محمد مشهور
27/09/2006, 03:03 PM
عرضنا في المقال الماضي للرسوم الكاريكاتورية الدنمركية المسيئة للنبي عليه الصلاة والسلام، وما أشعلته من غضب واحتجاج وتغطيات إعلامية في أرجاء العالم، وما أثارته هذه الأحداث من أزمات ومستجدات وردود فعل في العلاقات الدولية، وما طرحته من سجال وجدال حول صورة الإسلام في الغرب ومستقبل علاقاته بالعالم الإسلامي.
ومن أجل استجلاء وتفسير الخلفيات التاريخية والمعرفية الغربية المتصلة بالسياقات الثقافية والسياسية والإعلامية الغربية التي تشكل وعي وموقف الغرب تجاه الآخر، وتنعكس على صورة الإسلام والشرق في الإعلام والأدب والفن، قدمنا رؤية المفكر العربي الراحل إدوارد سعيد.
يرى إدوارد سعيد في الإرث الاستشراقي الغربي -بتحيزاته الكامنة ضد الآخر وتمركزه حول الذات- مصدرا هاما في تشكيل وعي الغرب بالشرق؛ بل قام بـ "شرقنة وتنميط" الشرق، ونسج من إنشاء الرحالة ودراسات المستشرقين وخبرات القناصل والمبشرين والتجار مخزونا من الإثارة والغرائب المؤسسة للتمثلات والتعبيرات والصور الغربية عن الشرق في الأدب والفن ثم الإعلام.
يعرض هذا المقال رؤية المفكر العربي عبدالوهاب المسيري حول الرؤية المعرفية الغربية باعتبارها تفسر موقف الغرب من الإنسان والمقدس والطبيعة والعالم، وبالتالي تلقى الضوء على الخلفيات التي تكونت خلالها صورة الإسلام في الغرب.
يرى المسيري أن الرؤية المعرفية الغربية ذات طبيعة إمبريالية كامنة في نظرتها للإنسان والطبيعة والمقدس. فهي تميل إلى نزع القداسة عن الإنسان، بل تدعو إلى غزوه وتسخيره وإخضاعه دون اعتبار لأي معايير أخلاقية، باستثناء القوة. وتتبنى هذه الرؤية المعرفية علمانية لا تفصل المؤسسة الدينية عن الدولة كما هو شائع، بل تعزل القيم المطلقة (المعرفية والأخلاقية) عن الحياة. وفي هذا السياق، تتماهى الرؤية المعرفية العلمانية مع الرؤية المعرفية الامبريالية، بحيث تصبح الامبريالية نقلا للمنظومة المعرفية والأخلاقية العلمانية من الغرب إلى العالم.
سياقات الظهور
ظهرت الرؤية المعرفية الامبريالية نتيجة لمجموعة متضافرة من العوامل التاريخية والفكرية. فمنذ عصر النهضة هيمنت الفلسفات العلمانية المادية على العقل الغربي، فأعلن الإنسان الغربي موت الإله أو تنحيته عن عمليات المعرفة والأخلاق. وأصبحت الطبيعة مجرد مادة استعمالية خاضعة لقوانين الحركة والاستغلال، والإنسان ذاته جزء من الطبيعة ومادة استعمالية متحركة، بدون أي مكانة أو منزلة خاصة. ترسخ ذلك مع هيمنة الفلسفات العقلية النفعية في القرن الثامن عشر.
ترافق مع ذلك ترذيل الأخلاق باعتبارها قيما غيبية غير مادية أو كمية. وأصبحت المنفعة أو اللذة هي الأخلاق، وغاية الحياة البحث عنهما وتعظيم الإنتاج والمكاسب، وهي أهداف مادية كمية قياسية لا علاقة لها بالغيب. وغدت الأخلاق حالة نسبية غير مطلقة، وترد لجذورها المادية. وهكذا تراجعت العقيدة الدينية، وانحسر الإيمان بالمطلقات المعرفية والأخلاقية باتجاه أخلاق على أساس قوانين علمية وحسابات رياضية.
مع علمنة الفكر السياسي الغربي، لم تعد هناك غايات مطلقة للوجود الإنساني؛ فالخير هو مصلحة الدولة العليا، وخدمتها هي هدف الوجود الجماعي. فزيادة وتوسيع الإنتاج هو الخير المطلق الموصل إلى الفردوس الأرضي، حيث تتحقق مصلحة الدولة وتزداد منفعة الإنسان المادية، أي اللذة. وقد عمق الاقتصاد الرأسمالي هذه النظرة، فأصبحت جزءا من التصور الأوروبي النهم عن الطبيعة البشرية.
مع اتساع نطاق اقتصاد السوق بآليات العرض والطلب والمنافسة، سادت الرؤية الفردية الصراعية في المجتمع الغربي. فتراجع التراحم الشخصي لصالح علاقات التعاقد اللاشخصية، وتدهورت المؤسسات الوسيطة كالأسرة والكنيسة، ليظهر الفرد ذو الدوافع والمصالح المباشرة. فهو جزء من الطبيعة، لا يستبطن قيما داخلية، ولا يتصف بالتركيب، ويمكن رده لدوافعه الاقتصادية المباشرة وبحثه الدائب عن اللذة. فظهرت القوة الفردية كآلية أساسية لحسم الصراعات في غياب المطلقات والأطر الأخلاقية والروحية.
ظهرت مع هذه السياقات عقيدة التقدم اللانهائي الصادرة عن اعتقاد بلانهائية مصادر الطبيعة وقدرة الإنسان على تسخيرها وتوظيفها والسيطرة عليها. لذلك، فالتوسع والنمو اللانهائيان فكرة مطروحة وأساسية. يضاف إلى ذلك إنكار الإنسان الغربي لثمن التقدم الناجم عن تجربته العلمانية في غزو وتسخير الطبيعة سعيا وراء السعادة الحقيقية (المادية)، رغم ظهور عواقبه الوخيمة المادية كالتلوث وتدمير البيئة، والمعنوية كالاغتراب والتآكل الاجتماعي.
أيديولوجية التوسع والهيمنة
أدت هذه العوامل إلى ظهور رؤية معرفية إمبريالية تنطلق من تصور مادي للطبيعة والإنسان، وتتجه نحو مزيد من السيطرة على العالم وإخضاعه للإنسان الغربي (مركز الكون) بواسطة القوانين والحسابات المستندة إلى شرعية المعرفة العلمية المادية. توصف السيطرة على الواقع والتحكم فيه بعملية ترشيد وعلمنة. وهو ترشيد إجرائي للوسائل وليس الأهداف، وفي أفضل الأحوال، هو آلية لتحويل العالم إلى مادة وتحويل الطبيعة والبشر إلى حالة تكامل عضوي وفقا لشبكة المصالح المادية، فيصبح العالم محسوبا وقياسيا بعد استبعاد الغيبيات والمطلقات والخصوصيات.
أدى التخلي عن المطلقات والإيمان بالتوسع اللانهائي ومشروعية استخدام القوة إلى اختفاء الحدود، فأصبح الغرب يعيش حالة أيديولوجية دائمة نحو التوسع والهيمنة والتهام العالم. تصل هذه الرؤية ذروتها في الفلسفة الداروينية الاجتماعية وفلسفة نيتشة حيث تصبح القوة وإرادتها هي الميتافيزيقا المقبولة أو نقطة الثبات المعرفية والأخلاقية الوحيدة. ثم ظهرت فكرة عبء الرجل الأبيض وتفوق العرق الأوروبي المستندة إلى نظريات بيولوجية وإثنية، لأجل تزويد الإنسان الغربي بالمبررات اللازمة لعملية الغزو والسيطرة والإبادة.
عولمة الرؤية
لم ينحصر مجال هذه الرؤية المعرفية الامبريالية وتداعياتها -من ترشيد وعلمنة وتوسع وغزو- داخل مساحة الفعل والحراك الغربية، بفعل سعي الغرب إلى الهيمنة والتنميط ورؤية العالم باعتباره كيانا واحدا لا يعترف بالتعدد الحضاري. وكثيرا ما اتخذ هذا التوجه نحو الهيمنة شعار "نظام عالمي جديد". وقد صعدت عملية التدويل نزوع الإنسان الغربي نحو الامبريالية.
ساهمت النظرة المادية (العلمية) للإنسان والطبيعة في تدويل الرؤية المعرفية الامبريالية. فهي ترى الإنسان والحيوان والنجوم والأشجار وحدة مادية خاضعة لنفس القوانين المادية العامة، ولا تراها من خلال الهوية ونواميس التاريخ وسنن الحضارة المتفاوتة في تشكيلها وشخصيتها. وكان عصر الاستنارة –بمشروعه العلمي الصارم- قد تحدث عن الإنسان العقلاني والأممي والطبيعي والحق الطبيعي، لكنها إنسانية لا علاقة لها بالحضارة، بل حالة مادية عامة تتجاوز الخصوصيات الثقافية والإثنية والدينية. وكان لعقيدة التقدم اللانهائي تضمينات صريحة باتجاه التوسع اللانهائي (التدويل)، كما تؤدي عملية الترشيد والتحكم في الواقع إلى نزوع نحو التهام العالم.
وترافق ظهور المسألة الأوروبية مع نشوء النظام الرأسمالي الهادف لتعظيم الإنتاج، فأوجد حاجة دائمة لاستيراد المواد الخام وتصدير السلع عبر العالم، مما يدعم التدويل. وأخفقت القوى الاستعمارية في توزيع "عادل" بين الطبقات للثروات المنهوبة من المستعمرات وضاعفتها الثورة الصناعية، مما ولد اختلالات وتوترات وتهديدات اجتماعية، وتكرس الفقر بين المحرومين، وتركزت الثروة بين يدي أقلية، مما تسبب في دورات كساد اقتصادي. ثم حدثت انفجارات سكانية غير مسبوقة في أوروبا، أدت لظهور فائض بشري ضخم زاد مستويات البطالة.
لذلك، كان تبني الرؤية المعرفية الامبريالية يمثل حلا للمسألة الأوروبية، لكن لم يتم تدويل هذه الرؤية إلا بعد صعود الدولة القومية المركزية العلمانية التي تشكلت أجهزتها المركزية، وقدراتها المتجاوزة للأفراد والمؤسسات الاجتماعية، وإمكاناتها في حشد وتنظيم طاقات إنتاجية ضخمة. فحققت تقدما ماديا هائلا بإعادة صياغة الأفراد والهويات والموارد وفق رؤيتها ومتطلباتها.
ليست الرؤية المعرفية الامبريالية انحرافا عن المسار العام للحضارة الغربية، بل هي محصلة تركيب وتراكم الفلسفات الغربية منذ عصر النهضة، ثم عصر الأنوار، فالفلسفة الرومانتيكية، فالفكر الدارويني، ثم النيتشوي. وهي ليست حالة عرضية أو استثنائية بل جزء من تدويل عملية الترشيد والعلمنة وتعظيم الإنتاج وتوظيف المادة البشرية وتجريدها من أي مركزية أو قداسة.
والامبريالية هي إحدى تجليات المنظومة المعرفية العلمانية؛ وإذا كانت العلمانية هي الرؤية والنظرية، فالامبريالية هي بامتياز الممارسة والتطبيق الأهم، وهي الآلية الرئيسة التي تم عبرها تدويل العلمانية التي نرى تعبيراتها (العقلانية النفعية) في عمليات إبادة طالت ملايين البشر، ونقل عشرات الملايين من أوروبة وأفريقيا إلى أميركا لزيادة نفعهم وتعظيم إنتاجهم، كل بحسب مواهبه وإمكاناته وعنصره.
الرؤية المعرفية ونموذج الحياة الغربية
تلعب الرؤية المعرفية الامبريالية دورا هاما في تشكيل الفكر والحياة الغربية؛ فالإنسان الغربي في سعي دائب للحصول على اللذة وتعظيم المنفعة في علاقته بذاته ومجتمعه. وأصبح التوجه التدريجي نحو فرض النموذج الآلي، على أشكال الحياة في الغرب، مصدر شكوى المفكرين الغربيين، باعتبارها تعبيرا عن نظرية معرفية للغزو والتحكم والترشيد الامبريالي. فحضارة الترشيد تخضع الإنسان الغربي للامبريالية النفسية التي تحول الذات البشرية إلى سوق متمدد عبر ثورة التطلعات والتوقعات اللامتناهية وصناعة الأحلام واللذة (الحديثة) التي تختزل الإنسان إلى مجموعة من الدوافع والحاجات الجسدية القابلة للإشباع.
يلاحظ مما سبق أن الرؤية المعرفية الامبريالية تتسم بعدد من الخصائص الناجمة عن أسسها الفلسفية والتاريخية، ونزوعها المادي العلماني. فهي رؤية تستبدل الفلسفة بالمقدس (الوحي)، بل ليس لها تجربة تاريخية حقيقية في تلقي الوحي والتفاعل مع عالم الغيب. وهي متمركزة حول الذات بسبب إسقاطها للمطلقات الأخلاقية والدينية فهي مرجعية ذاتها؛ ولذلك لا تتيح فضاء لتقدير التشكيلات الحضارية أو التعبيرات الثقافية الإنسانية المختلفة، بل تنظر إليها نظرة دونية داروينية، ودأبت على رؤية تواريخ وثقافات بقية الإنسانية عبر خصوصياتها الأوروبية.
وبسبب طبيعتها المادية، فهذه الرؤية المعرفية تميل للاختزال والتنميط الذي لا يستوعب المقدسات والخصوصيات الثقافية الأخرى، ولا يتقبل الكثير من الاختلاف والتنوع في المجال الإنساني والحضاري، ويرفض النتوءات الكامنة في الحضارات الأخرى. وبسبب الإرث الاستعماري التوسعي (وأحيانا الاستيطاني)، تحاول هذه الرؤية تعميم قيمها وتصوراتها عن الإنسان والكون عبر العالم. وعلى المستوى السياسي، تدفع هذه الرؤية الغرب نحو حالة اختراق مستمر للأمم والبلاد الأخرى ثقافيا واقتصاديا ودينيا باستخدام فائض القوة والثروة الذي تراكم عبر عصور الكشوفات والاستعمار، مما يؤشر على عدم القبول بالآخر والرغبة العنيدة في إعادة صياغته وتشكيله وفقا للنموذج الامبريالي.
يلقي هذا الطرح ضوءا على الخلفيات التي تشكلت خلالها صورة الإسلام والشرق وآسيا وأفريقيا في المخيال الغربي، ودور الرؤية المعرفية الامبريالية التي استند إليها النهوض الغربي في القرنين الماضيين، ووعي الإنسان الأوروبي لحظة خروجه للعالم في مشروع "الاكتشاف" والاختراق والسيطرة والنهب الذي لم يصل بعد إلى خاتمته.
ومن أجل استجلاء وتفسير الخلفيات التاريخية والمعرفية الغربية المتصلة بالسياقات الثقافية والسياسية والإعلامية الغربية التي تشكل وعي وموقف الغرب تجاه الآخر، وتنعكس على صورة الإسلام والشرق في الإعلام والأدب والفن، قدمنا رؤية المفكر العربي الراحل إدوارد سعيد.
يرى إدوارد سعيد في الإرث الاستشراقي الغربي -بتحيزاته الكامنة ضد الآخر وتمركزه حول الذات- مصدرا هاما في تشكيل وعي الغرب بالشرق؛ بل قام بـ "شرقنة وتنميط" الشرق، ونسج من إنشاء الرحالة ودراسات المستشرقين وخبرات القناصل والمبشرين والتجار مخزونا من الإثارة والغرائب المؤسسة للتمثلات والتعبيرات والصور الغربية عن الشرق في الأدب والفن ثم الإعلام.
يعرض هذا المقال رؤية المفكر العربي عبدالوهاب المسيري حول الرؤية المعرفية الغربية باعتبارها تفسر موقف الغرب من الإنسان والمقدس والطبيعة والعالم، وبالتالي تلقى الضوء على الخلفيات التي تكونت خلالها صورة الإسلام في الغرب.
يرى المسيري أن الرؤية المعرفية الغربية ذات طبيعة إمبريالية كامنة في نظرتها للإنسان والطبيعة والمقدس. فهي تميل إلى نزع القداسة عن الإنسان، بل تدعو إلى غزوه وتسخيره وإخضاعه دون اعتبار لأي معايير أخلاقية، باستثناء القوة. وتتبنى هذه الرؤية المعرفية علمانية لا تفصل المؤسسة الدينية عن الدولة كما هو شائع، بل تعزل القيم المطلقة (المعرفية والأخلاقية) عن الحياة. وفي هذا السياق، تتماهى الرؤية المعرفية العلمانية مع الرؤية المعرفية الامبريالية، بحيث تصبح الامبريالية نقلا للمنظومة المعرفية والأخلاقية العلمانية من الغرب إلى العالم.
سياقات الظهور
ظهرت الرؤية المعرفية الامبريالية نتيجة لمجموعة متضافرة من العوامل التاريخية والفكرية. فمنذ عصر النهضة هيمنت الفلسفات العلمانية المادية على العقل الغربي، فأعلن الإنسان الغربي موت الإله أو تنحيته عن عمليات المعرفة والأخلاق. وأصبحت الطبيعة مجرد مادة استعمالية خاضعة لقوانين الحركة والاستغلال، والإنسان ذاته جزء من الطبيعة ومادة استعمالية متحركة، بدون أي مكانة أو منزلة خاصة. ترسخ ذلك مع هيمنة الفلسفات العقلية النفعية في القرن الثامن عشر.
ترافق مع ذلك ترذيل الأخلاق باعتبارها قيما غيبية غير مادية أو كمية. وأصبحت المنفعة أو اللذة هي الأخلاق، وغاية الحياة البحث عنهما وتعظيم الإنتاج والمكاسب، وهي أهداف مادية كمية قياسية لا علاقة لها بالغيب. وغدت الأخلاق حالة نسبية غير مطلقة، وترد لجذورها المادية. وهكذا تراجعت العقيدة الدينية، وانحسر الإيمان بالمطلقات المعرفية والأخلاقية باتجاه أخلاق على أساس قوانين علمية وحسابات رياضية.
مع علمنة الفكر السياسي الغربي، لم تعد هناك غايات مطلقة للوجود الإنساني؛ فالخير هو مصلحة الدولة العليا، وخدمتها هي هدف الوجود الجماعي. فزيادة وتوسيع الإنتاج هو الخير المطلق الموصل إلى الفردوس الأرضي، حيث تتحقق مصلحة الدولة وتزداد منفعة الإنسان المادية، أي اللذة. وقد عمق الاقتصاد الرأسمالي هذه النظرة، فأصبحت جزءا من التصور الأوروبي النهم عن الطبيعة البشرية.
مع اتساع نطاق اقتصاد السوق بآليات العرض والطلب والمنافسة، سادت الرؤية الفردية الصراعية في المجتمع الغربي. فتراجع التراحم الشخصي لصالح علاقات التعاقد اللاشخصية، وتدهورت المؤسسات الوسيطة كالأسرة والكنيسة، ليظهر الفرد ذو الدوافع والمصالح المباشرة. فهو جزء من الطبيعة، لا يستبطن قيما داخلية، ولا يتصف بالتركيب، ويمكن رده لدوافعه الاقتصادية المباشرة وبحثه الدائب عن اللذة. فظهرت القوة الفردية كآلية أساسية لحسم الصراعات في غياب المطلقات والأطر الأخلاقية والروحية.
ظهرت مع هذه السياقات عقيدة التقدم اللانهائي الصادرة عن اعتقاد بلانهائية مصادر الطبيعة وقدرة الإنسان على تسخيرها وتوظيفها والسيطرة عليها. لذلك، فالتوسع والنمو اللانهائيان فكرة مطروحة وأساسية. يضاف إلى ذلك إنكار الإنسان الغربي لثمن التقدم الناجم عن تجربته العلمانية في غزو وتسخير الطبيعة سعيا وراء السعادة الحقيقية (المادية)، رغم ظهور عواقبه الوخيمة المادية كالتلوث وتدمير البيئة، والمعنوية كالاغتراب والتآكل الاجتماعي.
أيديولوجية التوسع والهيمنة
أدت هذه العوامل إلى ظهور رؤية معرفية إمبريالية تنطلق من تصور مادي للطبيعة والإنسان، وتتجه نحو مزيد من السيطرة على العالم وإخضاعه للإنسان الغربي (مركز الكون) بواسطة القوانين والحسابات المستندة إلى شرعية المعرفة العلمية المادية. توصف السيطرة على الواقع والتحكم فيه بعملية ترشيد وعلمنة. وهو ترشيد إجرائي للوسائل وليس الأهداف، وفي أفضل الأحوال، هو آلية لتحويل العالم إلى مادة وتحويل الطبيعة والبشر إلى حالة تكامل عضوي وفقا لشبكة المصالح المادية، فيصبح العالم محسوبا وقياسيا بعد استبعاد الغيبيات والمطلقات والخصوصيات.
أدى التخلي عن المطلقات والإيمان بالتوسع اللانهائي ومشروعية استخدام القوة إلى اختفاء الحدود، فأصبح الغرب يعيش حالة أيديولوجية دائمة نحو التوسع والهيمنة والتهام العالم. تصل هذه الرؤية ذروتها في الفلسفة الداروينية الاجتماعية وفلسفة نيتشة حيث تصبح القوة وإرادتها هي الميتافيزيقا المقبولة أو نقطة الثبات المعرفية والأخلاقية الوحيدة. ثم ظهرت فكرة عبء الرجل الأبيض وتفوق العرق الأوروبي المستندة إلى نظريات بيولوجية وإثنية، لأجل تزويد الإنسان الغربي بالمبررات اللازمة لعملية الغزو والسيطرة والإبادة.
عولمة الرؤية
لم ينحصر مجال هذه الرؤية المعرفية الامبريالية وتداعياتها -من ترشيد وعلمنة وتوسع وغزو- داخل مساحة الفعل والحراك الغربية، بفعل سعي الغرب إلى الهيمنة والتنميط ورؤية العالم باعتباره كيانا واحدا لا يعترف بالتعدد الحضاري. وكثيرا ما اتخذ هذا التوجه نحو الهيمنة شعار "نظام عالمي جديد". وقد صعدت عملية التدويل نزوع الإنسان الغربي نحو الامبريالية.
ساهمت النظرة المادية (العلمية) للإنسان والطبيعة في تدويل الرؤية المعرفية الامبريالية. فهي ترى الإنسان والحيوان والنجوم والأشجار وحدة مادية خاضعة لنفس القوانين المادية العامة، ولا تراها من خلال الهوية ونواميس التاريخ وسنن الحضارة المتفاوتة في تشكيلها وشخصيتها. وكان عصر الاستنارة –بمشروعه العلمي الصارم- قد تحدث عن الإنسان العقلاني والأممي والطبيعي والحق الطبيعي، لكنها إنسانية لا علاقة لها بالحضارة، بل حالة مادية عامة تتجاوز الخصوصيات الثقافية والإثنية والدينية. وكان لعقيدة التقدم اللانهائي تضمينات صريحة باتجاه التوسع اللانهائي (التدويل)، كما تؤدي عملية الترشيد والتحكم في الواقع إلى نزوع نحو التهام العالم.
وترافق ظهور المسألة الأوروبية مع نشوء النظام الرأسمالي الهادف لتعظيم الإنتاج، فأوجد حاجة دائمة لاستيراد المواد الخام وتصدير السلع عبر العالم، مما يدعم التدويل. وأخفقت القوى الاستعمارية في توزيع "عادل" بين الطبقات للثروات المنهوبة من المستعمرات وضاعفتها الثورة الصناعية، مما ولد اختلالات وتوترات وتهديدات اجتماعية، وتكرس الفقر بين المحرومين، وتركزت الثروة بين يدي أقلية، مما تسبب في دورات كساد اقتصادي. ثم حدثت انفجارات سكانية غير مسبوقة في أوروبا، أدت لظهور فائض بشري ضخم زاد مستويات البطالة.
لذلك، كان تبني الرؤية المعرفية الامبريالية يمثل حلا للمسألة الأوروبية، لكن لم يتم تدويل هذه الرؤية إلا بعد صعود الدولة القومية المركزية العلمانية التي تشكلت أجهزتها المركزية، وقدراتها المتجاوزة للأفراد والمؤسسات الاجتماعية، وإمكاناتها في حشد وتنظيم طاقات إنتاجية ضخمة. فحققت تقدما ماديا هائلا بإعادة صياغة الأفراد والهويات والموارد وفق رؤيتها ومتطلباتها.
ليست الرؤية المعرفية الامبريالية انحرافا عن المسار العام للحضارة الغربية، بل هي محصلة تركيب وتراكم الفلسفات الغربية منذ عصر النهضة، ثم عصر الأنوار، فالفلسفة الرومانتيكية، فالفكر الدارويني، ثم النيتشوي. وهي ليست حالة عرضية أو استثنائية بل جزء من تدويل عملية الترشيد والعلمنة وتعظيم الإنتاج وتوظيف المادة البشرية وتجريدها من أي مركزية أو قداسة.
والامبريالية هي إحدى تجليات المنظومة المعرفية العلمانية؛ وإذا كانت العلمانية هي الرؤية والنظرية، فالامبريالية هي بامتياز الممارسة والتطبيق الأهم، وهي الآلية الرئيسة التي تم عبرها تدويل العلمانية التي نرى تعبيراتها (العقلانية النفعية) في عمليات إبادة طالت ملايين البشر، ونقل عشرات الملايين من أوروبة وأفريقيا إلى أميركا لزيادة نفعهم وتعظيم إنتاجهم، كل بحسب مواهبه وإمكاناته وعنصره.
الرؤية المعرفية ونموذج الحياة الغربية
تلعب الرؤية المعرفية الامبريالية دورا هاما في تشكيل الفكر والحياة الغربية؛ فالإنسان الغربي في سعي دائب للحصول على اللذة وتعظيم المنفعة في علاقته بذاته ومجتمعه. وأصبح التوجه التدريجي نحو فرض النموذج الآلي، على أشكال الحياة في الغرب، مصدر شكوى المفكرين الغربيين، باعتبارها تعبيرا عن نظرية معرفية للغزو والتحكم والترشيد الامبريالي. فحضارة الترشيد تخضع الإنسان الغربي للامبريالية النفسية التي تحول الذات البشرية إلى سوق متمدد عبر ثورة التطلعات والتوقعات اللامتناهية وصناعة الأحلام واللذة (الحديثة) التي تختزل الإنسان إلى مجموعة من الدوافع والحاجات الجسدية القابلة للإشباع.
يلاحظ مما سبق أن الرؤية المعرفية الامبريالية تتسم بعدد من الخصائص الناجمة عن أسسها الفلسفية والتاريخية، ونزوعها المادي العلماني. فهي رؤية تستبدل الفلسفة بالمقدس (الوحي)، بل ليس لها تجربة تاريخية حقيقية في تلقي الوحي والتفاعل مع عالم الغيب. وهي متمركزة حول الذات بسبب إسقاطها للمطلقات الأخلاقية والدينية فهي مرجعية ذاتها؛ ولذلك لا تتيح فضاء لتقدير التشكيلات الحضارية أو التعبيرات الثقافية الإنسانية المختلفة، بل تنظر إليها نظرة دونية داروينية، ودأبت على رؤية تواريخ وثقافات بقية الإنسانية عبر خصوصياتها الأوروبية.
وبسبب طبيعتها المادية، فهذه الرؤية المعرفية تميل للاختزال والتنميط الذي لا يستوعب المقدسات والخصوصيات الثقافية الأخرى، ولا يتقبل الكثير من الاختلاف والتنوع في المجال الإنساني والحضاري، ويرفض النتوءات الكامنة في الحضارات الأخرى. وبسبب الإرث الاستعماري التوسعي (وأحيانا الاستيطاني)، تحاول هذه الرؤية تعميم قيمها وتصوراتها عن الإنسان والكون عبر العالم. وعلى المستوى السياسي، تدفع هذه الرؤية الغرب نحو حالة اختراق مستمر للأمم والبلاد الأخرى ثقافيا واقتصاديا ودينيا باستخدام فائض القوة والثروة الذي تراكم عبر عصور الكشوفات والاستعمار، مما يؤشر على عدم القبول بالآخر والرغبة العنيدة في إعادة صياغته وتشكيله وفقا للنموذج الامبريالي.
يلقي هذا الطرح ضوءا على الخلفيات التي تشكلت خلالها صورة الإسلام والشرق وآسيا وأفريقيا في المخيال الغربي، ودور الرؤية المعرفية الامبريالية التي استند إليها النهوض الغربي في القرنين الماضيين، ووعي الإنسان الأوروبي لحظة خروجه للعالم في مشروع "الاكتشاف" والاختراق والسيطرة والنهب الذي لم يصل بعد إلى خاتمته.