عيسى بنتفريت
02/10/2006, 05:58 PM
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد:
أخذ من غِذَاءَ الْأَلْبَابِ، لِشَرْحِ مَنْظُومَةِ الْآدَابِ للشيخ محمد بناحمد السفارينيالحنبلي أم الكتاب للأبحاث والدراسات الإلكترونية .
"مراتب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الدُّعَاءِ
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ: الْمَوْطِنُ السَّابِعُ مِنْ مَوَاطِنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الدُّعَاءِ وَلَهُ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: إحْدَاهَا أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الدُّعَاءِ وَبَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ، الثَّانِيَةُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الدُّعَاءِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، الثَّالِثَةُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَيَجْعَلَ حَاجَتَهُ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَهُمَا .
أَمَّا دَلِيلُ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى فَحَدِيثُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَحَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " لَا تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الرَّاكِبِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: اجْعَلُونِي فِي وَسَطِ الدُّعَاءِ وَفِي أَوَّلِهِ وَفِي آخِرِهِ " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ .
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَقَالَ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَوَارِيِّ سَمِعْت أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيَّ رحمه الله يَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ حَاجَتَهُ فَلْيَبْدَأْ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلْيَسْأَلْ حَاجَتَهُ وَلْيَخْتِمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَقْبُولَةٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَكْرَمُ أَنْ يَرُدَّ مَا بَيْنَهُمَا .
انْتَهَى
وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ مَادَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ " قَالَ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ: رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أُسَيْدٍ كَذَلِكَ، وَرَوَاهُ إسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْعَلَّافُ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُبَيْدٍ فَقَالَ عَنْ حَازِمِ بْنِ بَكْرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
قَالَ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ رضي الله عنهم .
وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلْ الصَّلَاةُ جَارِيَةً لَهُ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ " وَذَكَرَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جِلَاءِ الْأَفْهَامِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيِّ قَالَ: سَمِعْت خَالِي الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: رَأَيْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رضي الله عنه فِي النَّوْمِ فَقَالَ يَا أَبَا عَلِيٍّ لَوْ رَأَيْت صَلَاتَنَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْكُتُبِ كَيْفَ تَزْهُو بَيْنَ يَدَيْنَا؟ وَلِذَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْحَدِيثِ فَائِدَةٌ إلَّا الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ اسْمُهُ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ صلى الله عليه وسلم .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: رَأَيْت الشَّافِعِيَّ رضي الله عنه فِي النَّوْمِ فَقُلْت مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك؟ فَقَالَ رَحِمَنِي وَغَفَرَ لِي وَزَفَّنِي إلَى الْجَنَّةِ كَمَا تُزَفُّ الْعَرُوسُ، وَنَثَرَ عَلَيَّ كَمَا يُنْثَرُ عَلَى الْعَرُوسِ، فَقُلْت بِمَاذَا بَلَغْت هَذِهِ الْحَالَةَ؟ فَقَالَ لِي قَائِلٌ: بِقَوْلِك فِي "كِتَابِ الرِّسَالَةِ " مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قُلْت فَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ عَدَدَ مَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وَعَدَدَ مَا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ فَلَمَّا أَصْبَحْت نَظَرْت إلَى الرِّسَالَةِ فَوَجَدْت الْأَمْرَ كَمَا رَأَيْت صلى الله عليه وسلم .
وَذَكَرَ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ مِنْ هَذَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا " جَاءَنِي جِبْرِيلُ عليه السلام فَقَالَ إنَّهُ مَنْ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ، فَقُلْت آمِينَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ .
وَمِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه مَرْفُوعًا " أَنَّ جِبْرِيلَ عَرَضَ لِي فَقَالَ بَعُدَ مَنْ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك فَقُلْت آمِينَ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ " .
وَعَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رضوان الله عليهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ " الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ فِي سَنَدِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ .
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْإِمَامِ الصَّرْصَرِيِّ فِي ذَلِكَ: مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ إنْ ذُكِرَ اسْمُهُ فَهُوَ الْبَخِيلُ وَزِدْهُ وَصْفَ جَبَانِ وَإِذَا الْفَتَى فِي الْعُمْرِ صَلَّى مَرَّةً فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ وَالْبُلْدَانِ صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ عَشْرًا فَلْيَزِدْ عَبْدٌ وَلَا يَجْنَحْ إلَى نُقْصَانِ وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ ثُمَّ تَفَرَّقُوا عَنْ غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا قَامُوا عَنْ أَنْتَنِ مِنْ جِيفَةٍ " وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ " إلَّا قَامُوا عَنْ أَنْتَنِ جِيفَةٍ " قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: هَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ .
وَفَضْلُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَوَاطِنُهَا وَمُتَعَلِّقَاتُ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ .
وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ لِيَكُونَ كَالْأُنْمُوذَجِ وَمَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ بَعْضُهُ .
مَعْنَى الْآلِ "الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ " "وَآلِهِ " أَيْ أَتْبَاعِهِ عَلَى دِينِهِ .
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ: قَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقَالُ آلُ الرَّجُلِ لَهُ نَفْسِهِ، وَآلُهُ لِمَنْ تَبِعَهُ، وَآلُهُ لِأَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ .
فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا جَاءَهُ أَبُو أَوْفَى بِصَدَقَتِهِ " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى " وقوله تعالى "سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ " وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ " فَآلُ إبْرَاهِيمَ هُوَ "إبْرَاهِيمُ " لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْمَطْلُوبَةَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هِيَ الصَّلَاةُ عَلَى إبْرَاهِيمَ نَفْسِهِ، وَآلُهُ تَبَعٌ لَهُ فِيهَا .
وَنَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ وَقَالُوا لَا يَكُونُ الْآلُ إلَّا الْأَتْبَاعُ وَالْأَقَارِبُ، وَقَالُوا وَمَا ذَكَرُوا مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمُرَادُ بِهَا الْأَقَارِبُ .
ثُمَّ اخْتَارَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْآلَ إنْ أُفْرِدَ دَخَلَ فِيهِ الْمُضَافُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ " وَأَمَّا إنْ ذُكِرَ الرَّجُلُ ثُمَّ ذُكِرَ آلُهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ .
وَاخْتُلِفَ فِي آلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، فَقِيلَ: هُمْ الَّذِينَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ، وَفِيهِمْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمطلب، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَالثَّانِي أَنَّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ خَاصَّةً، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ الَّذِي لَا يُفْتَى بِغَيْرِهِ كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا .
الثَّالِثُ أَنَّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَمَنْ فَوْقَهُمْ إلَى غَالِبٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِمْ بَنُو المطلب وَبَنُو أُمَيَّةَ وَبَنُو نَوْفَلٍ وَمَنْ فَوْقَهُمْ إلَى بَنِي غَالِبٍ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَشْهَبَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ .
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ آلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هُمْ ذُرِّيَّتُهُ وَأَزْوَاجُهُ خَاصَّةً، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ .
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ آلَهُ صلى الله عليه وسلم أَتْبَاعَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَأَقْدَمُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذَا الْقَوْلُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما .
ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ .
قُلْت: وَغَالِبُ عُلَمَائِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ خَاصَّةً .
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ آلَهُ صلى الله عليه وسلم هُمْ الْأَتْقِيَاءُ مِنْ أُمَّتِهِ، حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالرَّاغِبُ وَجَمَاعَةٌ .
اشْتِقَاقُ كَلِمَةِ آلِ وَهَلْ أَصْلُهُ أَهْلُ ثُمَّ قُلِبَتْ الْهَاءُ هَمْزَةً فَقِيلَ أأل ثُمَّ سُهِّلَتْ عَلَى قِيَاسِ أَمْثَالِهَا فَقِيلَ آلُ بِدَلِيلِ تَصْغِيرِهِ عَلَى أُهَيْلٍ؟ أَوْ أَوْلٌ مِنْ آلَ يَئُولُ إذَا رَجَعَ، فَآلُ الرَّجُلِ هُمْ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ وَيُضَافُونَ، وَيَئُولُهُمْ أَيْ يَسُوسُهُمْ فَيَكُونُ مَآلُهُمْ إلَيْهِ .
ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ تَرْجِيحُ الثَّانِي .
وَفِي الْقَامُوسِ: آلُهُ أَهْلُ الرَّجُلِ وَأَتْبَاعُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا فِيهِ شَرَفٌ غَالِبًا، فَلَا يُقَالُ آلُ الْإِسْكَافِ كَمَا يُقَالُ أَهْلُهُ .
قَالَ وَأَصْلُهُ أَهْلُ أُبْدِلَتْ الْهَاءُ هَمْزَةً فَصَارَتْ أأل تَوَالَتْ هَمْزَتَانِ فَأُبْدِلَتْ الثَّانِيَةُ أَلِفًا تَصْغِيرُهُ أويل وَأُهَيْلٍ .
انْتَهَى
قَالَ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ: قَالَ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الثَّانِي: وَالْتَزَمَتْ الْعَرَبُ إضَافَتَهُ فَلَا يُسْتَعْمَلُ مُفْرَدًا إلَّا نَادِرًا كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: نَحْنُ آلُ اللَّهِ فِي بَلْدَتِنَا لَمْ نَزَلْ آلًا عَلَى عَهْدِ إرَمْ وَالْتَزَمُوا أَيْضًا إضَافَتَهُ إلَى الظَّاهِرِ فَلَا يُضَافُ إلَى مُضْمَرٍ إلَّا قَلِيلًا .
وَعِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ إضَافَتُهُ إلَى الْمُضْمَرِ لَحْنٌ .
قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَالصَّحِيحُ لَيْسَ بِلَحْنٍ بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ .
قَالَ تِلْمِيذُهُ فِي كِتَابِهِ الْمُطْلِعِ: وَالصَّوَابُ جَوَازُ إضَافَتِهِ إلَى الْمُضْمَرِ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَنَا الْفَارِسُ الْحَامِي حَقِيقَةَ وَالِدِي وَآلِي فَمَا تَحْمِي حَقِيقَةَ آلِكَا وَقَالَ عَبْدُ المطلب فِي الْفِيلِ وَأَصْحَابِهِ: وَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِي بِ وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَك فَأَضَافَهُ إلَى الْيَاءِ وَالْكَافِ .
وَزَعَمَ بَعْضُ النُّحَاةِ أَنَّهُ لَا يُضَافُ إلَّا إلَى عَلَمِ مَنْ يَعْقِلُ .
وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ خِلَافُهُ .
قَالَ الشَّاعِرُ: نَجَوْت وَلَمْ يَمْنُنْ عَلَيْك طَلَاقَهُ سِوَى زَيْدِ التَّقْرِيبِ مِنْ آلِ أَعْوَجَا وَأَعْوَجُ عَلَمُ فَرَسٍ .
وَإِنَّمَا أَتْبَعَ النَّاظِمُ الْآلَ لِرَسُولِ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ لِمَا تَضَافَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ وَصَحَّتْ الْآثَارُ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم " قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ " إلَى مَا لَا نُحْصِيهِ عَدًّا إلَّا بِالْإِطَالَةِ "وَأَصْحَابِهِ " جَمْعِ صَاحِبٍ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: وَلَمْ يُجْمَعْ فَاعِلٌ عَلَى فَعَالَةٍ إلَّا هَذَا .
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: صَحِبَهُ كسمعه صَحَابَةً وَيُكْسَرُ، وَصُحْبَةً: عَاشَرَهُ وَهُمْ أَصْحَابٌ وَأَصَاحِيبٌ وَصُحْبَانٌ وَصِحَابٌ وَصَحَابَةٌ وَصِحَابَةٌ وَصَحْبٌ وَاسْتَصْحَبَهُ دَعَاهُ إلَى الصُّحْبَةِ وَلَازَمَهُ .
وَالصَّحَابِيُّ مَنْ اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَوْ لَحْظَةً وَإِنْ لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ مُؤْمِنًا وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ تَخَلَّلَهُ رِدَّةٌ" .
أخذ من غِذَاءَ الْأَلْبَابِ، لِشَرْحِ مَنْظُومَةِ الْآدَابِ للشيخ محمد بناحمد السفارينيالحنبلي أم الكتاب للأبحاث والدراسات الإلكترونية .
"مراتب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الدُّعَاءِ
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ: الْمَوْطِنُ السَّابِعُ مِنْ مَوَاطِنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الدُّعَاءِ وَلَهُ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: إحْدَاهَا أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الدُّعَاءِ وَبَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ، الثَّانِيَةُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الدُّعَاءِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، الثَّالِثَةُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَيَجْعَلَ حَاجَتَهُ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَهُمَا .
أَمَّا دَلِيلُ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى فَحَدِيثُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَحَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " لَا تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الرَّاكِبِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: اجْعَلُونِي فِي وَسَطِ الدُّعَاءِ وَفِي أَوَّلِهِ وَفِي آخِرِهِ " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ .
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَقَالَ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَوَارِيِّ سَمِعْت أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيَّ رحمه الله يَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ حَاجَتَهُ فَلْيَبْدَأْ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلْيَسْأَلْ حَاجَتَهُ وَلْيَخْتِمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَقْبُولَةٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَكْرَمُ أَنْ يَرُدَّ مَا بَيْنَهُمَا .
انْتَهَى
وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ مَادَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ " قَالَ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ: رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أُسَيْدٍ كَذَلِكَ، وَرَوَاهُ إسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْعَلَّافُ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُبَيْدٍ فَقَالَ عَنْ حَازِمِ بْنِ بَكْرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
قَالَ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ رضي الله عنهم .
وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلْ الصَّلَاةُ جَارِيَةً لَهُ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ " وَذَكَرَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جِلَاءِ الْأَفْهَامِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيِّ قَالَ: سَمِعْت خَالِي الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: رَأَيْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رضي الله عنه فِي النَّوْمِ فَقَالَ يَا أَبَا عَلِيٍّ لَوْ رَأَيْت صَلَاتَنَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْكُتُبِ كَيْفَ تَزْهُو بَيْنَ يَدَيْنَا؟ وَلِذَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْحَدِيثِ فَائِدَةٌ إلَّا الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ اسْمُهُ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ صلى الله عليه وسلم .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: رَأَيْت الشَّافِعِيَّ رضي الله عنه فِي النَّوْمِ فَقُلْت مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك؟ فَقَالَ رَحِمَنِي وَغَفَرَ لِي وَزَفَّنِي إلَى الْجَنَّةِ كَمَا تُزَفُّ الْعَرُوسُ، وَنَثَرَ عَلَيَّ كَمَا يُنْثَرُ عَلَى الْعَرُوسِ، فَقُلْت بِمَاذَا بَلَغْت هَذِهِ الْحَالَةَ؟ فَقَالَ لِي قَائِلٌ: بِقَوْلِك فِي "كِتَابِ الرِّسَالَةِ " مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قُلْت فَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ عَدَدَ مَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وَعَدَدَ مَا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ فَلَمَّا أَصْبَحْت نَظَرْت إلَى الرِّسَالَةِ فَوَجَدْت الْأَمْرَ كَمَا رَأَيْت صلى الله عليه وسلم .
وَذَكَرَ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ مِنْ هَذَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا " جَاءَنِي جِبْرِيلُ عليه السلام فَقَالَ إنَّهُ مَنْ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ، فَقُلْت آمِينَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ .
وَمِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه مَرْفُوعًا " أَنَّ جِبْرِيلَ عَرَضَ لِي فَقَالَ بَعُدَ مَنْ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك فَقُلْت آمِينَ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ " .
وَعَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رضوان الله عليهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ " الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ فِي سَنَدِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ .
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْإِمَامِ الصَّرْصَرِيِّ فِي ذَلِكَ: مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ إنْ ذُكِرَ اسْمُهُ فَهُوَ الْبَخِيلُ وَزِدْهُ وَصْفَ جَبَانِ وَإِذَا الْفَتَى فِي الْعُمْرِ صَلَّى مَرَّةً فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ وَالْبُلْدَانِ صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ عَشْرًا فَلْيَزِدْ عَبْدٌ وَلَا يَجْنَحْ إلَى نُقْصَانِ وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ ثُمَّ تَفَرَّقُوا عَنْ غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا قَامُوا عَنْ أَنْتَنِ مِنْ جِيفَةٍ " وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ " إلَّا قَامُوا عَنْ أَنْتَنِ جِيفَةٍ " قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: هَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ .
وَفَضْلُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَوَاطِنُهَا وَمُتَعَلِّقَاتُ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ .
وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ لِيَكُونَ كَالْأُنْمُوذَجِ وَمَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ بَعْضُهُ .
مَعْنَى الْآلِ "الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ " "وَآلِهِ " أَيْ أَتْبَاعِهِ عَلَى دِينِهِ .
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ: قَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقَالُ آلُ الرَّجُلِ لَهُ نَفْسِهِ، وَآلُهُ لِمَنْ تَبِعَهُ، وَآلُهُ لِأَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ .
فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا جَاءَهُ أَبُو أَوْفَى بِصَدَقَتِهِ " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى " وقوله تعالى "سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ " وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ " فَآلُ إبْرَاهِيمَ هُوَ "إبْرَاهِيمُ " لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْمَطْلُوبَةَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هِيَ الصَّلَاةُ عَلَى إبْرَاهِيمَ نَفْسِهِ، وَآلُهُ تَبَعٌ لَهُ فِيهَا .
وَنَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ وَقَالُوا لَا يَكُونُ الْآلُ إلَّا الْأَتْبَاعُ وَالْأَقَارِبُ، وَقَالُوا وَمَا ذَكَرُوا مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمُرَادُ بِهَا الْأَقَارِبُ .
ثُمَّ اخْتَارَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْآلَ إنْ أُفْرِدَ دَخَلَ فِيهِ الْمُضَافُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ " وَأَمَّا إنْ ذُكِرَ الرَّجُلُ ثُمَّ ذُكِرَ آلُهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ .
وَاخْتُلِفَ فِي آلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، فَقِيلَ: هُمْ الَّذِينَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ، وَفِيهِمْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمطلب، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَالثَّانِي أَنَّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ خَاصَّةً، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ الَّذِي لَا يُفْتَى بِغَيْرِهِ كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا .
الثَّالِثُ أَنَّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَمَنْ فَوْقَهُمْ إلَى غَالِبٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِمْ بَنُو المطلب وَبَنُو أُمَيَّةَ وَبَنُو نَوْفَلٍ وَمَنْ فَوْقَهُمْ إلَى بَنِي غَالِبٍ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَشْهَبَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ .
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ آلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هُمْ ذُرِّيَّتُهُ وَأَزْوَاجُهُ خَاصَّةً، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ .
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ آلَهُ صلى الله عليه وسلم أَتْبَاعَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَأَقْدَمُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذَا الْقَوْلُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما .
ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ .
قُلْت: وَغَالِبُ عُلَمَائِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ خَاصَّةً .
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ آلَهُ صلى الله عليه وسلم هُمْ الْأَتْقِيَاءُ مِنْ أُمَّتِهِ، حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالرَّاغِبُ وَجَمَاعَةٌ .
اشْتِقَاقُ كَلِمَةِ آلِ وَهَلْ أَصْلُهُ أَهْلُ ثُمَّ قُلِبَتْ الْهَاءُ هَمْزَةً فَقِيلَ أأل ثُمَّ سُهِّلَتْ عَلَى قِيَاسِ أَمْثَالِهَا فَقِيلَ آلُ بِدَلِيلِ تَصْغِيرِهِ عَلَى أُهَيْلٍ؟ أَوْ أَوْلٌ مِنْ آلَ يَئُولُ إذَا رَجَعَ، فَآلُ الرَّجُلِ هُمْ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ وَيُضَافُونَ، وَيَئُولُهُمْ أَيْ يَسُوسُهُمْ فَيَكُونُ مَآلُهُمْ إلَيْهِ .
ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ تَرْجِيحُ الثَّانِي .
وَفِي الْقَامُوسِ: آلُهُ أَهْلُ الرَّجُلِ وَأَتْبَاعُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا فِيهِ شَرَفٌ غَالِبًا، فَلَا يُقَالُ آلُ الْإِسْكَافِ كَمَا يُقَالُ أَهْلُهُ .
قَالَ وَأَصْلُهُ أَهْلُ أُبْدِلَتْ الْهَاءُ هَمْزَةً فَصَارَتْ أأل تَوَالَتْ هَمْزَتَانِ فَأُبْدِلَتْ الثَّانِيَةُ أَلِفًا تَصْغِيرُهُ أويل وَأُهَيْلٍ .
انْتَهَى
قَالَ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ: قَالَ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الثَّانِي: وَالْتَزَمَتْ الْعَرَبُ إضَافَتَهُ فَلَا يُسْتَعْمَلُ مُفْرَدًا إلَّا نَادِرًا كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: نَحْنُ آلُ اللَّهِ فِي بَلْدَتِنَا لَمْ نَزَلْ آلًا عَلَى عَهْدِ إرَمْ وَالْتَزَمُوا أَيْضًا إضَافَتَهُ إلَى الظَّاهِرِ فَلَا يُضَافُ إلَى مُضْمَرٍ إلَّا قَلِيلًا .
وَعِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ إضَافَتُهُ إلَى الْمُضْمَرِ لَحْنٌ .
قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَالصَّحِيحُ لَيْسَ بِلَحْنٍ بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ .
قَالَ تِلْمِيذُهُ فِي كِتَابِهِ الْمُطْلِعِ: وَالصَّوَابُ جَوَازُ إضَافَتِهِ إلَى الْمُضْمَرِ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَنَا الْفَارِسُ الْحَامِي حَقِيقَةَ وَالِدِي وَآلِي فَمَا تَحْمِي حَقِيقَةَ آلِكَا وَقَالَ عَبْدُ المطلب فِي الْفِيلِ وَأَصْحَابِهِ: وَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِي بِ وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَك فَأَضَافَهُ إلَى الْيَاءِ وَالْكَافِ .
وَزَعَمَ بَعْضُ النُّحَاةِ أَنَّهُ لَا يُضَافُ إلَّا إلَى عَلَمِ مَنْ يَعْقِلُ .
وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ خِلَافُهُ .
قَالَ الشَّاعِرُ: نَجَوْت وَلَمْ يَمْنُنْ عَلَيْك طَلَاقَهُ سِوَى زَيْدِ التَّقْرِيبِ مِنْ آلِ أَعْوَجَا وَأَعْوَجُ عَلَمُ فَرَسٍ .
وَإِنَّمَا أَتْبَعَ النَّاظِمُ الْآلَ لِرَسُولِ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ لِمَا تَضَافَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ وَصَحَّتْ الْآثَارُ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم " قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ " إلَى مَا لَا نُحْصِيهِ عَدًّا إلَّا بِالْإِطَالَةِ "وَأَصْحَابِهِ " جَمْعِ صَاحِبٍ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: وَلَمْ يُجْمَعْ فَاعِلٌ عَلَى فَعَالَةٍ إلَّا هَذَا .
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: صَحِبَهُ كسمعه صَحَابَةً وَيُكْسَرُ، وَصُحْبَةً: عَاشَرَهُ وَهُمْ أَصْحَابٌ وَأَصَاحِيبٌ وَصُحْبَانٌ وَصِحَابٌ وَصَحَابَةٌ وَصِحَابَةٌ وَصَحْبٌ وَاسْتَصْحَبَهُ دَعَاهُ إلَى الصُّحْبَةِ وَلَازَمَهُ .
وَالصَّحَابِيُّ مَنْ اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَوْ لَحْظَةً وَإِنْ لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ مُؤْمِنًا وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ تَخَلَّلَهُ رِدَّةٌ" .