أطرافها
ترد لفظة الأرض في القرآن الكريم بمعني الكوكب ككل, كما ترد بمعني اليابسة التي نحيا عليها من كتل القارات والجزر البحرية والمحيطية, وإن كانت ترد أيضا بمعني التربة التي تغطي صخور اليابسة. ولإنقاص الأرض من أطرافها في إطار كل معني من تلك المعاني عدد من الدلالات العلمية التي نحصي منها ما يلي:
أولا: في إطار دلالة لفظة الأرض علي الكوكب ككل في هذا الإطار نجد ثلاثة معان علمية بارزة يمكن إيجازها فيما يلي:
(أ) إنقاص الأرض من أطرافها بمعني انكماشها علي ذاتها وتناقص حجمها باستمرار:
يقدر متوسط قطر الأرض الحالية بحوالي12742 كم, ويقدر متوسط محيطها بنحو40042 كم, ويقدر حجمها بأكثر من مليون مليون كم3. وتفيد الدراسات أن أرضنا مرت بمراحل متعددة من التشكيل منذ انفصال مادتها عن سحابة الدخان الكوني التي نتجت عن عملية الانفجار العظيم إما مباشرة أو بطريقة غير مباشرة عبر سديم الدخان الذي تولدت عنه مجموعتنا الشمسية, وبذلك خلقت الأرض الابتدائية التي لم تكن سوي كومة ضخمة من الرماد ذات حجم هائل يقدر بمائة ضعف حجمها الحالي علي الأقل, ومكونة من عدد من العناصر الخفيفة. ثم ما لبثت تلك الكومة الابتدائية أن رجمت بوابل من النيازك الحديدية, والحديدية الصخرية, والصخرية, كتلك التي تصل الأرض في زماننا( والتي تتراوح كمياتها بين الألف والعشرة آلاف طن سنويا من مادة الشهب والنيازك).