احمد المصرى
03/10/2006, 05:17 PM
للامام محمد الغزالى رحمه الله ....
من كتاب الاسلام والطاقات المعطلة...
دين المستقبل
إن طال بالدنيا عمر، وظلت الحياة ترقى فى مضمار المعرفة على النحو الذى نرى، فسوف تزول خرافات كثيرة، وتنقطع أوهام استحوذت على تاريخ البشر دهرا..!!
أظن الناس فى القارات المتقدمة يترفعون عن نحت صنم من الحجارة ثم يسجدون له، ويوجلون فى حضرته!؟ إن حظوظهم من الإدراك السليم تأبى عليهم هذا الذى طالما فعلته القرون الأولى، وتعصبت له، وقاتلت دونه!! وإن كان من المؤسف أن يقتصر هذا التقدم على بعض الناس دون بعض.
فإن جماهير هائلة من الهنود لا تزال تقدس الحيوان والجماد، وتتخذ لها آلهة من بعض عناصر الكون الحقيرة أو الغالية!! وقد روت الأنباء أن مجمعا دينيا فى " البنغال " أصدر قرارا باعتبار " نهرو " إلها، وأبلغت الزعيم هذا القرار الذى غضب له، واستنكره، ولكن العباد أبوا إلا المضى فيه، مما جعل " راديو " الباكستان يتندر بالقصة كلها، ويذيعها على مستمعيه ساخرا!! وقد روى أحد الظرفاء طرفة أخرى.
فإن " أغاخان " المدفون بأسوان سئل: أحقا أنك تحمل روح الله فى بدنك، وأنك لهذا تعبد، ويزنك أتباعك بالذهب؟ فسكت الرجل قليلا.
ثم قال ضاحكا: أنا أولى بالألوهية من غيرى.
إنهم فى الهند يعبدون البقر! وأحسبنى أفضل من عجل..!!
***
إنه مع التخلف العقلى تنتشر جهالات شائنة!.
وعندما يعم نور العلم أهل الأرض كلهم فستمحى خرافات شتى، أو على القليل سيكفر الناس بالديانات الوثنية كلها، وبكل دين يناقض فى أصوله العقل ويصادم منطقه، وأدلته، ووسائله...!
من أجل ذلك نحن واثقون من نهاية الصليبية.
وموقنون بأن اطراد الرقى العلمى سينسخ ظلالها، ويقطع حبالها، ويلحقها بغيرها من النحل التى تخلص العالم منها لأنه يحترم نفسه.
إن الصراع سيبقى بين نقيضين.
الإيمان بالإله الواحد المنزه عن أوهام التجسد وما يتبعها.
والإلحاد المعطل للألوهية، النافى لأصل وجودها!! إيمان بالله الفرد الصمد، أو كفر به..
هذا هو ميدان النزاع الحقيقى.
أما محاولة الصلح مع العقل على أساس إقناعه بأن الآلهة الثلاثة إله واحد، أو محاولة الصلح معه على أساس أن السلوك الإنسانى من الأزل إلى الأبد قد تحمل أوزاره قربان مصلوب، فدون ذلك أبعاد لا تقطع، وصعوبات لا تذلل..!!
والرجال الذين يؤمنون بالله ويحترمون الدين، فى أوروبا وأمريكا وغيرها، يقيمون عقائدهم على جملة من أصول الفطرة التى أدركوها بمواهبهم الخاصة، واستراحت إليها عقولهم الحصيفة.
ومن الافتراء الزعم بأنهم نصارى حقيقيون، يصدقون بالثالوث والفداء.
ولست أقول هذا من عند نفسى، ولكنى أنقل للقارئ فقرات من كتاب "العودة إلى الإيمان " الذى ألفه الدكتور " هنرى لنك " وترجمة السيد ثروت عكاشة وزير الإرشاد.
والدكتور هنرى يقول:
إنه كان ملحدا ثم آمن...
ومن حقنا أن نتساءل: ما الذى ألحد فيه هذا الرجل أولا.؟
وما هو الإيمان الذى عاد إليه أخيرا!!!
فلنسمع إلى الدكتور " هنرى لنك " يحدثنا عن نفسه فيقول: " اشتهرت الكلية التى انتسبت إليها بأن 85% من خريجيها يلتحقون عادة بالوظائف الدينية! ولقد لمست فيها شدة النشاط الديني وعنفه.
ولكنى لما كنت شغوفا بالعلم، والمعرفة، والبحث عن الحقيقة شعرت بأن الجو العقلى السائد فيها خانق.
وزاد الطين بله انتشار فضيحة العلاقة الغرامية بين عميد الكلية ورئيسة الراهبات، فإن هذه القصة أججت كثيرا من الشكوك التى كانت تنتاب ذهنى المكدود...!
فالتحقت فى السنة التالية بكلية أخرى من كبريات الكليات فى شرق أمريكا حيث بدأت أدرس تاريخ الفلسفة والتربية الدينية، أما تاريخ الفلسفة فهو يصور تحرر العقل البشرى من الخرافات والأوهام الدينية المضللة.
وقد لازم ميدان العلوم وظهورها ونماءها استشهاد تلك الجمهرة من العلماء الذين اجترأوا فتطاولوا على الكنيسة مسفهين عقائدها.
وقامت الدراسة ـ فى هذه الكلية ـ على تمجيد طريقة ربط الأسباب بالمسببات، فكل حادث ما هو إلا حلقة من سلسلة هذه الأسباب والمسببات التى لا تنقطع.
وذلك عكس الميل السائد لدى كبار رجال الكنيسة الأولين أمثال "ترتوليان " الذى قال: لابد لى من الإيمان بتعاليم الكنيسة رغم سخافتها.
قال: لذلك كان هذا الشوط من الدراسة أمتع وأبهر ما تلقيت، وأعظم المراحل تأثيرا علىّ...!
وكان فيه الجواب الكامل عن الشكوك الدينية المختلفة التى ساورتنى من قبل، ولم أهتد إلى حل لها يقنعنى.
فخرجت من ذلك كله باحترام عميق لقانون التسبب، ولمكتشفات العلم الحديث!!! أما عقيدتى الدينية فقد هوت لما لم تجد ما تستند عليه، ولما لم تصادف من يتلقفها...!
وفي العام الدراسى نفسه درسنا التربية الدينية، وكانت هذه الدراسة عرضا تاريخيا للتطور الذي حل بالكتاب المقدس، فعرفنا الطريقة الفاسدة التى أكتمل بها هذا الكتاب..!!
ولمسنا فى الأسفار التى درسناها الدلائل القاطعة على أن رجال الدين، الواحد تلو الآخر، أخذوا يعبثون بهذا الكتاب، ويعيدون كتابة بعض أجزائه مضيفين إليها ما يعن لهم.
ولذلك قسمت محتويات العهد الجديد إلى ثلاثة أقسام متساوية.
تلك المقطوع بصدقها، أى التى جاءت على لسان المسيح.
وتلك المشكوك فيها.
وتلك التى زيفت على مر الأيام.
فكانت هذه الدرإسة ـ التى جعلت كل ما سبق أن اعتنقته من مبادئ الكتاب المقدس يبدو صبيانيا أمام نظرى ـ كانت خير مثل لما يسمونه وقتئذ "النقد العالى".
قال: ولما تخرجت فى هذه الجامعة بعد أن نلت شهادة فى " بيتا كابا " كنت ملحدا عنيفا، ومقتنعا كل الاقتناع بإلحادي، ومستعدا لإقناع غيرى به.
وهكذا فى العشرين سنة التالية كنت أبالغ فى احتقار التعاليم الكنسية، وأومن بأن الدين هو ملجأ العقول الخاملة ".
***
هكذا حكى لنا الدكتور " هنرى لنك " نبأ كفره بالدين وسر تحوله عنه.
إن عقله لم يسع النقائض التى حواها، ولا ازدراد الأباطيل التى انضافت إليه على مر القرون..
وسلك الرجل طريقه فى الحياة على النحو الذى تراءى له.
إلا أن فكره النير لم يرض عن المصير الذى انتهى إليه.
بل لعله أخذ يحس أن ذلك ليس نهاية المطاف..
فإن حياة كثير من الملحدين تتضمن من الأوساخ والأقذاء ما يثير النفس.
وموقفهم الواهن من مشكلات الدنيا يستدعى النظر العميق.
ومن ثم حكم الدكتور الذكى بقيمة الإيمان الفردية والاجتماعية، بعدما تأمل فى حياة المجتمع الصاخب اللاغب الذى عاش فيه، واستخلص من إحصاء المترددين على عيادته النفسية هذه النتيجة، وهى " أن كل من يعتنق دينا، أو يتردد على بيت عبادة، يتمتع بشخصية أقوى وأفضل ممن لا دين له، ولا يزاول أية عبادة "..!!
لكن ماذا تعنى هذه النتيجة؟ أتراها صالحة لرد رجل شاك إلى حظيرة الدين الذى خرج عليه؟ إن التدين، حقا كان أو باطلا، قد يهب لأصحابه راحة نفسية، وقد يزودهم بطاقة روحية تشد أزرهم أمام المآسى والصعاب..
بيد أن شيئا من ذلك كله لا يحمل الرجل العاقل فى الغرب على اعتناق كثير من الأفكار الدينية المتوارثة هناك، إذ يجزم من أغوار فؤاده باستحالتها..
ولذلك أخذ الدكتور المتعطش عن الإيمان يكون لنفسه مجموعة من المبادئ الدينية التى تتفق مع العقل، وإن خالفت الكنيسة ومواريثها...!
واسمع إليه يقول: " لم تكن رجعتى إلى الدين رجعة الضال الذى اهتدى إلى دين صائب.
أعنى أن هذه الرجعة لم تصاحب شعورا متوقدا، أو نعرة عاطفية.
لقد كانت رجعة عن طريق العقل فحسب لسوء الحظ "!! فما هى هذه الرجعة العقلية التى وصفها الدكتور بكلماته السابقة؟ يقول: " إن فكرتى عن الدين تتضمن بضعة معتقدات لا تؤيدها مذاهب دينية معينة ـ طبعا من التى يعرفون فى أمريكا ـ.
وتنبذ بعض الآراء التى تعدها مذاهب أخرى أمرا جوهريا..
إذن فما هو الدين....!؟ ".
كذلك يتساءل الدكتور "هنرى لنك "، ثم يتولى الإجابة بنفسه على سؤاله فيقول: " الدين هو الإيمان بوجود قوة ما تعتبر مصدرا للحياة، هذه القوة هى قوة الله مدبر الكون وخالق السموات.
الدين هو الاقتناع بالدستور الخلقى السماوى الذى سنه الله فى كتبه المتعاقبة.
إن التعاليم الإلهية أثمن كنز تغترف منه الحقائق الدينية.
وهى أسمى فى مرماها من جميع العلوم الإنسانية ".
لكن هل هذا التصور للدين يتفق مع أحاديث رجال الكنيسة؟ إنه تصور فطرى بسيط اهتدى إليه الرجل دون تكلف ولا افتعال، وهو يغاير المعروف من سدنة المسيحية القائلين بالتثليث، والصلب، والفداء.
ومع ذلك فهو يذهب إلى الكنيسة!! لماذا؟ يقول " أذهب لأنى قد أخالف الواعظ فى رأيه، بيد أنى أرغم نفسى على الإصغاء إلى موعظته..!!
وبعض الخاصة من أصدقائى الذين يحيطون علما بدقائق حياتى يعتبروننى مرائيا، لأننى لا أصدق بمبادئ هذه الكنيسة أو غيرها ثم أتردد عليها.
ولكن أذهب لأنى مؤمن تماما أن ذهابى سيفيد "..!!
ويقول: لقد صارحنى عدد جم من الناس قائلين: لا تظننا نشك فى وجود الخالق، بل نحن نؤمن به، وبقدرته جل وعلا..
لكنه إيمان من نوع جديد، لم يأت عن طريق ترديد الخلف أقوال السلف، فكلنا يمقت الكنيسة ويتجنبها لما تثيره فينا نظرياتها ومبادئها ورجالها من النفور والاشمئزاز...!
وكنت أومئ برأسى علامة الموافقة على هذه الاعترافات، لأنها تؤيد مبادئي تأييدا تاما، وتبرر نفورى من الكنيسة...! ".
ولكن الدكتور لم ين عن نصح زواره من طلاب العافية النفسية بالتردد على الكنائس المختلفة، وحضور الصلوات ويبدو ذلك جليا فى كتابه...!
ما معنى هذا الكلام إذن؟ وما تفسير المسلك الغريب الذى يصحبه؟ والجواب: إن الدكتور " هنرى لنك " لم يتحول قيد أنملة عن الإلحاد الذى تشبث بأفكاره ومشاعره صدر شبابه.
لقد كفر بأصول الديانة التى وقع عليها بصره، أو التى لم تعرف بصيرته سواها.
وظل- إلى أن أصدر كتابه هذا- كافرا بأقانيمها، وقرابينها وأناجيلها، ولم ينشرح صدره إلا بمبادئ دينية استكشفتها فطرته، واستراحت إليها فكرته.
خلاصتها أن للعالم إلها واحدا هو الذى يخلق ويدبر، وأن الصحائف التى تكون منها العهد الجديد فيها حق يرضيه، وفيها باطل يهمله.
وأن ما يقوله الكهنة فى المعابد التى أقاموها ـ غير هذا ـ لا قيمة له.
والحق أننا مع الدكتور فى حالتيه، نؤيده فيما كفر به، ونؤيده فيما آمن به..
لأن الرجل يلتقى مع الإسلام فى كل المبادئ التى يحن إليها...!
(قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم).
أما وصاياه لمرضاه بالذهاب إلى معابدهم، فلا تفسير لها إلا أنه يرتكب أخف الضررين.
فلك أن المجتمع الأمريكى قد تملكه مس من فراغ القلب، وسطوة المادة وعربدة الغرائز...!!!
وتدبر وصفه لحال بلاده إبان الحرب العالمية الأخيرة إذ يقول: " بينما العالم كله يتلظى بجحيم هذا الأتون الملتهب كانت الولايات المتحدة تعانى الكثير من الإضرابات، وحرب الطبقات، والصراع الدنئ للوصول إلى الحكم، كما كانت تعانى الكثير من تفكك عرى الأسرة، وانفصام روابط الزوجية، وازدياد حوادث الطلاق التى سجلتها المحاكم.
فكيف تعالج هذه المآسى؟ وما يصنع الدكتور النفسى بازائها؟ لابد من دين ما، تسكن إليه هذه الأفئدة الوجلة، وتتعلق الجماهير ببشارته وإنذاراته..
لا يهم نوع هذا الدين: ولا القضايا التى يقوم عليها.
يقول: كثيرا ما كنت أحث مرضاى من الكاثوليك أن يكونوا أشد كثلكة ـ مع أنه بروستانتى ـ! كما كنت أشجع مرضاى من غير المسيحيين أن يترددوا على معابدهم ومنشآتهم الدينية...!
وذلك على أساس مطالب الأفراد وضرورة استخدام الوسائل الممكنة ـ فى علاجها.
ووضح من هذا الكلام أن الرجل ـ احتفظ لنفسه بإيمانه الخاص ـ وأنه يستغل عاطفة التدين مهما كانت طبيعتها فى معالجة الآثار المدمرة للحضارة المادية.
ولا عليه أن يدفع أصحاب العقائد المتناقضة كلا فى طريقه حسب وجهته.
غير أنه اجتهد فى تزويدهم بجملة نصائح سنعرفها ـ بعد ـ تيسر لهم الشفاء من العلل التى يرزحون تحتها...!!
***
وأجدنى مسوقا هنا للكلام عن دين الفطرة، الدين الذى التمسه الرجل ولم يعرفه...!
اننى ما تتبعت كلمات رجل لامع الفكر من علماء الغرب ورؤسائه إلا رأيت عليها مسحة من الحق تفقد عنوانها الدين المعروف عندنا وحدنا، وتتفق بعد ذلك مع جوهره!! إن سلامة القلب ونقاوة الطبيعة تبدوان فى عبارات جم غفير من الأطباء والمهندسين والكيماويين والفلكيين، وأضرابهم من الراسخين فى علوم الكون والحياة الذين يهتفون جميعا بأن هذا العالم الفسيح الأرجاء، من ورائه قوة كبرى، تشرف عليه، وتضبط نظمه 000 هى قوة الإله الأكبر الذى يحسون آثاره، ويعجزون عن إدراك كنهه..
أنستثنى العلماء الحمر من هذا القول؟!
لقد نشرت صحيفة الجمهورية فى أكتوبر سنة 1959 تصريحا لعصابة منهم جاء فيه: إن الكواكب تسيرها قوة حكيمة ..
ولست ممن يعولون على التصريحات المرتجلة فى مثل هذا الموضوع.
ولكنى أعذر الذين يكفرون بالأقانيم والقرابين وكل تدين منحرف، ثم لا يجدون ينبوعا من اليقين الخالص يروى ظمأهم إلى الحق، فهم يتحسسون الطريق نحو الإيمان بالله الواحد فى جو موحش.
حسبهم أن يعرفوا أن الله من ورائهم محيط، وأنه على كل شئ قدير، وأنه ينزل الأشياء بقدر معلوم..
الخ.
وبديهى أن تكون فكرتهم عن الحساب الأخروى غامضة، وعن حقوق هذا الإله المفصلة المرتبة أشد غموضا.
فأنى لهم العلم بها؟ ولكنهم ـ بهذا القدر ـ أقرب إلى الإسلام منهم إلى أى دين آخر! إن إعظامهم لهذا الإله ينحصر فى تقديرهم القلبى له وكفى! وجمهرة الرواد والمخترعين والباحثين العالميين من هذا القبيل.
وفى بيئتهم ارتقى العلم، واتسعت الكشوف...!
وكأن الله عز وجل رآهم أسلم فطرة من غيرهم، فهداهم إلى ما لم يهد إليه ورثة الدين من ذوى العمائم البيض أو السود!! لقد عايشت هؤلاء الورثة، واقتربت من نفوسهم فوجدت الدين الحق أبعد شئ عنها.
وإذا كان الدين فطرة مستقيمة لا معوجة، وفكرة ميسرة لا معسرة، فحظوظ هؤلاء من الدين لا تساوى شيئا، وهمهمتهم فى المعابد لا تغنى عنهم فتيلا...!
وأدنى منهم إلى القبول الإلهى رجال مفعمة قلوبهم إعزازا لخالق الكون.
وإن لم يحسنوا ترجمة هذا الإعزاز إلى ألفاظ التكبير والتسبيح والتحميد، ولا إلى مراسم العبادة المقررة...!!!!
جاء فى محاضرة ألقاها الأستاذ السيد أبو المجد بقاعة الأزهر هذا النص اللطيف "حسبنا أن نستمع إلى ما قرره أكبر باحث علمى فى العصر الحديث ـ وهو العلامة "أينشتاين " ـ حيث يقول: " إن أعظم جائشة من جائشات النفس وأجملها، تلك التى تستشعرها النفس عند الوقوف فى روعة أمام هذا الخفاء السارى فى الكون، والإظلام المكتنف لمادته...!!!
إن الذى لا تجيش نفسه لهذا أو لا تتحرك عاطفته، ليس إلا حيا مثل ميت...!!
إن فى الكون خفاء لا نستطيع أن نشق حجبه، وإظلاما لا نستطيع أن نطلع فجره...!!
ومع هذا فنحن ندرك أن وراءهما شيئا هو الحكمة أحكم ما تكون، ونحس أن وراءهما شيئا هو الجمال أجمل ما يكون...!
حكمة وجمال لا تستطيع عقولنا القاصرة أن تدركهما إلا فى صور ساذجة أولية.
وإدراكنا وإحساسنا ـ نحن البشر ـ بهذا الجمال الرائع هو جوهر التعبد عند الخلائق.
ثم يقول: إن الشعور الدينى الذى يجده الباحث فى الكون هو أقوى وأنبل حافز على البحث العلمى...!
ويقول: إن دينى هو إعجابى بتلك الروح السامية التى لا حد لها، والتى تتراءى فى التفاصيل الصغيرة القليلة التى تستطيع إدراكها عقولنا الضعيفة العاجزة.
وهو إيمانى العاطفى العميق بوجود قدرة عاقلة مهيمنة تبدو حيث ما نظرنا فى هذا الكون المعجز للأفهام.
إن هذا الإيمان يؤلف عندى معنى الله ".
هذا أيها السادة هو إيمان أكبر عالم عصرى كشف بعض أسرار الكون الغامضة، فاهتدى عن طريقها إلى الله...!
إن العلم فى أعمق أبحاثه، وأن الفلسفة فى أسمى موضوعاتها، ليتلاقيان فى وئام وإنسجام بالدين الخالد الكامل.
دين الإسلام.
دين الوحدانية الخالصة واليقين المعقول، وصدق الله العظيم (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا).
إن الدين الحق ضاع بين جبهتين كبيرتين تزحمان العالم.
الجبهة الإسلامية التى مرغت حقائق الفطرة فى الوحل، ولم تحسن بناء مجتمع إنسانى راشد على ضوئها.
والجبهة المسيحية التى تملك جهازا كنسيا متشعب الأطراف يعد أشد القوى إذاعة للخرافات، وتغطية للآثام، ومحاربة للإيمان الصادق..
ولن يصلح هذا العالم إلا إذا التأم واقعه مع منطق الفطرة، وانسجم سيره مع صوتها الرقيق.
أى يوم يفقه العلماء الماديون الإسلام، فيؤمنون بالله لفورهم.
الإيمان الكامل الواضح؟.
أو يوم ينصف المسلمون الدين الذى ظلموه، وآذوا الله ورسوله بسوء الخلافة فيه، والتعكير لصفوه، والتنفير منه...!؟
يتبع,,,,
من كتاب الاسلام والطاقات المعطلة...
دين المستقبل
إن طال بالدنيا عمر، وظلت الحياة ترقى فى مضمار المعرفة على النحو الذى نرى، فسوف تزول خرافات كثيرة، وتنقطع أوهام استحوذت على تاريخ البشر دهرا..!!
أظن الناس فى القارات المتقدمة يترفعون عن نحت صنم من الحجارة ثم يسجدون له، ويوجلون فى حضرته!؟ إن حظوظهم من الإدراك السليم تأبى عليهم هذا الذى طالما فعلته القرون الأولى، وتعصبت له، وقاتلت دونه!! وإن كان من المؤسف أن يقتصر هذا التقدم على بعض الناس دون بعض.
فإن جماهير هائلة من الهنود لا تزال تقدس الحيوان والجماد، وتتخذ لها آلهة من بعض عناصر الكون الحقيرة أو الغالية!! وقد روت الأنباء أن مجمعا دينيا فى " البنغال " أصدر قرارا باعتبار " نهرو " إلها، وأبلغت الزعيم هذا القرار الذى غضب له، واستنكره، ولكن العباد أبوا إلا المضى فيه، مما جعل " راديو " الباكستان يتندر بالقصة كلها، ويذيعها على مستمعيه ساخرا!! وقد روى أحد الظرفاء طرفة أخرى.
فإن " أغاخان " المدفون بأسوان سئل: أحقا أنك تحمل روح الله فى بدنك، وأنك لهذا تعبد، ويزنك أتباعك بالذهب؟ فسكت الرجل قليلا.
ثم قال ضاحكا: أنا أولى بالألوهية من غيرى.
إنهم فى الهند يعبدون البقر! وأحسبنى أفضل من عجل..!!
***
إنه مع التخلف العقلى تنتشر جهالات شائنة!.
وعندما يعم نور العلم أهل الأرض كلهم فستمحى خرافات شتى، أو على القليل سيكفر الناس بالديانات الوثنية كلها، وبكل دين يناقض فى أصوله العقل ويصادم منطقه، وأدلته، ووسائله...!
من أجل ذلك نحن واثقون من نهاية الصليبية.
وموقنون بأن اطراد الرقى العلمى سينسخ ظلالها، ويقطع حبالها، ويلحقها بغيرها من النحل التى تخلص العالم منها لأنه يحترم نفسه.
إن الصراع سيبقى بين نقيضين.
الإيمان بالإله الواحد المنزه عن أوهام التجسد وما يتبعها.
والإلحاد المعطل للألوهية، النافى لأصل وجودها!! إيمان بالله الفرد الصمد، أو كفر به..
هذا هو ميدان النزاع الحقيقى.
أما محاولة الصلح مع العقل على أساس إقناعه بأن الآلهة الثلاثة إله واحد، أو محاولة الصلح معه على أساس أن السلوك الإنسانى من الأزل إلى الأبد قد تحمل أوزاره قربان مصلوب، فدون ذلك أبعاد لا تقطع، وصعوبات لا تذلل..!!
والرجال الذين يؤمنون بالله ويحترمون الدين، فى أوروبا وأمريكا وغيرها، يقيمون عقائدهم على جملة من أصول الفطرة التى أدركوها بمواهبهم الخاصة، واستراحت إليها عقولهم الحصيفة.
ومن الافتراء الزعم بأنهم نصارى حقيقيون، يصدقون بالثالوث والفداء.
ولست أقول هذا من عند نفسى، ولكنى أنقل للقارئ فقرات من كتاب "العودة إلى الإيمان " الذى ألفه الدكتور " هنرى لنك " وترجمة السيد ثروت عكاشة وزير الإرشاد.
والدكتور هنرى يقول:
إنه كان ملحدا ثم آمن...
ومن حقنا أن نتساءل: ما الذى ألحد فيه هذا الرجل أولا.؟
وما هو الإيمان الذى عاد إليه أخيرا!!!
فلنسمع إلى الدكتور " هنرى لنك " يحدثنا عن نفسه فيقول: " اشتهرت الكلية التى انتسبت إليها بأن 85% من خريجيها يلتحقون عادة بالوظائف الدينية! ولقد لمست فيها شدة النشاط الديني وعنفه.
ولكنى لما كنت شغوفا بالعلم، والمعرفة، والبحث عن الحقيقة شعرت بأن الجو العقلى السائد فيها خانق.
وزاد الطين بله انتشار فضيحة العلاقة الغرامية بين عميد الكلية ورئيسة الراهبات، فإن هذه القصة أججت كثيرا من الشكوك التى كانت تنتاب ذهنى المكدود...!
فالتحقت فى السنة التالية بكلية أخرى من كبريات الكليات فى شرق أمريكا حيث بدأت أدرس تاريخ الفلسفة والتربية الدينية، أما تاريخ الفلسفة فهو يصور تحرر العقل البشرى من الخرافات والأوهام الدينية المضللة.
وقد لازم ميدان العلوم وظهورها ونماءها استشهاد تلك الجمهرة من العلماء الذين اجترأوا فتطاولوا على الكنيسة مسفهين عقائدها.
وقامت الدراسة ـ فى هذه الكلية ـ على تمجيد طريقة ربط الأسباب بالمسببات، فكل حادث ما هو إلا حلقة من سلسلة هذه الأسباب والمسببات التى لا تنقطع.
وذلك عكس الميل السائد لدى كبار رجال الكنيسة الأولين أمثال "ترتوليان " الذى قال: لابد لى من الإيمان بتعاليم الكنيسة رغم سخافتها.
قال: لذلك كان هذا الشوط من الدراسة أمتع وأبهر ما تلقيت، وأعظم المراحل تأثيرا علىّ...!
وكان فيه الجواب الكامل عن الشكوك الدينية المختلفة التى ساورتنى من قبل، ولم أهتد إلى حل لها يقنعنى.
فخرجت من ذلك كله باحترام عميق لقانون التسبب، ولمكتشفات العلم الحديث!!! أما عقيدتى الدينية فقد هوت لما لم تجد ما تستند عليه، ولما لم تصادف من يتلقفها...!
وفي العام الدراسى نفسه درسنا التربية الدينية، وكانت هذه الدراسة عرضا تاريخيا للتطور الذي حل بالكتاب المقدس، فعرفنا الطريقة الفاسدة التى أكتمل بها هذا الكتاب..!!
ولمسنا فى الأسفار التى درسناها الدلائل القاطعة على أن رجال الدين، الواحد تلو الآخر، أخذوا يعبثون بهذا الكتاب، ويعيدون كتابة بعض أجزائه مضيفين إليها ما يعن لهم.
ولذلك قسمت محتويات العهد الجديد إلى ثلاثة أقسام متساوية.
تلك المقطوع بصدقها، أى التى جاءت على لسان المسيح.
وتلك المشكوك فيها.
وتلك التى زيفت على مر الأيام.
فكانت هذه الدرإسة ـ التى جعلت كل ما سبق أن اعتنقته من مبادئ الكتاب المقدس يبدو صبيانيا أمام نظرى ـ كانت خير مثل لما يسمونه وقتئذ "النقد العالى".
قال: ولما تخرجت فى هذه الجامعة بعد أن نلت شهادة فى " بيتا كابا " كنت ملحدا عنيفا، ومقتنعا كل الاقتناع بإلحادي، ومستعدا لإقناع غيرى به.
وهكذا فى العشرين سنة التالية كنت أبالغ فى احتقار التعاليم الكنسية، وأومن بأن الدين هو ملجأ العقول الخاملة ".
***
هكذا حكى لنا الدكتور " هنرى لنك " نبأ كفره بالدين وسر تحوله عنه.
إن عقله لم يسع النقائض التى حواها، ولا ازدراد الأباطيل التى انضافت إليه على مر القرون..
وسلك الرجل طريقه فى الحياة على النحو الذى تراءى له.
إلا أن فكره النير لم يرض عن المصير الذى انتهى إليه.
بل لعله أخذ يحس أن ذلك ليس نهاية المطاف..
فإن حياة كثير من الملحدين تتضمن من الأوساخ والأقذاء ما يثير النفس.
وموقفهم الواهن من مشكلات الدنيا يستدعى النظر العميق.
ومن ثم حكم الدكتور الذكى بقيمة الإيمان الفردية والاجتماعية، بعدما تأمل فى حياة المجتمع الصاخب اللاغب الذى عاش فيه، واستخلص من إحصاء المترددين على عيادته النفسية هذه النتيجة، وهى " أن كل من يعتنق دينا، أو يتردد على بيت عبادة، يتمتع بشخصية أقوى وأفضل ممن لا دين له، ولا يزاول أية عبادة "..!!
لكن ماذا تعنى هذه النتيجة؟ أتراها صالحة لرد رجل شاك إلى حظيرة الدين الذى خرج عليه؟ إن التدين، حقا كان أو باطلا، قد يهب لأصحابه راحة نفسية، وقد يزودهم بطاقة روحية تشد أزرهم أمام المآسى والصعاب..
بيد أن شيئا من ذلك كله لا يحمل الرجل العاقل فى الغرب على اعتناق كثير من الأفكار الدينية المتوارثة هناك، إذ يجزم من أغوار فؤاده باستحالتها..
ولذلك أخذ الدكتور المتعطش عن الإيمان يكون لنفسه مجموعة من المبادئ الدينية التى تتفق مع العقل، وإن خالفت الكنيسة ومواريثها...!
واسمع إليه يقول: " لم تكن رجعتى إلى الدين رجعة الضال الذى اهتدى إلى دين صائب.
أعنى أن هذه الرجعة لم تصاحب شعورا متوقدا، أو نعرة عاطفية.
لقد كانت رجعة عن طريق العقل فحسب لسوء الحظ "!! فما هى هذه الرجعة العقلية التى وصفها الدكتور بكلماته السابقة؟ يقول: " إن فكرتى عن الدين تتضمن بضعة معتقدات لا تؤيدها مذاهب دينية معينة ـ طبعا من التى يعرفون فى أمريكا ـ.
وتنبذ بعض الآراء التى تعدها مذاهب أخرى أمرا جوهريا..
إذن فما هو الدين....!؟ ".
كذلك يتساءل الدكتور "هنرى لنك "، ثم يتولى الإجابة بنفسه على سؤاله فيقول: " الدين هو الإيمان بوجود قوة ما تعتبر مصدرا للحياة، هذه القوة هى قوة الله مدبر الكون وخالق السموات.
الدين هو الاقتناع بالدستور الخلقى السماوى الذى سنه الله فى كتبه المتعاقبة.
إن التعاليم الإلهية أثمن كنز تغترف منه الحقائق الدينية.
وهى أسمى فى مرماها من جميع العلوم الإنسانية ".
لكن هل هذا التصور للدين يتفق مع أحاديث رجال الكنيسة؟ إنه تصور فطرى بسيط اهتدى إليه الرجل دون تكلف ولا افتعال، وهو يغاير المعروف من سدنة المسيحية القائلين بالتثليث، والصلب، والفداء.
ومع ذلك فهو يذهب إلى الكنيسة!! لماذا؟ يقول " أذهب لأنى قد أخالف الواعظ فى رأيه، بيد أنى أرغم نفسى على الإصغاء إلى موعظته..!!
وبعض الخاصة من أصدقائى الذين يحيطون علما بدقائق حياتى يعتبروننى مرائيا، لأننى لا أصدق بمبادئ هذه الكنيسة أو غيرها ثم أتردد عليها.
ولكن أذهب لأنى مؤمن تماما أن ذهابى سيفيد "..!!
ويقول: لقد صارحنى عدد جم من الناس قائلين: لا تظننا نشك فى وجود الخالق، بل نحن نؤمن به، وبقدرته جل وعلا..
لكنه إيمان من نوع جديد، لم يأت عن طريق ترديد الخلف أقوال السلف، فكلنا يمقت الكنيسة ويتجنبها لما تثيره فينا نظرياتها ومبادئها ورجالها من النفور والاشمئزاز...!
وكنت أومئ برأسى علامة الموافقة على هذه الاعترافات، لأنها تؤيد مبادئي تأييدا تاما، وتبرر نفورى من الكنيسة...! ".
ولكن الدكتور لم ين عن نصح زواره من طلاب العافية النفسية بالتردد على الكنائس المختلفة، وحضور الصلوات ويبدو ذلك جليا فى كتابه...!
ما معنى هذا الكلام إذن؟ وما تفسير المسلك الغريب الذى يصحبه؟ والجواب: إن الدكتور " هنرى لنك " لم يتحول قيد أنملة عن الإلحاد الذى تشبث بأفكاره ومشاعره صدر شبابه.
لقد كفر بأصول الديانة التى وقع عليها بصره، أو التى لم تعرف بصيرته سواها.
وظل- إلى أن أصدر كتابه هذا- كافرا بأقانيمها، وقرابينها وأناجيلها، ولم ينشرح صدره إلا بمبادئ دينية استكشفتها فطرته، واستراحت إليها فكرته.
خلاصتها أن للعالم إلها واحدا هو الذى يخلق ويدبر، وأن الصحائف التى تكون منها العهد الجديد فيها حق يرضيه، وفيها باطل يهمله.
وأن ما يقوله الكهنة فى المعابد التى أقاموها ـ غير هذا ـ لا قيمة له.
والحق أننا مع الدكتور فى حالتيه، نؤيده فيما كفر به، ونؤيده فيما آمن به..
لأن الرجل يلتقى مع الإسلام فى كل المبادئ التى يحن إليها...!
(قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم).
أما وصاياه لمرضاه بالذهاب إلى معابدهم، فلا تفسير لها إلا أنه يرتكب أخف الضررين.
فلك أن المجتمع الأمريكى قد تملكه مس من فراغ القلب، وسطوة المادة وعربدة الغرائز...!!!
وتدبر وصفه لحال بلاده إبان الحرب العالمية الأخيرة إذ يقول: " بينما العالم كله يتلظى بجحيم هذا الأتون الملتهب كانت الولايات المتحدة تعانى الكثير من الإضرابات، وحرب الطبقات، والصراع الدنئ للوصول إلى الحكم، كما كانت تعانى الكثير من تفكك عرى الأسرة، وانفصام روابط الزوجية، وازدياد حوادث الطلاق التى سجلتها المحاكم.
فكيف تعالج هذه المآسى؟ وما يصنع الدكتور النفسى بازائها؟ لابد من دين ما، تسكن إليه هذه الأفئدة الوجلة، وتتعلق الجماهير ببشارته وإنذاراته..
لا يهم نوع هذا الدين: ولا القضايا التى يقوم عليها.
يقول: كثيرا ما كنت أحث مرضاى من الكاثوليك أن يكونوا أشد كثلكة ـ مع أنه بروستانتى ـ! كما كنت أشجع مرضاى من غير المسيحيين أن يترددوا على معابدهم ومنشآتهم الدينية...!
وذلك على أساس مطالب الأفراد وضرورة استخدام الوسائل الممكنة ـ فى علاجها.
ووضح من هذا الكلام أن الرجل ـ احتفظ لنفسه بإيمانه الخاص ـ وأنه يستغل عاطفة التدين مهما كانت طبيعتها فى معالجة الآثار المدمرة للحضارة المادية.
ولا عليه أن يدفع أصحاب العقائد المتناقضة كلا فى طريقه حسب وجهته.
غير أنه اجتهد فى تزويدهم بجملة نصائح سنعرفها ـ بعد ـ تيسر لهم الشفاء من العلل التى يرزحون تحتها...!!
***
وأجدنى مسوقا هنا للكلام عن دين الفطرة، الدين الذى التمسه الرجل ولم يعرفه...!
اننى ما تتبعت كلمات رجل لامع الفكر من علماء الغرب ورؤسائه إلا رأيت عليها مسحة من الحق تفقد عنوانها الدين المعروف عندنا وحدنا، وتتفق بعد ذلك مع جوهره!! إن سلامة القلب ونقاوة الطبيعة تبدوان فى عبارات جم غفير من الأطباء والمهندسين والكيماويين والفلكيين، وأضرابهم من الراسخين فى علوم الكون والحياة الذين يهتفون جميعا بأن هذا العالم الفسيح الأرجاء، من ورائه قوة كبرى، تشرف عليه، وتضبط نظمه 000 هى قوة الإله الأكبر الذى يحسون آثاره، ويعجزون عن إدراك كنهه..
أنستثنى العلماء الحمر من هذا القول؟!
لقد نشرت صحيفة الجمهورية فى أكتوبر سنة 1959 تصريحا لعصابة منهم جاء فيه: إن الكواكب تسيرها قوة حكيمة ..
ولست ممن يعولون على التصريحات المرتجلة فى مثل هذا الموضوع.
ولكنى أعذر الذين يكفرون بالأقانيم والقرابين وكل تدين منحرف، ثم لا يجدون ينبوعا من اليقين الخالص يروى ظمأهم إلى الحق، فهم يتحسسون الطريق نحو الإيمان بالله الواحد فى جو موحش.
حسبهم أن يعرفوا أن الله من ورائهم محيط، وأنه على كل شئ قدير، وأنه ينزل الأشياء بقدر معلوم..
الخ.
وبديهى أن تكون فكرتهم عن الحساب الأخروى غامضة، وعن حقوق هذا الإله المفصلة المرتبة أشد غموضا.
فأنى لهم العلم بها؟ ولكنهم ـ بهذا القدر ـ أقرب إلى الإسلام منهم إلى أى دين آخر! إن إعظامهم لهذا الإله ينحصر فى تقديرهم القلبى له وكفى! وجمهرة الرواد والمخترعين والباحثين العالميين من هذا القبيل.
وفى بيئتهم ارتقى العلم، واتسعت الكشوف...!
وكأن الله عز وجل رآهم أسلم فطرة من غيرهم، فهداهم إلى ما لم يهد إليه ورثة الدين من ذوى العمائم البيض أو السود!! لقد عايشت هؤلاء الورثة، واقتربت من نفوسهم فوجدت الدين الحق أبعد شئ عنها.
وإذا كان الدين فطرة مستقيمة لا معوجة، وفكرة ميسرة لا معسرة، فحظوظ هؤلاء من الدين لا تساوى شيئا، وهمهمتهم فى المعابد لا تغنى عنهم فتيلا...!
وأدنى منهم إلى القبول الإلهى رجال مفعمة قلوبهم إعزازا لخالق الكون.
وإن لم يحسنوا ترجمة هذا الإعزاز إلى ألفاظ التكبير والتسبيح والتحميد، ولا إلى مراسم العبادة المقررة...!!!!
جاء فى محاضرة ألقاها الأستاذ السيد أبو المجد بقاعة الأزهر هذا النص اللطيف "حسبنا أن نستمع إلى ما قرره أكبر باحث علمى فى العصر الحديث ـ وهو العلامة "أينشتاين " ـ حيث يقول: " إن أعظم جائشة من جائشات النفس وأجملها، تلك التى تستشعرها النفس عند الوقوف فى روعة أمام هذا الخفاء السارى فى الكون، والإظلام المكتنف لمادته...!!!
إن الذى لا تجيش نفسه لهذا أو لا تتحرك عاطفته، ليس إلا حيا مثل ميت...!!
إن فى الكون خفاء لا نستطيع أن نشق حجبه، وإظلاما لا نستطيع أن نطلع فجره...!!
ومع هذا فنحن ندرك أن وراءهما شيئا هو الحكمة أحكم ما تكون، ونحس أن وراءهما شيئا هو الجمال أجمل ما يكون...!
حكمة وجمال لا تستطيع عقولنا القاصرة أن تدركهما إلا فى صور ساذجة أولية.
وإدراكنا وإحساسنا ـ نحن البشر ـ بهذا الجمال الرائع هو جوهر التعبد عند الخلائق.
ثم يقول: إن الشعور الدينى الذى يجده الباحث فى الكون هو أقوى وأنبل حافز على البحث العلمى...!
ويقول: إن دينى هو إعجابى بتلك الروح السامية التى لا حد لها، والتى تتراءى فى التفاصيل الصغيرة القليلة التى تستطيع إدراكها عقولنا الضعيفة العاجزة.
وهو إيمانى العاطفى العميق بوجود قدرة عاقلة مهيمنة تبدو حيث ما نظرنا فى هذا الكون المعجز للأفهام.
إن هذا الإيمان يؤلف عندى معنى الله ".
هذا أيها السادة هو إيمان أكبر عالم عصرى كشف بعض أسرار الكون الغامضة، فاهتدى عن طريقها إلى الله...!
إن العلم فى أعمق أبحاثه، وأن الفلسفة فى أسمى موضوعاتها، ليتلاقيان فى وئام وإنسجام بالدين الخالد الكامل.
دين الإسلام.
دين الوحدانية الخالصة واليقين المعقول، وصدق الله العظيم (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا).
إن الدين الحق ضاع بين جبهتين كبيرتين تزحمان العالم.
الجبهة الإسلامية التى مرغت حقائق الفطرة فى الوحل، ولم تحسن بناء مجتمع إنسانى راشد على ضوئها.
والجبهة المسيحية التى تملك جهازا كنسيا متشعب الأطراف يعد أشد القوى إذاعة للخرافات، وتغطية للآثام، ومحاربة للإيمان الصادق..
ولن يصلح هذا العالم إلا إذا التأم واقعه مع منطق الفطرة، وانسجم سيره مع صوتها الرقيق.
أى يوم يفقه العلماء الماديون الإسلام، فيؤمنون بالله لفورهم.
الإيمان الكامل الواضح؟.
أو يوم ينصف المسلمون الدين الذى ظلموه، وآذوا الله ورسوله بسوء الخلافة فيه، والتعكير لصفوه، والتنفير منه...!؟
يتبع,,,,